أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 3: 25-36 » العدد 30: 2008/11 » جسد لفستان الأميرة

بشير عمري - الجزائر

جسد لفستان الأميرة


بشير عمري=1=

قلق الحاجة إلى ممارسة أهم طقس من طقوس استقبالي لريتا ينهشني من الداخل، فهي كما الوضوء قبيل الصلاة. ما إن يقترب موعد لقائي بحبيبتي ريتا حتى أخرج المرآة الصغيرة التي اشتريتها من أحد المحلات الباريسية من جيبي وأتفقد نظام خلقتي بأكمله. وأذكر أنني ذكرت الأمر هذا مرة لأحد الأصدقاء المغتربين العرب فضحك كثيرا وهو يداعب لحيته الطويلة بقبضة يده قبل أن يسألني:

"كما الوضوء تقول. وإن لم تجد المرآة فهل ستتيمم؟"

والرجل على هزله كان مصيبا. أنا أيضا جاريته في هزله إذ قلت له:

"إني لا أعدم وسيلة لأحافظ على هذا الطقس الذي أتبعه مذ اعتنقت هوى ريتا، وأعلنت عليها الحب من طرف واحد ليلة عيد الأضحى للسنة ما قبل الماضية."

فجأة استشاط الرجل غاضبا:

"أو أعلنت عليها الحب في الشهر الحرام؟"

"كل أشهر السنة على الحب حرام عندكم يا أخي."

=2=

وعندما كنت أنسى حمل المرآة ولا أجدها في جيبي، أنتصب في رصيف الشارع الرئيس بباريس المكتظ بالمارة قبالة الواجهة الزجاجية لمحل بيع الأحذية، فآخذ كامل راحتي في التزين وإعادة ترتيب هندامي.

لكن اليوم يوم أحد: تختفي فيه الواجهات الزجاجية خلف أغطية الحديد. لذا، دنوت من صحن طاولة المقهى الفضي اللماع حيث عكس لي شيئا من أصداء وجهي المتقطعة من دون تفاصيل، فرحت أرتب ما استطعت إلمامه من صورة الصحن اللماع. مسحت شعر رأسي، وجذبت حاجبي بالاتجاه المعاكس، وفرقت شاربي ثم شددت ربطة العنق.

ذهلت ريتا قبل أن تبتسم حين قبضت على يدها لحظة بسطتها على صحن الطاولة بعدما وصلت كعادتها متأخرة نصف ساعة عن موعدنا، وقلت لها:

"نعم. قد أصبحت على رأيك. اليقين قد انتحر."

المظاهر تسوء أو تحسن في عيون وأمكنة الآخرين، لا في عيون أصحابها وأهليها. أنا مثلا، وأعوذ بالله من كلمة أنا، أوسم مخلوق على وجه الأرض في نظر أمي، ولا أحد يرقى لدي إلى مصداقية أمي كائنا من كان.

وبوسع مظهري جذب الكثير من فتيات حارتنا، لا والجن أيضا. فذات ليلة أغويت بجسدي جنيا يقطن بالقرب مني بإحدى مزابل مدن جنوب الجزائر النفطية الفقيرة، فاقتحمه عنوة ومن دون استئذان لأزيد من عشرين يوما قبل أن يضطره الشيخ العدوي الذي استنجدت به أمي إلى إخلائه بالقوة.

حادثة رويتها لريتا، فضحكت. كعادتها تضحك كلما حكيت لها عن مغامرات كهذه لي في مدن الجزائر النفطية الفقيرة. ثم قالت وهي ترفل طرف تنورتها القصيرة وتداعب ركبتها البيضاء الناعمة ناظرة من خلف نظارتها السوداء إلى الغادي والآتي من المارة في غير اكتراث بحديثي وبصوت خافت التقطه ببراعة سمعي:

"جني بذوق غبي."

تظاهرت أنا أيضا بقلة الاهتمام. وبمسلك من لم يسمع جيدا سألتها:

"عفوا؟"

شعرت بوقع قسوة ردها علي فراحت تنظر إليّ مبتسمة لتسألني بتودد ساخر:

"ولم تظنه فعل ذلك؟"

"ليستميل إليه الفتيات من الجنيات اللائي لم يرغبن فيه ولم يعرنه اهتماما من قبل طبعا."

