أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 3: 25-36 » العدد 33: 2009/02 » الحاجب أيتها المدينة المتمنعة

عبد السلام فزازي - المغرب

الحاجب أيتها المدينة المتمنعة


عبد السلام فزازيمن كان يحلم على أن الطفولة الأولى ستختزل يوما ما إلى فقاقيع هوائية وتأتي على كل ما سطرته براءة الأشياء؟ فما أعظم الأحلام، وما أقسى أن تسلبنا الذاكرة مسحة لذة ربانية لا يستطيع المرء العيش دونها!

هل تستطيع الذاكرة هي الأخرى أن تنسينا الصباحات الباردة القارسة في فضاءات مدينة الحاجب، وكيف كنا نتأبط محافظنا الأزلية صوب إعدادية أكسبتنا مع مرور الزمن مناعة المقاومة والبحث عن اكتمال الأشياء خارج سوداوية السنين العجاف؟

كانت الحياة بسيطة وقاسية، وكانت المناهج المدرسية واضحة وهادفة، لا تغترف من سواحل المعرفة المتشظية. وكنا، معشر التلاميذ، نعيش سباقا مارثونيا نحو التحصيل والتكوين خارج كل التوقعات التي قد تأتي ولا تأتي. وكان قانون الخوف والتوبيخ والتنافس والطرد يحاصر كل من زلت قدمه نحو الهاوية.

لم يكن (بياجي) مغربيا، ولا حتى مقيما في تخوم أقبيتنا. ولم نكن نحلم بحقوق الإنسان في حضرة (الفلقة)، ولا بعيد الطفولة في صقيع جغرافية قاسية. كان القسم بمثابة اعتمار داخل دير له قوانينه الصارمة. داخله محكوم عليه بالامتثال والخنوع والاستجابة الشرطية. وكانت سلطة الأستاذ لا تناقش سواء كانت حقا أم باطلا، لأن قائد قافلة الأنام عبارة عن كورال يجب أن يحسن الطاعة.

وكان القسم جحيما يقيم الدنيا ويقعدها كلما حاول التلاميذ اختراق قانون اللعبة، فما أحوج أستاذ اليوم إلى ماض قتلته ميوعة فلسفة دخيلة! وما أحوج تلميذ وطالب اليوم إلى براءة الأمس وأحلام فضاءاته النقية! هل حقا البساطة هي أصل براءة الإنسان والأشياء، والتعقيد أصل متاعب الإنسان؟ مدينة الحاجب. آه مدينة الحاجب! هل بمستطاع هذه المدينة الأطلسية أن تقدم لنا أبهى وأجمل ما تحمل في طياتها مقابل أن نغفر لها بعضا من أخطائها النادرة؟ وهل يحق لعاشق الصمت أن يدغدغ منطقة الكلام ويصالح أبجدية الجدال الطفولي خارج منطق الشك والارتياب؟

كم يحتاج المرء من خلية دماغية كي يعيد التوازن لجسد أنهكته أباطيل بني العشيرة! وكم من لغة نفتقدها لتحقيق تواصل فعلي مع من أقبروا دفتي كتاب الذاكرة المتعبة! إنها حقا آفة إنسانية تخبط خبط عشواء. ترى كم يلزمنا من الرثاء في عالم تحول إلى قرية صغيرة نروح ونجيء فيها بمجرد الضغط على أزرار شيطانية ماردة؟

في لحظة انبهار قد نستبق ظلنا صوب تخوم الذاكرة التي لا زال عقربها في البارحة وعينها على الآتي المتلاشي، فماذا لو تهبنا الحياة نعمة النسيان لنستريح من تعب التفكير في التفاصيل التي تربك فينا منطقة الشعور؟ وماذا لو نستطع إعادة الزمن الذي لا مرد له لأنه عبارة عن قوة تثبت لنا مدى ضعفنا إن نحن حاولنا ركوب مسرح العبث؟ هل حقا الدقائق والثواني التي تمر بنا لا تعود؟ وهل حقا للمواقيت أجل يعد على رؤوس الأصابع شأنه شأن عمر الإنسان الذي مهما طال واستطال فهو في حقيقة الأمر كمن ارتد إليه طرفه؟

طفولة البارحة هي أصلا شباب اليوم، وشيخوخة اليوم هي شباب البارحة؛ وبينهما مسافة واهية شأنها شأن بيت العنكبوت. وما دام الأمر كذلك، فلماذا أصبحنا نقتات من نهم الحياة على إيقاع سيمفونية الحرباء التي تخاف من تلاشي جبال التراب؟ المجرد أن الإنسان إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا.

