د. هدى قزع - الأردن

لغة شباب الجامعات: بين الواقع والمأمول

اللغة هي الوجه الثقافي الأساسي الدال عن هوية الفرد، وهوية المجتمع، ناهيك عن كونها أداة الاتصال الأساسية بين أفراد المجتمع، وللأسف إن اللغة المنتشرة داخل المجتمع العربي، تعبر عن انعزال الأفراد عن بعضهم ، وهذه إحدى المشكلات الكبرى التي يواجهها الفرد العربي.
ولعل أبرز مثال على هذا الانعزال ما سمي "لغة الشباب"، التي اقتحمت حياة الشباب العربي بشكل مفاجئ دون أن نعرف مصدرها ، أو الذي تسبب في ظهورها ، وما يؤسف زحفها على لغتنا العربية ، واعتراف الشباب بها دون قواعد واضحة.

فما هذه اللغة؟ وما أسباب ظهورها؟ وما هو الداعي إلى استخدامها؟

في الحقيقة إننا لا نستطيع تشخيص الظاهرة إلا إذا أفسحنا زاوية خاصة لآراء المستعملين لهذه اللغة أو السامعين بها، ومنها:

1) "تعلمت هذه اللغة من زملائي ، وأنا أستخدمها لأعيش حياتي الجامعية، ولا أرى ضرورة في استخدامها بعد تخرجي أو عندما أواجه الواقع العملي. إننا على سبيل المثال نستخدم كلمة (يا علي) عندما نرى صديقًا لنا يكلم شخصا غير مرغوب فيه، ونريد أن "نزحلقه" فنناديه بـ(يا علي) أي اترك هذا الشخص.

2) "أنا أستخدم هذه اللغة للممازحة مع الأصدقاء فقط ، فهي غير ضرورية في حياتي وتعتبر كلمة "نفض لنفسك، وكبر دماغك" من أشهر المصطلحات في هذه اللغة، وكل ذلك يأتي بمعنى (لا تهتم) أو (تشغل بالك) ومصطلح "خليك في كوزك لما نعوزك"، وأستخدم هذا المصطلح عندما لا أريد الاستماع لشخص وأرغب في إنهاء الحديث معه.

3) " لا أستخدم هذه اللغة مطلقا ولا تشكل لي أي أهمية في حياتي سواء أولية كانت أم ثانوية، ولكني مجبرة على سماعها ممن حولي والمحيطين بي فهذه اللغة لا تتناسب مع طبيعتي كأنثى، فأنا لابد أن أحترم نفسي أولاً وطبيعتي كأنثى".

4) " لا أستعمل هذه اللغة في تعاملي مع غيري مطلقاً فهي غير هامة بالنسبة لي، وعندما أرى أي شخص يتحدث بها أشعر بتفاهته".

5) "عرفت هذه اللغة من أصدقائي، وعندما أسمع أي كلمة تتردد من حولي (ألتقطها) فوراً، ولكنها ليست هامة بالنسبة لي حيث يقتصر استخدامي لها مع الأصدقاء فقط ، ولا أستخدمها عندما أتحدث إلى أستاذ مثلاً أو أثناء ندوة أو في التحدث داخل المنزل مع والدي أو والدتي ، وبالنسبة لأشهر المصطلحات كلمة (خنيق) التي تعني أن شخصا ما ظله غير خفيف، هناك أيضا كلمة "قشطة" ونقولها عندما نصف شيئا جميل".

6) "أستخدم هذه اللغة في التعامل ،لأن الجميع أصبح يتحدث فيها، وقد تعلمتها من أصدقائي في الجامعة ، وعندما سئل عن أشهر المصطلحات ، قال كلمة (كانسل) وتعني لا تهتم به واتركه.

7) "هذه اللغة تمثل اختصاراً لبعض الجمل المطولة فهي سهلة وبسيطة، وأستعملها فقط مع الأصدقاء أو في النادي أو الجامعة، وأشهر كلمات هذه اللغة كلمة (أساسي يا زميلي): تقال عندما يسأل شخص زميله هل ذاكرت مثلاً فيجاوب قائلا (أساسي يا زميلي)".