فعادت وتبسمت ثم من جديد سألت:

ولكن لمَ شيخ الجامع؟ كنت استشرت الطبيب ليصف لك الدواء أولا لكان ربما أحسن."

وبالسخرية ذاتها أجبتها:

"الأطباء لا يعترفون بفيروس الجن. وسلاحهم الكيماوي لا يجدي مع الجن."

"قاضيه إذن. قبل أن تشكوه الشيخ ليخرجه منك بالقوة."

"حقوقنا لا تلزم الجن."

آلمتني سخرية ريتا وأعادتني إلى عذابات سؤالي الوجيع المكتوم بداخلي: ما الذي يحببني إليها إذن؟

أكيد ليس جسمي المنتفخ بجلده الأسمر وبطنه المتدلي ذي العضلات المترهلة وشعره المنكوش المتجعد الذي فتن جني المزبلة فاقتحمه واحتله بالقوة. تلمست جيبي بحثا عن مرآتي فتذكرت أني قد نسيتها اليوم فزاد ذلك من حدة ألمي.

ولما انتهت تنهدت قبل أن تقف وقالت:

"دعنا من حديث مغامراتك بمدن الجزائر النفطية الفقيرة واستعد معي لما هو جديد.

أحسست بأنه سيل أحلام جارف من ليل قد ملكت سواده ريتا وحداها، أو هكذا خيل لها، فأنا اعتدت على ممازحتها بالقول كل صباح بعدما تقص عليّ رؤياها بالتفصيل:

"أحلامك نيل خرافي منهمر ينبع من المجهول."

فتضجر في العادة وترد:

"بل ينبع من المعقول. أنت فقط من لم يزل يتمرغ في وحل الأضداد."

أحلام النسوة غزيرة كسينما الشرق، لكن ليس فيها قسوة المعنى التي تجعله يرسخ بذاكرة الآخر. هذا ما تبدى لي مع ريتا، المرأة الوحيدة التي استمعت لأحلامها في حياتي. فهي لا ترى حرجا في أن تقص عليّ أشياء رؤياها وأحلامها بعد أن ترمزها لتعيد تفكيكها وقراءتها بمنطق القدر.

ومن فرط هيامي بها انتظرت، ولا زلت، أن تذكرني ولو في زاوية ضيقة من زوايا أحلامها، أو حتى على هامشها لا يهم. دور ثانوي في أحد أفلام أحلامها خير لي من سنة في واقع المدن الجزائرية النفطية الفقيرة. أما من جهتي أنا فلا أقدر على رواية أحلامي لها، وإذا لزم الأمر فلن أفعل إلا بعدما أمرر شريطه بكامله على المقص. فأقص البعض وأكتم الآخر، أو أرجئه إلى يوم أزعم مثل مشاهير العسكر والساسة عندنا أنني سأكتب وأنشر فيه مذكراتي.

كم هي مليئة خزانة أحلامي بالصور الممنوعة من العرض. هددتني أمي مرة بقطع لساني إن عاودت قص مشهد لي مع ابنة أختها على أرجوحة بفيلاتهم الكائنة بحي الضباط بالعاصمة، رويته لها بتصرف.

انتقدت أمي حلمي ذاك بشدة، واشترطت تحت إصراري على الجهر به إلى ابنة خالتي أن أقول نصف ما حلمت وعلمت، كأن أزعم أننا تدحرجنا على أرجوحتين وليس واحدة، وإلا فاصمت.

والبارحة أتت ريتا إلى سريري عارية تطلب مني أن أعيرها خاتم أمي الفلاحة الذي أهدتنيه. فكيف يتسنى لي أن اروي لها هذا؟ هل أقول لريتا خبيرة التجميل وصاحبة صالون لجراحته بباريس، بوسعي أن أفترضك عارية لأني رأيتك كذلك في المنام تطرقين باب غرفتي بالفندق تستعيرينني عوض سترة خاتما؟ مع أني بوسعي تخيلها عارية في أي لحظة شئت وأنى شئت في يقظتي، فما بالك في أحلامي؟ خيالي يا أخي، وأنا حر فيه. أعري على طاولته من أشاء وأستر من أشاء.

