ربا الناصر - الأردن

موعد على العشاء


ربا الناصردخلت غرفتي والوجوم يلبس وجهي ويأسر ملامحه، مرت لحظات الغضب هناك بسرعة وأخذت وتيرة الثورة تتصعد رغم إخمادها الطويل في قاع نفسي، فلم أعد أستطيع البقاء كتمثال عاجي كما يريدني هو أن أكون عليه، يريدني شيئا طيعا لأوامره، ينفذها كما هي فلم يعجب زوجي أن ينطق التمثال الذي بناه طيلة سنين زواجنا ويتفوه بكلمات قاسية ومجردة من المنطق.

وقفت أمام النافذة، انظر من زجاجها، كان الشارع مبتلا إثر سقوط الأمطار والهدوء يستولي على المكان في معظم الوقت، كان صوت تشرب الأرض للماء واضحا كأن ثمة علاقة تربط الاثنين مع بعضهما بعضا. تزدهر وتنمو في الربيع أزهارا شهية تفتن رائيها، ثم تبدأ بالذبول مع سقوط أول ورقة وذبول أول بتلة، لكن تبقى بذور الحياة تختبئ في الأرض، فيحل الشتاء وتتجدد فيه العلاقة فتنبت حشائش خضراء تصبح أشجارا تمتد جذورها في الأرض، فهذه علاقة طبيعية فيها علو وانخفاض، ذبول وازدهار. فهل كان سامي التربة التي احتضنتني طيلة تلك السنين؟

وضع النادل الأطباق على الطاولة المستديرة، أوقد شمعدانا فضيا كان يعلوها، رقص لهب الشمعة برومانسية حالمة على أنغام آلة الكمان. كنا كحجارة صامتة نجلس قبالة بعضنا، كنت أنظر إلى عازف الكمان وأراقب رشاقة أصابعه في التنقل بين أوتاره الأربعة أما هو فكان يجلس صامتا يتأمل ذوبان الشمعة بهدوء أضاع قسوة عينيه في تلك اللحظة، كان ينظر صوب الأشياء المحيطة بنا مستثنيا النظر إلى كأنني أكذوبة في حياته صدق وجودي في أول حياته ثم ما لابث وتجاهلني كأنني طيف أمامه ولا شيء غيره.

كان سامي يمضي بقراراته مضي النهر في مجراه إن بعثرت الصخور المنتصبة أمامه مجراه وشتته إلا أنه لا يحيد عنه ويبقى فيه يحفر في جوانبه ويرفدها بتراكمات ثقافاته وقناعاته. كان دائما كالشلال بثورته لا يهدأ إلا إذا رأى اهتزاز رأسي بالإيجاب تجاه ما يريد، كانت لاءاته الناعمة تطوق حياتي وتقلص طموحي حتى أصبحت حدود دنياي لا تتخطى مساحة بيتنا، فلم أعد أرى أبعد من الأفق ولم أعد أتخيل ما وراءه، كان يثور إذا تعلمت شيئا جديدا فهو يريدني كما أنا بخلفية وطموح الأيام السابقة. فيكفي أن أكون خياله الذي يمشي وراءه في كل الأمور، خيال لا يفارقه إلا في الظلام حيث يكون كل شيء انتهى.

"أخاف عليك من تغييرات الحياة وأن يأخذك إيقاعها السريع عني، لا أريد خسارتك ويكفي أن تكوني من التابعين لي." كان دوما يقولها عقب كل جدال يحدث بيننا، كنت أستسيغ سماعها في بادىء الأمر لكن مع مرور الأيام صرت أسترجع وقع صداها في مخيلتي عند التفكير في فحوى حروفها: فحوى تعكس حقيقة مرة، أعيشها فقط في جدران بيته دون أن يكترث بي أحد.

فتح الباب فجأة وظهرت أمي من خلفه مقطبة الحاجبين، تنظرني بازدراء من زجاج نظارتها السميك كانت رعشة تملكت يدها اليسرى واضحة ثم تحدثت فجأة بصوت متقطع سرعان ما احتد واخترق قلبي كسهام سامة شلت حركتي وعقدت لساني عن الكلام ..عرفت للحظة أنها علمت بالخلاف الذي حدث في المطعم.

وقفت أمامها كلقمة سهلة سرعان ما ابتلعتني وخبأتني تحت عباءة تقاليد المجتمع وواجب الطاعة العمياء الذي يجب أن أؤديه، كان كلامها كريح تعصف بجريد نخلة تحاول التمسك ببقعة الأرض الواقع تحتها.

حاولت التماسك وتجميع كلامي في جمل أدافع فيها عن حقي إلا أن سامي قد حضر ووقف أمامي بكبرياء يلقي بظله علي، غطى ظله وجهي بأكمله، لم يتحدث بأي كلمة بل اكتفى بالصمت محافظا على فراغ يفصلني عنه... كان عتاب أمي لايزال يدوي في أركان الغرفة وسامي لايزال يلوذ بالصمت والفراغ بيننا يزداد ثم توقفت أمي عن الكلام وقالت عبارة ساخرة قبل أن ترحل

"أتمنى ألا تكرري هذا الفعل مرة أخرى. هل هناك شيء تريدين نقاشه بعد؟"

مضت أمي بخطوات متآزفة وصوت نعلها يطرق في أذني حتى اختفى وبقي الفراغ يحوم حولنا والفراغ الفاصل بيننا يكاد يطوق عنقي ويشد عليها أما سامي فبقي صامتا طيلة الوقت يلقي بظله علي وبقيت أنا مطأطئة الرأس أتمتم بإجابة على سؤال أمي: لا أريد أي شيء. لا شيء.

D 1 نيسان (أبريل) 2009     A ربا الناصر     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  الكرّاب عبر تاريخ المغرب

2.  فنجانا قهوة

3.  عود الند في الصحافة

4.  الثقب الأسود

5.  كذبة أبريل/نيسان