أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 3: 25-36 » العدد 31: 2008/12 » قراءة في كتاب ارتباكات الهوية

سناء شعلان - الأردن

قراءة في كتاب ارتباكات الهوية


قراءة في كتاب إرتباكات الهوية: أسئلة الهوية والاستشراق في الرواية العربية الفرنكوفونية للكاتبة القطرية نورة فرج

.

سناء شعلانكتاب الكاتبة القطرية نورة فرج، ارتباكات الهوية: أسئلة الهوية والاستشراق في الرواية العربية-الفرنكوفونية، مثير للجدل، ومفتوح على التأويل بقوة وجرأة. والكتاب كما تقول مؤلفته قد انبثق من فكرة دراسة الدوافع التي جعلت بعض الروائيين العرب يجنحون إلى الكتابة باللغة الفرنسية لاسيما الذين يتقنون العربية منهم، وهل هذا الاختيار ينبثق من دوافع لغوية؟ أم هو نزولا عند رغبة الجمهور؟ أم هو بحث عن هوامش أوسع للحرية؟ لا سيما في ضوء اتهام كثير من تلك الروايات بالإكزوتيك؟

وتبدأ نورة فرج مدخل كتابها بالإشارة إلى الروائي المغربي الطاهر بن جلون، والروائي اللبناني أمين معلوف، والروائي السعودي أحمد بن دهمان، الذين كتبوا روايات بالفرنسية قد نالت الاهتمام الفرنسي على الرغم من أنّهم يتقنون العربية، وهم قادرون على الكتابة بها، وقد سوّغ كلٌّ منهم سلوكه بمسوغاته الخاصة على الرغم من أنّ الكتّاب الثلاثة لم يولدوا في فرنسا، وإنْ اختاروا أن يعيشوا فيها، ويكتسبون بذلك ثقافتها، وينشروا أعمالهم بلغة أهلها.

وروايات ثلاثتهم على الرغم من الاهتمام النقدي والصحفي الذي أحيطت به، إلاّ أّنها أُتهمت بإنتاج الذات العربية برؤية الآخر غير العربي، ومن أجله، وإن أصرّ البعض على أهمية قيمة الغرائبية الإبهارية في تلك الرواية، وشدّد على أنّ هذه القيمة لا تنقص من قيمة نجاح تلك الروايات.

ومن جهة أخرى يرى الروائيون الثلاثة أنّ الكتابة باللغة الفرنسية قد أتاحتْ لهم فضاءات وحريات ما كانت ستتاح وتتوفّر لهم لو كتبوا منجزاتهم الروائية بالعربية.
ونورة فرج تعلن في مدخل كتابها إنّ نيتها من كتابها أنّ تفحّص الأعمال هدف دراسة الكتاب من الداخل للتحقّق من صحة التهم السالفة الذكر.

في الفصل الأوّل من الكتاب المعقود تحت عنوان "استعارة المتخيّل الاستشراقي، غرائبية الشرق" تعرض الكاتبة إلى تفكيك الصورة النمطية الاستلابية التي رسمها الغرب للشرق، فباتت صورة نمطية للمتخيّل الاستشراقي حول الشرق، وهذه الصورة تدور في محاور ثلاثة: الشهوة والغيبية والدموية، وتجمع هذه الصفات في طابع الغرائبية، التي تتجلّى في غرائبية المجتمع، الذي يتفكّ في مخيال الاستشراق في مجتمع يتميّز بأنّه عالم حريم، المرأة فيها أداة لإشباع شهوة الرجل، ولإرضاء رغباته وغرائزه، وهذا العالم هو عالم متعة للرجل، وعالم تغشاه السلطة الذكورية من كلّ جانب، وهو عالم الإيروتيكا بامتياز وبلا منازع.

والشرق كما يرسمه المستشرقون هو شرق متوحّش، فهو شرق القصاص والنّهابين واللصوص والعيّارين والمحاربين، فهو إذن بؤرة للفسق والملذات، وهو على الرغم من هذه الدموية المخيفة يغرق في الغيبيات الدينية والممارسات المبهمة، والأشخاص الغرائبيين المتدينين كالدرويش المصريين، كما يلحق بذلك الاحتفالات الدينية الغرائبية الخاصة كالختان.

أمّا غرائبية المكان فتتجلّى عند نورة الفرج عبر رواياتها هذف الدراسة في غرائبية الصحراء، وساحات الاستعراض والحمامات العمومية، وهي أماكن تتجلّى فيها غرائبية المكان كما يستحضرها مخيال الاستشراق.

وفي الفصل الثاني من الكتاب تعرض نورة الفرج إلى تشكيلات الهوية المتلبسة، وما فيها من ارتباك تحديد الهوية، وقلق اللغة، والتعبير عن المجتمع العربي /الهوية العربية من قبل أدباء عرب بلغة غير عربية، ولما لذلك من تداعيات وافتراضات وأسئلة والتباسات. وهي كذلك تعرض لصورة بعض الأماكن في الروايات المدروسة كصورة الجزائر، وصورة باريس.

ونورة كذلك تعرض إلى الهوية العرقية والدينية في رواية ليون الإفريقي كما تفكّك الهوية الأنثوية في رواية ليلة القدر، وتفكك كذلك الهوية المجتمعية في الحزام، وذلك كلّه تحت عنوانات وتقسيمات تفرضها الكاتبة، وتلتزم بها لدراسة منظومات وتشكّلات تلك الهويات من داخل العمل الروائي نفسه، وعبر استقرائه.

وفي خاتمة الكتاب تؤكد نورة فرج من خلال استعراض نتائج الدراسة على أنّ الروايات إلى درستها قد كسفت بشكل جلي عن استلهام الصورة الاستشراقية فيما درست من روايات كتبها روائيون عرب باللغة الفرنسية، وعن التباس محددات الهوية داخل كلّ رواية.

ويبقى القول إنّ كتاب ارتباكات الهوية كتاب له استراتيجيته الخاصة في الدراسة التي تنطلق من دراسة النص نفسه، وتبحث عن الحقيقة بأدوات التفكيك والدراسة والتمحيص ، دون الاتكاء على تهم جاهزة وآراء منقولة، لذا ليس من الصعب أن نرى الروح النقدية المستقلة تسيطر على الكتاب، فتجعله وثيقة يُعتزّ بها، وليست مجرد جهد أفرغ في الجمع والتبويب، بل هو كتاب يعكس قدرة الكاتبة على القراءة والاستنباط والربط، وتكوين صورة نقدية واضحة ومبرّرة ومسوّغة ضمن القرينة الأهم، وهي العمل الإبداعي ذاته، دون تجيره لمعطيات خارجية أو ليّه لصالح آراء نقدية مسبّقة.

فالكتاب يشكلّ علامة لقراءة نقدية ناضجة لدراسات أعمال روائية أنتجتها أقلام عربية بلغة غير العربية، لتعكس شرقا أسيرأ للرؤية الاستشراقية له. ونورة فرج تعاين هذه الأعمال، وتتلمّس فيها معالم ارتباك هويته، ومواطن استلابه.

= = =

غلاف الكتاب

JPEG - 26.7 كيلوبايت
غلاف: إرباكات الهوية
D 1 كانون الأول (ديسمبر) 2008     A سناء شعلان     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  الرحلة الأخيرة من الشمال إلى الجنوب

2.  دعوة للحياة: ح 6

3.  الحب والحرب والوطن

4.  توضيح بشأن العدد 37

5.  بائع البالونات + المشروع


القائمة البريدية