ثم فاجأتني عندما أخبرتني أنه علينا أن نتبع سويا ريجيما غذائيا صارما. شعرت بانقباض في البطن والقلب معا، فقاطعتها:

"ولكن لم عسانا نفعل؟ لا يزال بحوزتنا من المال ما يقينا شر الجوع. كما وأن رمضان على الأبواب فلم نزيد أنفسنا جوعا على جوع."

زفرت كعادتها حين يخيب ظنها في تفكيري.

"الجوع اليوم للفن لا لليقين، ألم أقل لك أن زمن اليقين قد ولى وإلى الأبد؟"

صحيح. ريتا محقة. زمن اليقين ولّى إلى غير رجعة مع انهيار جدار برلين. أنا بالكاد توقفت عن ريجيم سياسي عشته في ثلاث أرباع حياتي كلها في الجنوب الجزائري النفطي الفقير. وأذكر مما زلت أحتفظ به في أرشيف الذاكرة من أصوات المدرسة جواب أستاذي للتربية السياسية حينما سألته عن الهدف من هذا الرجيم الجماعي، ابتسم وقال لي:

"التقشف تقصد؟"

...

"للأوطان رشاقتها أيضا."

نموت. نموت ويحيا الوطن. اليقين يعني.

=3=

ها هي المسكينة، وبسبب الحرب على العراق، لم يعد لديها من بقايا حب هوليوود إلا شكل جسم بطل فيلم "غزوة رعاة البشر" الفارع الفاتن الجميل، بعد إذ انقلبت إلى حب السينما الهندية. اعترفت لي بذلك. فضحكت.

كلما ذكر اسم الهند أمامي أضحك.

انزعجت ريتا من ضحكتي هذه المرة. حسبتني أرد على ضحكتها وتهكمها من حكايتي لها عن غزوة جن المزبلة لجسدي.

لكني قي الحقيقة ضحكت وقتها لأني تخيلت وهي تذكر الهند جلوس الماهاتما غاندي على الأرض الزراعية أمام الشاشة عاري الفخذين وهو يخيط باقي سترته بيده قبل أن يرأس اجتماع لمجلس وزرائه.

لم تقتنع فنحت بنظرها عني.

ريتا ومذ تسللت مونيكا لوينسكي عارية بجسمها الأبيض السامي الممتلئ إلى غرفة النوم بالبيت الأبيض لم يعد يهوسها ما خفي وما ظهر من تصرفات زعماء العالم ولا الصراع الدولي، فهي على كل منذ زمان شغوفة مثلي بالموسيقى الهندية وطبولها ذات الصوت المنبعث من أعماق الماء.

قالت لي حين سألتها لمَ ولت وجهها شطر الشرق بعد إذ ظل سنين عددا ينظر صوب الغرب:

"الهنود مسالمون لا يُميتون ولا يَموتون. وكم تفتنني طريقتهم في صيد الخلود."

"صيد الخلود؟"

"نعم صيد الخلود. أما تراهم يلاحقون الصين في تعداد السكان؟ أعجبتني طريقتهم في الموت يوم اطلعت عليها في الإنترنيت مع البعض من زميلاتي الأمريكيات بمانهاتن، فالموت لديهم ليست غير محض "تبديلة". تنزع روحك عنها جسدها لتلبس جسد غيرها ممن تحب. زرهم لترى بأم عينيك ذلك.

"أسافر إلى الهند يعني؟"

"ليس عليك أن تفعل. الهند كلها عندي في البيت."

"عندك في البيت؟ بملايين بشرها وآلاف أسواقها، ومئات آلهتها؟"

"كلهم عندي وفي قفص الحاسوب."

حيرني حديث ريتا عن موضة الموت بالهند في الإنترنت، فوجدتني أتساءل: أفلا يخلق ذلك الذي ذكرته نزاع لمساكن الروح زائد ما هو حاصل من نزاع مساكن الأجساد؟ الأجساد التي سكنت مذ انزلقت من أرحام أمهاتها الشوارع والقنوات الكبرى لصرف المياه في بلاد يزيد تعداد سكانها عن مليار فم؟ مليار فم.

أضحكت هذه العبارة ريتا كثيرا حين جهرت بها في تفكيري في حضورها، فقالت لي أتدري بما أجاب ماو تسي تونغ من سأله كيف له أن يطعم مليار فم؟ حركت لها رأسي نافيا.