آه! لما كانت الطفولة رمانة تعانق آخر رقصة فصول العمر الطويل؟ آنذاك لاحت عبر زئبقية الشفق الماكر أنثى المتاه فتوارت بين دفتي كتاب قديم طلاسيم آمال كاذبة. لن نستسلم بعد الآن لأوهام نعلم حقيقتها، ولن نجرؤ على مساءلة أخاديد وجهنا المتعب ما دام منطق الأشياء لا يحتمل التأويل ولا حتى الشرح المستفيض. إنها مسارات حياتية عادية يقطعها الإنسان مثله مثل راكب قارب صغير يروح ويجيء على إيقاع ضفتي نهر صغير. هل الأمر حقا يحتاج إلى سارد ماهر يجوب قارة الأبجدية ليفضح سريرة ذات ظلت تحلم وتتطلع إلى القبض على السراب؟

عجبا، قد تشاغب المبدع قبل الغوص في عالم الكتابة، لكن بمجرد خط أول عبارة تتجلى الأمور كما لو أننا حقا نستعيد الزمن ونحاول لملمة الشتات في غربال واسع الثقوب. عجبا، كيف يدعي المبدع أنه يستطيع استعادة حياة ما، أو بالتالي تفاصيل زمن ما، والذاكرة الإنسانية شلال تضيع منه قطرات تلو قطرات قبل معانقة مصبها الأخير؟ هكذا الحياة الإنسانية، لا يمكن استنساخ طقوسها وتفاصيلها كما نهوى ونعشق.

ربما لأن لحظة الكتابة هي لحظة زواج كاثوليكي بين الأمس واليوم. فلا أنت سيد نفسك في الماضي، ولا أنت ابن اللحظة بامتياز. وهكذا تتقاسمك التفاصيل في حضرة الأبجدية وتختزلك اللغة عبر استرجاع الذاكرة الموشومة، فتكون كمن يريد أن يقبض على ماء سرعان ما يضيع لتبقى اليد مبللة ودالة على ما كان فيها من ماء.

هل حقا كتابة سيرة ما هي محاولة لإعادة عالم الذات، أم هي محاولة لمقاربة زمن منفلت عاشته هذه الذات؟ ولكن أنى لها أن تسبح في النهر مرتين، لأن عقرب الساعة لا يمكن أن يلبث في البارحة، كما أن الذات لا يمكن أن تخلق لها وقتا ميتا لتخيط لها جبة الحلول.

أكيد أن فعل الكتابة مغامرة لاستعادة تفاصيل هي أصلا خلقت لتوجد مرة ما دام منطق الحياة يشبه تماما ماء النهر، وما دامت السباحة فيه مرتين هي من باب ثامن المعجزات. هكذا تبدو الكتابة عن الذات: عبارة عن مكاشفة ثانية عبر معمارية الكتابة، وكأننا بالذات الكاتبة تعيد بناء هيكلها وترميمه بعد تعرية الزمن. ومتى كان الأصل مثل الفرع؟ ولو أن الجامع بينهما علة واحدة تتمثل في الذات الكاتبة نفسها.

الذاكرة إذن سليلة الطفولة، ووجع لغة لا تأبى الانحناء، ولا تصطنع المسرات في فضاءات قبائل صائمة إلى إشعار آخر. وتبقى الذاكرة رغم كلكل الزمن المقيت صدى أناشيد عمر ولى الأدبار. والذاكرة هي امتداد لمسافات واهية بين الفكرة والحلم. هناك، حيث تبرعم العبارة محتمية بالهزيع الأخير، ويعتصر المبدع الأبعاد أغنية، فيخترق الآفاق في دمه بعد أن تكومت في أحشائه وتمشى الصقيع عبر عروقه.

