أمل النعيمي - الأردن

شرطة، شرطة


أمل النعيميفسخت شراكتها مع السهاد، وأحرقت جواز سفر الكبرياء. ارتشفت فنجان عزم، ثم قامت لتمزق آخر ورقة في أجندة الانتظار.

بخفر العذارى، وهي المرأة ذات العقود الأربعة ونيف، تسللت إلى خزانة الذاكرة لتستعير ثوبا كم أحب أن يراها فيه. نفضت عنه غبار الوقت. رفعت شعرها بأنامل مرتعشة. لبست خفا يعينها على النصر في ماراثون الحب. بحقيبة يدها أودعت قلبها وخرجت.

أنا قادمة إليك بصبر أيوب، وملائكة لوط، وسفينة نوح. منحت كل الأزمنة والأماكن إجازة مفتوحة، إلا مكتبا يتواجد فيه حتى بزوغ الفجر، هربا من وحدة "ما قبلها وما بعدها." هكذا كان يقول لها وهما فوق أفرست العشق، وهكذا تصورته بعد نأي لا يعد.

في طريقها إليه، وقد أرخى الليل سدوله، رأت سيارته أمام المدخل كما اعتاد أن يفعل منذ تعارفا وتحابا.

رعشة نرجسية. تسرع الخطى، فلطالما أرهقتها عيون راصدة. صوت الجرس وأصبع التشهد يضغطه. سمفونية تعرف الآن كم اشتاقت إليها وإليه.

لا أحد يفتح الباب. هواجس وأفكار متلاطمة. انتصف الليل والشارع يشاطرها ما هي فيه.

أخيرا خرج. كانت مختبئة كطفل أضاع أمه ثم وجدها فهرع إلى ظلها قبلها.

وجها لوجه أخيرا.

"أنا، أنا..."

"شرطة. شرطة."

"حبيبي هذي أنا. ألا يراني قلبك؟"

ينفر بكل مفردات الرفض. يهم بفتح مقبض باب سيارته. تريد ملامسة يده. يبتعد مرة أخرى ويشرئب بعنقه: "شرطة. شرطة."

منذ تلك الكلمات انتهى الزمان والمكان وكل شيء، إلا فكرة واحدة تهيمن على ما تبقى منها. كان يجب أن تحضر له زهرة العشاق الحمراء. كلا إنه أكثر تميزا من المألوف. هي الزنبقة السوداء إذن.

أصبح زادها وبزتها وهواؤها وكل مفردات حياتها ترحالا للبحث عنها. هي تذوب وتنضب، لا يهم.

وجدتها أخيرا قرب رفات العشاق الكسالى. حملتها إليه ذات الزمان والمكان والانتظار وزهرتها مخضبة بقطرات ندى دموعها. قبلتها حتى الوله. خرج أخيرا، فلاحت لها ملامحه ضبابية، تدور حول رأسها. اتكأت على السيارة ثم ابتدأت تذوي لتفترش الثرى، وبقايا أصابعها تقدم له الزنبقة.

كحل ليل أم سواد آخر احتواها؟ هوت وميلاد بسمة فوق شفتيها. استكانت رجفة الجسد، وتوقف القلب عن النداء.

كشاف نور هنا وهناك، وزمامير طوارئ، هو لا يصدق، فشيء ما يرتفع به وبها فوق المستحيل. صوته أبكم، لكن قلبه عاد يخفق وفوق جبينه نزيف عرق متدفق.

ينحني ليرفعها وزنبقتها من أرض اعتادت استقبال أجساد أزهقها اللهف وعناء البحث عن صدق مشاعر واجترار ذكريات.

يد فوق كتفه: "سيدي، تفضل معنا. هناك أسئلة نود أن نطرحها عليك."

تخونه الذاكرة، ويستعصي عليه النسيان، ويفكر مذهولا: "لم أنادهم، لكنهم هنا: الشرطة."

D 1 كانون الأول (ديسمبر) 2008     A أمل النعيمي     C 0 تعليقات