"تعدون الناس بأفواههم وأعدهم أنا بأيديهم. ترون أنتم مليار فم وأرى أنا ملياري يد."

=4=

طلقت السياسة وطلقت معها مقولة الناس على دين ملوكهم بعد الذي سمعته من ريتا حول فلسفة الموت في بلاد الهند، وانقلبت أنا الآخر إلى مقولة الناس على دين أخلتهم. أجل. المظهر لا اليقين.

شدتني فكرة ريتا بحق. واستحوذت على تفكيري كله. أرهقتني قسوة الرجيم والتمارين الرياضية كي أغدو برشاقة الممثل وممرن الرياضة الذي فتن بجسده حبيبتي ريتا، وخفت من رحلة محتملة لريتا صوب الهند حيث يجثم الفقر على صحون الناس. الأرز سيد الأطباق هناك. لا أحب لون أجساد الهنود مثلما أحب موسيقاهم وألحانهم وحناجر نسائهم بالخصوص.

عدلت شيئا من فكرة ريتا ثم باشرت تنفيذها. كتبت وصية على الكمبيوتر ختمتها بطلب حرق جثتي لئلا يعود إليها جني المزبلة ويتحايل على ريتا فيقبلها، وإن كنت أشك في قدرته على نيل شيء من هذا القبيل، فريتا إلى يومنا هذا لم تسمح لي بأكثر من قبلة على الوجه كأي من الأهل الأصدقاء، وأطمع في أن يتطور الأمر بعد أن أغير جثتي على طريقة ما يفعل الهنود، كما شاهدتهم ريتا عبر الإنترنيت. لكنه جني وللجن حيلهم.

وارتأيت أن أشفر رسالة الوصية وأبعثها إلى بريد ريتا الإلكتروني مشفرة خوفا من مكر الجن في كشف السر. وقبل أن أشغل الكمبيوتر أطلقت البخور ورددت بعض الدعوات على طريقة أمي لأقمع الجني. فريتا الوحيدة من يستطيع الاهتداء إلى فك شفرتي وكلمات المرور التي أقفل بها مواقعي بالإنترنيت تعلمها خطيبتي.

التشفير طبعا من سرائر الحرب والحب، والمشفرون يهربون من الجواسيس بشفيرة تحمل في العادة أسماء محبوباتهم أو تواريخ ميلادهن أو أبراج حظهن. ريتا تستطيع فك الشفيرة وقراءة رسالة وصيتي واثق أنا من هذا.

أحزنني ذات مرة أمر يستحيل أن أقصه على ريتا أو ألومها عليه إذ حاولت التسلل إلى بريدها الإلكتروني. كنت أظن أسمي هو كلمة مرورها لكنه لم يدخلني إلى علبة بريدها قط. أجج ذلك نار الغيرة في نفسي. ترددت لكني في الأخير قررت أن أجرب الأمر فأدرجت اسم كلود فإذا ببريدها يتفتح أمامي. تحولت الغيرة إلى حسد. خفت من اكتشاف مصائب أخرى أعظم وأطم فسلكت نهج النعامة. أغلقت حسابها وعدت بأناملي إلى الهند أدرس فلسفة الخلود وسكن الأجساد والجلود.

=5=

فكرت وأنا في طريقي إلى كلود أن آخذ لي صورة، ربما كانت الأخيرة بجسدي الحالي قبل أن أنتحل أو أحتل جسدا آخرا على طريقة الهنود. وقفت قبالة تمثال الزعيم التاريخي شارل ديغول حيث يتدافع السواح للتصور بمحاذاته. كل التماثيل الباريسية بصحبتي في الصور حتى تلك التي تتبول الماء خلف ظهري. كنت في العادة طوال تواجدي بباريس أبعث بصوري قبالة التماثيل العارية إلى أصدقائي بالجنوب الجزائري النفطي الفقير ولأهلي الصور التي أقف فيها أمام عظماء الثورة الفرنسية.