8) "إنني أستخدم هذه اللغة على حسب الشخص الذي أمامي، فإذا كان هذا الشخص يتحدث بهذه اللغة أستخدمها معه، وإذا كان يتحدث بالطريقة العادية فأتحدث معه على هذا الأساس، وعندما سئلت عن مدى أهمية هذه اللغة ، أكدت قائلة إنها غير هامة في حياتها فهي تفضل الحديث باللغة العربية الفصحى، ومن الكلمات التي تعبر عن هذه اللغة الجديدة كلمة (بلحة) وهي تستخدم لوصف يوم ما بأنه طويل وقبيح".

9) "هذه لغتنا ونحن أحرار ولا تجبرونا على التحدث بلغتكم، وما ترونه أنتم "غريبا" نعتبره نحن "عاديا".

10) "إن هؤلاء الشباب "نبت غريب" ومن الاستحالة التفاهم معهم ، فهمومهم مختلفة وطموحاتهم غريبة ناهيك عن اللغة والمصطلحات التي يستخدمونها".

11) "لغة الشباب هي لغة دارجة بكثرة هذه الأيام بين معظم الشباب، ولكنني أرى أنه يصعب التكلم بها وبمصطلحاتها مع الجيل الأكبر؛ لأنه جيل واع ويدرك واقعا لا نكون نحن الشباب فيه.
فعندما نتحدث بها معهم سوف يفهمونها بشكل خاطئ، أما الشباب فيسهل أن يتحدثوا بها مع بعضهم؛ لأنها بنظرهم تعبر عن حياتهم العملية. وأرى أنها غير لائقة أحيانا، وكذلك أمام الأهل لا أستطيع أن أتحدث بها لأنهم لا يجدون بها إلا لغة شوارع، ويفسرون بعض مصطلحاتها بطريقة سلبية ويتهموننا بأننا جيل غير مسؤول وجاهل. وفي النهاية، لكل جيل سماته وبصماته التي تبقى من بعده. ولا أحب التحدث باللغة التي تشيرون إليها، لكونها لا تليق بالفتاة، فهي غالبا ما يتحدث بها الشباب فقط وأحيانا تكون غير أخلاقية".

هذه هي أبرز الآراء ، وما يؤسف له حقا أن "لغة الروشنة" يتحدثها جيل من الشباب الجامعي وصل إلى درجة من التعليم يفترض فيها أنها تجعله واعيا لطريقة تعبيره عن نفسه، غير أن الجيل قد وقع في فجوة كبرى من انعدام الانتماء، وهو ليس ذنبه فقط، فهو جيل يتسم بالإحباط، ويعاني من فقدان القضية، نظرا لعدم إيمانهم بالقيم والحضارة الإسلامية، وهي عوامل تجعلهم يحاولون التخلص من كل رابط يربطهم بهذه الحضارة، وربما أهم هذه الروابط اللغة، لذا نجد معظمهم "متروشنًا" رغبة في التوحد بالنسق الذي يبتغي الهرب إليه.
ومن ناحية أخرى تبدو المناهج التعليمية، خاصة فيما يتعلق باللغة العربية، مناهج موجهة لصناعة كارهي اللغة العربية، فتبدو قواعد النحو بالنسبة إلى الطلاب معقدة وتجريدية بصورة كبيرة حيث لا يتم تدريب معلمي اللغة على تبسيط هذه القواعد وربطها بالحياة اليومية، الأمر الذي يخلق رغبة في نسيانها بمجرد اجتياز اختبارها.

