فنار عبد الغني - لبنان

لا أنـام


وجدت نفسي مندفعا في الجري، أجوب الشوارع المتأججة من الشمس، بعد أن نجوت بأعجوبة من تلك المركبات الفضائية العملاقة التي اجتاحت سماء الأزقة، ونفثت غضبها على ساكنيها واقتادتهم عراة، ثم حلّقت فوق الأبراج، وألقت بكائنات حديدية عليها التي أخذت تتسلقها بخفة، مثيرة الرعب في قلوب الجميع، بعد أن صهرت نيرانها الحرس وحولتهم إلى أشياء مشتعلة، ثم استولوا على قصر المدينة العريق، ولم يدمروه، ولم يلوثوا حدائقه الغنّاء بعد أن فُتحت لهم أبوابه العظيمة. كل هذا حدث ساعة الظهيرة.

لم أدرِ كيف تمكنت من الهرب، وقطعت المسافات ووصلت إلى مدينة جديدة، تكثر فيها الملاهي والمقاهي، لا يشعر مرتادوها إلّا بالفرح رغم بث القنوات الفضائية بلا انقطاع لهذا الغزو المفاجئ لكائنات خطيرة، ولامتداد النهار العجيب وارتفاع درجات الحرارة.

الحرّ يشتد، لا أطيقه، أنظر إلى الشمس أشعر بأنها تقترب منّا أكثر فأكثر. لا أدري، ربما الإرهاق والرعب يصوران لي ذلك. أبحث عن ركن ٍ يحميني من الوهج، لا أجده أتابع الجري وأنا أحذر كل من ألتقي به من الخطر القريب القادم، لا أجد من يصدقني، قال لي أحدهم: إنه الحر الشديد، هو الذي يشعرك بذلك.

أقسمت لهم أني رأيت الكائنات الغريبة تفعل ما فعلته أمامي، وأيضا بُثَّ النبأ على الشاشات. سخر الجميع منّي وتابعوا طريقهم مرتعشين من القيظ بلا مبالاة. قال لي آخر مشفقا عليّ: لعلك لم تنم منذ أن امتدت النهارات، وتوقفت الشمس بلا حراك في كبد السماء. لعله الأرق، أجل، فأنا أجوب الشوارع والمدن وسط الضوء الرهيب والقيظ. تنتابني انفعالات شتى إلاّ النعاس لم أشعر به. انطلقت إلى أقرب صيدلية حيث رأيت العجائز والشبّان والشّابّات والمراهقين يصطفون في طابور طويل يكاد لا ينتهي ثم يغادرون المكان يائسين. حين حان دوري سألتهم عن أقراص منومة.

= مفقودة.

= أقراص مهدئة،

= مفقودة أيضا.

بحثتُ في كل الصيدليات ولم أعثر عليها. بدأت المركبات الفضائية وكائناتها الحديدية بغزو المدن الأخرى. عجبا! لم لا تتأثر هذه الكائنات بالشمس أو لعلها كائنات شمسية. لكن هذه هي شمسنا التي تسطع علينا منذ ملايين السنين؟ أم أنها شمسٌ جديدة اخترقت مجرتنا؟ أم حدث خللٌ ما في دوران الكواكب؟

أتمنى لو يكون كل هذا كابوس أو هلوسات أو حمى تسري في جسدي.

لمَ كل هذا يحدث لي؟ ليتني أنام.

أواصل الجري باتجاه الطريق المؤدي للبحر، تعتريني رغبة قوية بإلقاء نفسي في اليمّ، ويأخذني الموج حيث يشاء.

حين وصلت صُعقت. لم أجد البحر، رأيت صحراء شاسعة تمتد وتمتد وتبتلع ما حولها، وفي طرفها البعيد بقعةٌ زرقاء آخذة بالتلاشي. لم أصدّق. ليت كل هذا ينتهي! لم أعد قادرا على الاحتمال. ماذا أفعل؟ إلى أين أذهب؟ هل هذه هي النهاية؟

كل عالمي اصطبغ بألوان الشمس النارية الحمراء والبرتقالية، لم أعد أُبصر غيرهما. أَأُصبتُ بالهذيان؟ أخذت هذه الألوان الصاخبة تختفي شيئا فشيئا وبدأت عوالم سوداء حالكة تتجاذبُني وصوت يهمس، عاد القلب للنبض ويتردد الهمس مرات ومرات يرافقه وخز ٌلا نهاية له.

D 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008     A فنار عبد الغني     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  كلمة العدد 85: ظاهرة اليساريين سابقا

2.  معرض بيروت للكتاب 2018

3.  باديس فوغالي

4.  حكاية مزعجة: الزوجة

5.  أسرع من إيقاع رقصهم


القائمة البريدية