لكن السؤال الذي ظل يؤرقني: هل ستتبع ريتا وصيتي المشفرة؟ أشك في هذا. فريتا ليست مثلي قادمة من إحدى مدن جنوب الجزائر النفطية الفقيرة. فهي فرنسية عربية من أصل لبناني. عاجزة المسكينة عن قتل نملة قد تقرص ساقها الأبيض الناعم فأنى لها بقتل إحداهن؟

ثم كيف ستقتل ديانا لتلبس جسدها؟ فالأميرة مقتولة من قبل، وأمرها منته، وجثتها ذابت في القفص الرخام، فهل يقتل الإنسان مرتين؟ مسكينة ريتا مجبرة على أن تتخلص من بعض شحمها بالرجيم والرياضة والأشغال الشاقة لتحصل على مقاس أميرة ويلز ديانا. قيل إن الأميرة ديانا لم تعش تحت مرمدة الرياضة الشاقة لتحصل على ذاك الشكل والرشاقة فقط بل لتغدو على مقاس فستان زفافها الشهير.

أجل فستان ديانا إرث الأسرة المالكة للأميرات الوافدات إلى القصر. مساكين الناس من المساكين عندنا يحسبون أن أهل القصور لا يتعبون وهم يخدمون رعاياهم. ديانا عاشت تحت ريجيم غدائي صارم زائد العمليات الرياضية التي أتهرب منها وأنا القادم من مناطق الجنوب الجزائري النفطية الفقيرة.

حمدت الله أن قيض لي الإنترنت التي تتسكع فيها خطيبتي طوال أمسياتها فأوحت إلي سبل الهنود القديمة للتخلص من نحافة جسمي بجلده الأسمر وبطنه المترهلة وشعره المنكوش المتجعد الذي فتن جني المزبلة فاقتحمه واحتله بالقوة من دون مرمدة الأمراء والأميرات.

لم ارتح لفكرة ريتا في السعي للحصول على فستان الأميرة ديانا عبر مسابقة "جسد لفستان الأميرة". تقول إنه سيكون قنبلة في باحة القصر الملكي إن فاز به جسدي ولبسته ولبست أنت بذلة الأمير يوم زواجنا. ثم سألتني:

"أتدري لم أحب العالم الأميرة ديانا كل هذا الحب؟"

"قبل أو بعد موتها؟"

"بعد موتها."

حركت رأسي نافيا.

"فقط لأنها خانت الأمير، حين أحبت عربيا مصريا بدله."

سألتها: "أتعرفينه؟"

"نعم، لكن معرفة إلكترونية."

كدت أن أقول لها " مثل تعارفنا" لكني تراجعت عن ذلك حتى لا أعود بعلاقتنا من مستوى الحب الذي أتشبث به —من جانبي أنا على الأقل— إلى حد الحب الإلكتروني فقط.

كيف استطاع الوهم الهندي أن يخترق الإنترنت ويستقر في أفئدة الأميركيين بمانهاتن؟ كانت ريتا من أهل الكتاب، وأضحت من أهل الحاسوب تستلهم طقوس الهنود في اصطياد الخلود.

فكرت في طريقة غير تلك التي رسمتها في الأول وكتبتها في الرسالة المشفرة التي بعثت بها إلى ريتا. عدت إلى حكاية الجني الذي فتنه جسدي بجلده الأسمر وبطنه ذي العضلات المترهلة وشعره المنكوش المتجعد، أعدت مراجعتها ثم تدبرها، قارنت بينهما وجدت الثانية أسلم وأبرد لا دم فيها ولا نار. لم أشطب الطريقة الأولى فقط وضعتها بين القوسين حاولت أن أفتح تحقيقا رجعيا حول الطريقة الثانية، كيف احتل الجني جسدي؟ ما الذي يكون قد أنجزه به طيلة فترة احتلاله له؟

رحت أعود بالذاكرة القهقرى وأذكر كم ذهلت عائلتي طيلة فترة الاحتلال. كيف كنت أتقن أربعة لغات حية تعرف إخوتي منها على الفرنسية ووالدي على الألمانية باعتباره من قدماء المقاومين للنازية مع الحلفاء.

ندمت على تلك الفترة وإن لم أحسها فقلت لأمي:

"كل تلك المكاسب وحررني الشيخ العدوي الذي يجهل إلا العربية."

"لكنك لم تكن أنت من تكلم اللغات. الجني من فعل ذلك فقد استعمل لسانك فقط."