أما الظرف الاجتماعي فقد زاد من حدة الفجوة الجيلية، بالصورة التي يرفض فيها الآباء أفعال أبنائهم من دون نظر أو مناقشة، نتيجة لضيق أوقاتهم نظرا لانشغالهم في محاولة مواكبة الظرف الاقتصادي السيء بالعمل المستمر، وهو ما يخلق فجوة تواصل مع الأبناء.
أما الأبناء فيحاولون مواكبة عصرهم، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة حدة رفضهم لجيل آبائهم، وهو ما يعمق من الفجوة ويقود إلى التمرد الذي يتجلى في صورته الأولى في لغة تشبه اللغات السرية، لغة توضح انغلاق مجتمع الشباب على نفسه بعيدا عن سلطة الآباء والمؤسسات.
ويرى مجد الدين خمش، أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الاردنية، أن ما يحدث يشكل فجوة "بين الأجيال. وهي تزيد لعدة أسباب، منها تغير الاهتمامات بين الشباب عما كان في السابق وأعني جيل الكبار. واتهم الجيل السابق بعدم تطوير مفاهيمه ومواقفه الديمقراطية، بحيث يركز على موضوع تقبل الشباب ومنحهم الفرصة ومحاولة استيعاب طريقة تفكيرهم. وهؤلاء الشباب ينظرون إلى أنفسهم كجماعة وهم يختلفون عن الجيل أو الجماعة السابقة؛ لذلك فإن لهم بعض المصطلحات وكذلك طريقة مختلفة في الكلام وأيضا يسعون لتوحيد أزيائهم ضمن أشكال الاحتجاج أو المطالبة بالاعتراف بهم. ورأى ان جيل الناضجين لا بد أن ينشئ جسورا من التفاهم والحوار مع الشباب. وأكد أن فئة من الشباب أصبح لديها لغة مبتذلة إلى حد ما بتأثير المسلسلات المدبلجة التي تنشر ثقافة معينة بين الشباب هي ثقافة عدم الاحترام للآخرين ومحاولة الميل إلى العنف والابتذال في الكلام. إن هذه الأعمال الدرامية "المدبلجة" تجعل الشباب يعيشون في جو لا تقاليد له ولا احترام، جو كله مشاحنات وصراعات، وأستثني من هؤلاء الشباب فئة تنضوي تحت هيئات وطنية وتمارس سلوكها ضمن إطار سياسي مما يشكل حماية لهم من التأثر بثقافة المسلسلات المدبلجة.

ويقول محمد حماد، أستاذ علوم اللغة في كلية دار العلوم، جامعة القاهرة: "إن السبب الرئيسي والأساسي في ظهور هذه اللغة هو التطور الاجتماعي والنفسي فكل جيل له لغته ومصطلحاته وخصائصه التي يتميز بها ويتعامل بها ، ومنذ أن خلق الله عز وجل اللغة على لسان آدم وهي في تطور مستمر. وهذا التغير في الاستعمال وفي الدلالة وفي المفاهيم، يمثل قانونًا بشريا اجتماعيا يعترف به في جميع لغات العالم. وبالنسبة لما يسمى بلغة الروشنة الحالية، الكبار فقط هم الذين يعتبرونها لغة روشنة، ولكنها لغة طبيعية لهؤلاء الشباب، الذين لهم الحق في أن يصيغوا لغتهم كما تكون، وكما يتفاهمون بها شرط أن تعبر عن طبيعتهم، وعن حياتهم التي يحيونها، سواء أكانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو حياة علمية أو فكرية أو نفسية. فأنا كمتخصص في علم اللغة أرى أن هذه اللغة طبيعية جداً ومعبرة عن روح العصر الذي يعيشه هؤلاء الشباب. ولا أرى أي مخاطر مطلقا نتيجة استخدام هذه اللغة الجديدة؛ لأنها تعتبر موضة من الموضات تختفي باختفاء الجيل الذي يستعملها - فمثلاً جيل الثلاثينات والأربعينات كانت لهم لغة، وجيل الخمسينات والستينات كانت لهم لغة، والسبعينات والثمانينات لهم لغة أيضاً، والتسعينات والألفية لهم لغة، فكل جيل يصنع تعابيره الخاصة به واصطلاحاته، والتي يمكن تسميتها "اكلاشيهات"، ولكن هذه التعبيرات إذا حللناها تحليلاً لغوياً محايداً، نجد أنها تمت للغة العربية الفصحى والعامية، ومن ثم ليس لها أي مخاطر على الإطلاق؛ لأنها سوف تنتهي بانتهاء هذا الجيل، وسوف تظهر بعد ذلك موضة أخرى جديدة، حيث سينشأ جيل جديد له ظروفه المختلفة والمغايرة لظروف جيل شباب اليوم، وسوف يصطنع لغة أخرى للتفاهم ويطلق عليها تسمية أخرى".