متى كانت الأماني والذكريات زورقا كسرته شهوة الصخر عند مشارف سواحلنا التي شيعتها الأمواج في رهبة الليل البهيم؟ ومتى كانت بقايا الذاكرة أشلاء قلب، أو بقايا فلك لا زال يغرق في موج الدجى؟ وهناك على طاولة الطفولة بعثرت باقات من أزهار المواويل. إنها حقا لحظات اللاشعور غدت تشق سبيلنا عبر الذاكرة. وهكذا تربينا على الطوق في فضاء أكبر منا، فضاء عسير وقاسي ليس فيه مكان لطفل لا زال يعشق البارحة، حيث كان الإحساس يهمس قائلا: "إن الحياة مملكتكم والكون لكم."

كثيرا ما تصفعنا حقيقة غدت كابوسا مخيفا يطاردنا، تلك التي قد نرددها دون شعور قائلين: أنكون قد خنا الذاكرة بعد أن محوناها بالتناسي المفتعل؟ وتكون الذاكرة قد خانت الذاكرة؟ ولربما لأجل كل هذا لا زال الأمس أمسنا، ونحن نمسك، مثل الغريق، بالتفاصيل القديمة والحديثة فنحنطها في دهاليز الماضي.

أكيد أن هذا الماضي نعمة لا نعمة بعدها، لأنه أقوى من كل جاذبية لها معنى في حياة الإنسان. أكيد أيضا أنه إعلان مبهم على طيف جنازة صامتة قادمة نحونا تتبعها جنازاتنا نحن معشر الحالمين بالخلود. ألم يبح يوما بودلير في قائلا:

"الأب، ما الذي تحبه أكثر أيها الكائن اللغز؟ الأب، أم الأم، أم الأخت، أم الأخ؟"

"ليس لي من هؤلاء شيئا."

"وأصدقاؤك؟"

"عجيب أمرك! إنك توظف في كلامك كلمة لم يبق منها اليوم إلا حمولة معنى يكاد يكون مجهولا."

"ووطنك؟"

"أجهل تماما عن أية قمة شماء هو رابض."

"والجمال؟"

"أحبه طواعية. إنه ربة معشوقة أزلية."

"والذهب."

"أمقته مثلما تمقتون الله"

"رباه، قل لي: ما الذي تحبه إذن أيها الكائن العجيب والغريب؟

"أحب السحب تمر. هناك. تمر. هناك. هناك ... السحب العجيبة الفاتنة."

أكيد الأيام. السحاب نتخيل على الأقل أننا صرنا نطير، ولا نبصر الأحلام المهربة، ولا أولئك الذين استباحوا شهوة التاريخ وداسوا الأزهار البرية. تلك الأيام. آه من تلك الأيام الأطلسية التي انفجرت بكاء بين يدي زرقاء اليمامة وتمايلت إلى الوراء!

أكيد في لحظات عديدة تكاد تكون منفلتة، تأتيك الموضوعات جاهزة على عواهنها فلا تكاد تقترب منها حتى تلوح بعيدا تلك الأشياء، منتسبة إلى حدود تكاد تكون مفقودة تماما. وهكذا تتحول الجدران والدروب وفضاءات شتى إلى تعابير حية ناطقة، والتفاصيل إلى كورال يرقص على إيقاع الصمت، فنعانق عبر هذا العرس الغرائبي العالم في نشوة خالدة.

تلك الأيام طرزناها بمداد قد من أجسادنا وأرواحنا فأمطرناها بابتهالات الحب والإخلاص في حضرة شعاع القمر وسهاد أغصان الفجر. تلك الأيام، نجهل كيف طرقت أبوابنا الصغيرة، وكيف اقتحمت ذاكرتنا البيضاء، واعتقلت سنواتنا البطيئة وكأننا بها تهمس في آذاننا قائلة: "هكذا أيها الأولاد يقول الأزل دثروني بالورود الذابلة."

آه من تلك الأيام، في مدينة الحاجب الأطلسية، التي اعتقلت الذاكرة. آه!

D 1 شباط (فبراير) 2009     A عبد السلام فزازي     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  معلومات عن العدد الحالي

2.  ملف غزة: ذكريات تنكأ الجراح

3.  نصان: تواصل وكم أغبط الشمس!

4.  جولة في حضرموت

5.  فنجانا قهوة


القائمة البريدية