"ألم يكن بوسع الشيخ العدوي طرد الجني وإبقاء اللغات؟ لأني احتجت إليها لأعولم حكاية حوافر الحمار في حمام عيدي."

لكن باريس ليست مكانا لمثل قضايا كهذه مجترة تعنى بالجن. احترت ثم فرقعت أصابعي بعد إذ قفزت إلى بالي فكرة.

=6=

تأملت جسده السينمائي المتضلع. جسد في ربيعه الثاني والعشرين على الأكثر. بيد أن عمري يوشك أن يلج خريفه الخمسيني الأول. كائن ذو تركيب غريب سيولد عما قريب، عمر جسده في الربيع وروحه في الخريف.

أوصيت بتحضير تنور وحرق جثتي فيه ورمي رمادها في مزبلة حي من أحياء مدن الجنوب الجزائري النفطية الفقيرة لئلا يعود إليها الجني. وها أنذا ببيت ممرن حبيبتي ريتا للإيروبيك يقف بجسده الفارع. سألني بعدما عرفته بنفسي من أي أزقة العالم أكون؟

ذهلت لسؤاله. كيف عرف أني زقاقي؟ أمن جسدي؟ لمَ لم يسألني عن قارتي أو وطني أو محافظتي أو بلديتي وراح مباشرة إلى زقاقي.

قلت في نفسي وأنا أخفف عني بعضا من وطأة الإهانة: ربما لأن العالم أضحى قرية. فالأزقة هوية الناس الكبرى والأولى اليوم.

لكنني والحق يقال قاسيت لأكظم غيضي من سؤاله المهين وأرجأت الرد على إهانته إلى ساعة أن يطرح عليّ السؤال الذي أنتظره.

طلبت من كلود أن يعيرني جذعه على اللوح المرسوم، ولم أشأ أن أحكي له السبب. واضطررت للكذب فالكذب في الحب مباح، فالحب قد يغدو حربا، والحرب خدعة والكذب أنجع وسائل الخداع. قيل إن أكبر حروب العالم فجرتها دواع غير أمنية بل عاطفية.

فحص سمرتي مليا. ثم سألني عن أي من أفلامه اكتشفته فيه أول مرة.

"غزوة رعاة البشر."

"ليس هناك فيلم بهذا العنوان."

وضع عناوين أخرى خاصة بي للأفلام التي تثيرني كعلامة لها بالذاكرة. هواية أتبعها مذ اكتشفت سينما العنف.

ابتسم قائلا:

"آه، عرفت الفلم الذي تقصد. وبالحق استطعت أن تفهمه؟ شيء رائع.

زاد حنقي. الرجل لا يزل مستمرا في كيل الإهانات لي. يسألني إن كنت فهمت قصة فيلم سخيف له يكشف فيه عن مؤخرته.

ثم أردف:

"هو فيلم حول جهودنا كأمريكيين لنشر الحرية في الصحارى القاحلة. حقا العالم صار قرية. "

ثم سألني: "أين شاهدته؟"

ها هي الفرصة الأنسب لأرد له الصاع صاعين لقاء سابق إهانته لي قد أتت:

"في أحد مواقع الإنترنت على الحاسوب المحمول لخطيبتي اللبنانية ريتا بمراحيض مطار شارل ديغول بباريس وأنا أقضي حاجتي."

تلكأ. تلعثم في الجواب، ثم قال لي:

"لنعد إلى طلبك. سعر النفط خيالي هذه الأيام في السوق العالمية."

فهمت مراده. فاندهش لحصافتي وتفهمي خاصة حين أعربت له عن موافقتي المبدئية. فحتى لو لم يرتفع سعر النفط بالسوق العالمية كنت قد أخذت كل احتياطاتي من قبل. وطلبت من والدي عقد قمة طارئة لمجلس عشيرتنا يستضيفها ببيتنا بأحد أحياء المدن الجنوبية النفطية الفقيرة بالجزائر لجمع مساعدة مالية عاجلة لي بقيمة اللوحة طبعا. لم اخبره بالسبب الحقيقي وإلا جمعوا لي ما قيمة مكوثي بمستشفى المجانين.