ويعزو عادل هندي، أحد الخبراء في مجال العلاقات الإنسانية، السَّبب في انتِشار هذه اللغة إلى ضعْف الوازع الدّيني، وتغْييب معنى الهدف والغاية، وكذلك الاغتِرار بكلّ ما هو غربي، والاعتِقاد بأنَّ الغرب هو المُنْقِذ، مع بطلان هذا الاعتِقاد فيما هو معلوم من إحصائيَّات المجتمع الغربي المؤكّدة لانحِداره أخلاقيًّا، إضافة إلى سوء التَّربية للأبناء والبنات.

ويُعَدّ غياب القدوة الصَّالحة النَّافعة من أبرز أسباب انتِشار ألفاظ "الرَّوشنة"، ولا يمكن التغاضي عن دور الإعْلام في تَمييع الشَّباب، من خِلال تَمثيل صورة البطل على أنَّه الشَّابّ "الروش" الذي يتحدَّث لغة سفيهة، وسعيه لتشويه صورة الدِّين والتديُّن، وتفريغ عقول الشَّباب من القضايا المهمَّة في الحياة، كقضيَّة الغاية وقضايا الأمَّة بوجه عامّ.

ويمكن – حسب قوله – معالجة هذا النَّوع من أنواع التمرّد الشَّبابي بعمل حملات إعلاميَّة هادفة، تبيّن فضل وأصالة اللّغة العربيَّة ومكانتها بين اللغات، إضافة إلى وقْف هذه العبارات في الأفلام والمسلسلات والمسرحيَّات، وانتشال الشَّباب من دوَّامة "الرَّوشنة" الَّتي يعيشُها إلى ساحات المساجد والنَّدوات الثَّقافيَّة والعلميَّة، هذا بالإضافة إلى تعْزيز انتِماء الفرْد لدينه وعدم الانسياق وراء كلِمات غريبة تتردَّد في المنتديات، وتردّدها أفلام هابطة.

وممَّا يُساعد في العلاج أيضًا: عوْدة دور التَّربية إلى دورها الحقيقي ، وتفْعيل دور الجامعة في تصْحيح مفهوم الشَّباب الحقيقي للحياة، وكذلك "الصحبة الصالحة"، وإعلان الحرْب على لغة "الرَّوشنة"، وحثّ الشَّباب على مقاطعتِها.

ويوافقه محمَّد المهدي، أستاذ الطّبّ النَّفسي بجامعة الأزْهر، إذ يرد السَّبب في انتِشار مثل هذه الألفاظ والكلِمات على لسان العديد من الشَّباب إلى بعض الأفلام والأعمال الفنّيَّة الَّتي شهدت تداوُلاً كبيرًا في العالم العربي، وأصبحت محلَّ اقتِباس وتقليد من المُشاهِد العربي.
منها على سبيل المثال لا الحصْر مسرحية "مدرسة المشاغبين"، وكذلك أفلام محمد سعد "اللمبي، وعوكل"، فالفضائيَّات العربيَّة نجحتْ لِلأسف في فرْض هذه الأعمال وغيرها كمادَّة شبه يوميَّة على أجندة المشاهد العربي بشكْلٍ عامّ، ومنه الشَّباب بشكْلٍ خاصّ، مما يفسّر إلى حدّ كبير انتِشار هذه اللُّغة على ألسِنة الشَّباب دون إدراك حقيقي لخطورتها.

وتقول فريدة النقاش، رئيسة تحرير مجلة أدب ونقد، عن ظاهرة انتشار لغة المصطلحات الغريبة وغير المفهومة بين الشباب: إن الشباب الحالي جيل مظلوم نشأ في ظل مناخ فاسد، تسود فيه الثقافة التجارية الاستهلاكية النفعية التي سيطرت على مؤسسات الإعلام في العالم العربي في ظل عولمة شرسة تعلي من قيم الاستهلاك والسوق في مقابل قيم اجتماعية وثقافية وخصوصيات حضارية، وساهم هذا في دفع الثقافة الجادة إلى الهامش، ووضعها في ذيل قائمة الأولويات. فالمناخ الثقافي متدنٍ ويشهد حالة من التراجع المستمر، وبدلا من القدوة من الأدباء الكبار والشعراء أصحاب الإضافات الثرية للغة نجد الآن سطحية وتفاهة، وظواهر غريبة لم نكن نسمع عنها كالفساد والبطالة والواسطة وتأخر سن الزواج. ماذا تنتظرون من هذا الجيل المحبط الذي لا يجد وسيلة يحتج بها على هذا المناخ الخانق إلا استخدام لغة لا يفهمها سواه؟ هناك غموض في المستقبل، وتآكل في مستوى التعليم وتدهور معيشي، كل هذا جعل الشباب غير راضٍ عن مجتمعه، وألجأه لاستخدام لغة غريبة للاحتجاج بها على الأوضاع القائمة وهذا من حقه.

ففي استفتاء أجري بين شباب العرب من سنوات تبين أن 65% من هؤلاء الشباب يريدون الهجرة، فهم غير راضين عن أوطانهم، وغير مطمئنين على مستقبلهم، وهم بهذه المصطلحات الجديدة يهاجرون ويتمردون على الواقع.

وتوضح أنه حتى داخل لغة الشباب الغريبة أو لغة «الروشنة» هذه نجد الفوارق، فلغة الأغنياء والطبقة الثرية تختلف عن اللغة التي يستخدمها الشباب من الطبقة المتوسطة أو الفقيرة، وهذا يرجع إلى التقسيم الإعلامي والثقافي الطبقي للمجتمع، والذي يسهم في مزيد من التشتت والانفصال بين الطبقات.

ومن الطبيعي أن يفرز المجتمع هذه اللغة، فالشباب طرح جديد ونتاج للثقافة التي يحيا في ظلها، ولا يمكن أن نلومه ونضعه في قفص الاتهام ونطبق عليه القوانين العرفية لاستخدامه لغة غريبة، لأنه لا يعيش في ظل المناخ المناسب الذي يفرز نماذج إيجابية ولغة راقية، ولأن الإعلام فشل في صياغة لغة بديلة ترتقي بذوق الشباب بل هبط بلغة الشباب أكثر، فلكل عصر لغته وطريقة التعبير عنه وعن احتياجاته، فالتغير لا بد له أن يحدث، ولكن لجأ الشباب لهذه اللغة لأنه للأسف لم يجد البديل.

هناك حاجة ملحة لتطوير اللغة، فاللغة العربية حالياً أصبحت جامدة في قوالب ثابتة ميتة، ولا تلبي احتياجات التطور التقني الذي يتابعه الشباب، ومن هنا فمن حق الشباب ابتكار لغتهم الخاصة بهم، فماذا تتوقعون من شباب يتلقى ليل نهار سيلا من الأغاني الهابطة والمسلسلات التافهة، ويسمع لغة متدنية؟

لابد وأن تتأثر لغته بكل ما يراه في وسائل الإعلام. لأن المجتمع نفسه لم يساعده في أي شيء، فبعد سنوات طويلة وبعد دراسة مرهقة نظرية يتخرج ويعمل في مجال آخر غير مجال تخصصه، بسبب ارتفاع معدلات البطالة، كل هذا جعل الشباب محبطا ويريد أن يتحرر من هذه القيود ومن وصايا الجيل القديم الذي يراه أفسد كل شيء في المجتمع.

وتستشهد النقاش بدراسة أجريت بقسم الانثروبولوجيا بكلية الآداب في جامعة الإسكندرية عن أثر التغير الاجتماعي على لغة الشباب وأثبتت هذه الدراسة مدى التأثير الكبير للتغير الاجتماعي على لغة الشباب في ظل طغيان الإعلام الغربي (السماء المفتوحة ـ الانترنت ـ العولمة)، فهذه الأشياء هي التي تشكل الوسط الشبابي، ومن الطبيعي انتشار بعض العبارات والاصطلاحات المميزة للغة الشباب بين مختلف الأجيال وخاصة ما يتصل منها بالمعاملات الاجتماعية في ظل ما يطرأ على المجتمع من تغير، فهذا الكلام يعد في حد ذاته أحد مباهج الحياة ومن ثم أصبح الكلام هدفاً وليس وسيلة.