كنت أعرف أن كلود سيبالغ في سعر جذعه. وليفعل، فذاك أرحم من أن يعرف الحقيقة فيقفز إلى ما أكتمه عنه مباشرة. فهل من ثمن يضاهي الزواج من ريتا وعلى جسمها الممشوق فستان زواج أميرة ويلز؟

قال لي إن معصمه بألف دولار للثانية في ومضة إشهارية تلفزيونية للساعة السويسرية الشهيرة. وأردافه بضعف ذلك لمايوه السباحة. وقدمه أكملت المليون دولار الذي يتقاضاه في الشهر الواحد.

أخرجت ورقة صغيرة من جيبي وحولت هاتفي النقال إلى آلة حاسبة. جمعت أوقات رسم الأعضاء. ضربتها في الأثمان. حذفت سعر الأرداف. رفعت رأسي نحوه قلت له:

"موافق."

=7=

جاءتني للتو رسالة عبر الموبايل فيها خبر عن قمة أعيان العشيرة ورفض مجلسهم طلب المساعدة المستعجلة كونهم هم من كان ينتظر مني ضخ شيئا من العملة لحساب العشيرة. ضغطت على أبي عبر الهاتف لينسحب من المجلس نهائيا. رفض وقال لي إنه عندما أرث كرسي البيت يمكنني أن أفعل ما بدى لي.

رحت أفكر في سبل إزاحة هؤلاء المشايخ. توعدت في نفسي تلك العشيرة حالما أنتهي من الظفر بأميرة ويلز الجديدة.

قفزت على فكرة التمرد وعدت إلى أزمة مشروعي المالية أبحث عن مصادر تمويل أخرى. شطبت الخطة الثالثة ولم يتبق لي غير الخيار الأخير. رددت في نفسي ما قالته العرب قديما. آخر الدواء الكي.

وفي غمرة المأزق الذي وجدتني فيه، ارتجلت الحلول كعادتي مع الأزمات. تركت كلود يستدير مغادرا فطعنته في الظهر ورحت أعصر دمه بأن أخذت أضغط على صدره وأضلاعه على شاكلة ما يفعل منقذو الغرقى في السباحة. أفرغته من دمه. ثم سرعان ما تذكرت كيف لي أن أخرج من جثتي وأسكن جثته.

توقفت برهة من الوقت أمام صدمة السؤال. نصف فلسفة الهنود في صيد الخلود لم أقرأه، ولم أسأل عنه ريتا التي لا زالت تحكم إغلاق هاتفها النقال حتى اللحظة.

ويلي. كيف لم أفكر في هذا من قبل؟

أحاط بي القلق. طويت جثته الضخمة كطي الغسيل الثقيل على شاكلة ما كانت تفعل والدتي مع أفرشة الشتاء مع حلول فصل كل صيف. حشوتها في كيس الزبالة البلاستيكي الأسود، ثم وضعتها في الثلاجة الصغيرة بقبو منزله بعدما أفرغتها من علب مشروب كوكا كولا.

وما كدت أسترد أنفاسي وأصعد إلى فوق لأفكر في شأن الغد حتى ألفيتني في قبضة أشخاص كحراس الفضاء. وبعد طواف حول الكرة الأرضية استمر سبعة أشواط وجدتني في غوانتنامو، والتهمة محاولة انتحال جثة.

سألوني عن هويتي فلم أستطع تحديدها: هل أنا بجسد كلود؟ هل أنا كلود إذن أم أنا؟ من أنا؟ صرت أسأل نفسي طلبت منهم مرآة.

صار يسبق الشمس ليأتيني كل صباح: ذاك الجني وقد أحرق مسافات طوال من الحب، فيعرض عليّ عبر المرآة التي أتزين بها صورة لريتا ضاعت مني قبل آخر لقاء بها، وهو يرتدي جثتي مع ريتا على السرير العربي الوثير الذي اشتريته وإياها من مهرجان دبي للتسوق هذا العام، وهما يتبادلان القبل، وهما يتبادلان العناق. وهما...، وهما...

D 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008     A بشير عمري     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  الحياة في عتمة شمسٍّ لا تغيب

2.  حوار: غزة في قصص مترجمة إلى الإنجليزية

3.  زمن الرجال

4.  «إمبراطورية النظرة المحدقة»

5.  وداعا كامل المغني


القائمة البريدية