والشباب يسعى إلى لفت الأنظار بإضفاء جو من المرح وكثرة التهكم والسخرية وإظهار القوة وابتكار كل ما هو غريب وجديد ودخيل على ثقافتنا، ويسعى إلى الثقة في النفس والتأثير في الآخرين بكثرة الكلام وإثبات خفة الظل والكفاءة الكلامية، فاللغة ظاهرة اجتماعية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالبناء الاجتماعي ونسق القيم في المجتمع متمثلاً في ظاهرة المحرمات، ومجتمع الشباب أوجد لنفسه قيما خاصة به ومن ثم محرمات خاصة.

وتربط الأستاذة فريدة بين لغة الشباب السائدة وبين القهر في المجتمع بقولها: لا ينبغي أن ننسى أن هذه الأجواء خلقت نوعاً من الفراغ، وجعلت هناك أشياء كثيرة مفقودة في المجتمع، ولم يعد الشباب لديه الفرصة للانخراط في العمل الاجتماعي كما كانت الحركة الطلابية تقوم بدور مهم عبر التاريخ وخلال النصف الأول من القرن العشرين، كل هذا دفع الشباب لمحاولة خلق عنصر جديد يتميز به ويشعر به أنه فاعل في ظل مجتمع يديه فيه مكبلة.
وتنهي الأستاذة فريدة بقولها: أتوقع استمرار الظاهرة طالما بقيت الظروف الحالية كما هي بهذا التردي والسوء.

ويرى ناصر وهدان، مدرس الفلسفة الإسلامية بتربية العريش جامعة قناة السويس، إن التكنولوجيا غيرت الكثير من مفردات التواصل بين الشباب العربي حتى نحت له لغة خاصة يستخدمها أثناء "الشات" وتبادل الرسائل الإلكترونية، ربما لسرعتها وسهولة استخدامها تقنياً، أو تعبيرها عن التميز والحرية ومرونتها في جلسات الفضفضة.

وفي هذه "اللغة" ظهرت كلمات متآكلة وحروف ناقصة وأخرى مكررة وتراكيب مبهمة بين العربية والأجنبية وبين الفصحى والعامية ومزيج من الحروف والرموز والرسوم الكاريكاتيرية، بل تم استبدال بعض الحروف العربية التي ليس لها مرادف في الإنجليزية بالأرقام حيث أصبحت الحاء 7، والهمزة 2، والعين 3 وغيرها.

وهناك اختصارات باللاتينية مثل (لول ، LOL) وتعني: يضحك بصوت عال، وهـي اختصار لجملة (Laughing Out Loud)، و(تـيت ، TYT) وتعني: خذ وقتك، اختصارا لـ(Take Your Time)، و(BTW) وتعني: على فكرة، اختصارا لـ(By The Way)، و(OMG) بمعنى: يا ربي، اختصارا لـ(Oh My God)، وغيرها. وبعضهم يطوع الألفاظ الأجنبية للصياغة العربية مع احتفاظها بحروفها المعبرة عن أصلها الأجنبي، خاصة في التعامل مع الوسائط الإلكترونية. وأمثله ذلك، يأنتر أي يدخل على شبكة الإنترنت، ويشيت أي يقوم بعمل “chat”، ويفرمط بمعنى يجري “format” لجهاز الكمبيوتر، أي إعادة ترتيب وتصفية.

كما حذر من الجزر اللغوية المنتشرة داخل المجتمع العربي، والمعبرة عن انعزال الأفراد عن بعضهم ، ولعل أبرز مثال على ذلك ما يسمى بلغة "الروشنة"، التي انتشرت – دون قواعد واضحة – بين جيل الشباب العربي في منتصف السبعينيات من القرن الـ20، مما أسهم في انتشار كلمات غريبة، مثل "طنش"، و"قب"، و"يروشن" أي يخرج على المألوف، و"يهيس" أي يقول كلاماً غير مفهوم أو يفعل أفعالاً غريبة في موقف معين، و"يأنتخ" أي يتكاسل ولا يفعل شيئا، و"الأوكشة" أي البنت الجميلة وجمعها "الأكش"، و"نفض" أي تجاهل وتقوم على تشبيه الكلام غير المرغوب فيه بالغبار الذي يدخل الأذن وعلى السامع أن ينفض أذنه منه، و"يهنج" التي تشبه العقل بالكمبيوتر الذي يتوقف فجأة عن العمل. ودعا الآباء إلى توجيه الشباب أثناء تعاملهم مع وسائل الاتصال الجديدة ، والحوار البناء في القضايا الشائكة وإعادة النظر في المناهج التعليمية ومراجعة الدور الإعلامي والفني، حيث تعد وسائل الإعلام والسينما والأغاني والدراما من أهم أسباب انتشار العامية.

وأكدت ليلى عبد المجيد، عميدة كلية الإعلام بجامعة القاهرة، أن الأمة العربية تواجه محاولات اختراق لهويتها الثقافية خاصة بين الأجيال الجديدة مشيرة إلى أن الثورة الاتصالية والتكنولوجية الراهنة أفرزت لغة جديدة تتواكب مع طبيعة تطور وسائط الاتصال مما أثر سلبيا على اللغة العربية.

وقالت إن الأزمة الحقيقية ليست في سوء توظيف وسائل الإعلام للعربية، وإنما في عملية تدريسها في المدارس والجامعات التي تتم مع مستويات متدنية من الطلاب غير المؤهلين وبمناهج تدريس تقليدية، الأمر الذي ينتج في النهاية معلمين غير قادرين على تحمل مسئولية إعداد جيل متميز.

وأبرزت أهمية دراسة نقاط القوة والضعف في صياغة الخطاب الإعلامي لتوصيل الرسائل الإعلامية إلى فئات مختلفة من الجمهور، حيث يتأثر مستوى الأداء الإعلامي بالسلب أو الإيجاب بمستوى الأداء اللغوي السائد، فكلما كان الأداء راقياً وسليماً ومبدعاً كانت مهمة توصيل الرسائل الإعلامية أكثر يسراً وأعمق تأثيراً في الجمهور المستهدف.

وقالت نجوى كامل، وكيلة كلية الإعلام لشؤون البيئة وخدمة المجتمع، إن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة اتصال أو وعاء لنقل الأفكار والمعاني بقدر ما هي مكون ثقافي وحضاري من روافد الثقافة العربية، وبالتالي لا يعد الحفاظ عليها والدعوة إلى حمايتها ترفاً فكرياً أو قضية شكلية إنما ضرورة قومية تتطلب تكاتف جميع الجهات المعنية لضمان الحفاظ على هوية المجتمع وتوفير سياق صحي يساعد هذه اللغة الحية على النمو والتطور تلقائياً لاستيعاب المستحدثات دون قطع صلتها بالتراث.

ودعت إلى التصدي لمفردات اللغة العامية التي انتشرت في برامج أجهزة الإعلام ومعظم الإعلانات. ولا يعني التصدي لموجات التشويه المتتابعة حرمان الشباب من قاموس لغوي خاص بهم، ولكن يجب تدريبهم على الفصل بين قواعد لغة التعاملات الحياتية الشعبية والرسمية، ومعرفة متى وأين وكيف يستخدمون كل مستوى من اللغات العربية والأجنبية دون انتهاك لأصول لغتهم الأصلية.

ويقرر بعض الباحثين الاجتماعيين أن اللغة الجديدة لشباب الجيل الحالي، والمليئة بالألفاظ الغريبة والمشفرة أحيانا، تترجم الكم الهائل من التحولات التي يعيشها هذا الشباب في داخله، فيعبر عنها بلغته الخاصة التي لا يكاد يفهمها غيرهم، لخلق "حماية" ذاتية لهم ولرؤيتهم للعالم كما يريدون.

ويعتبر الخبير الاجتماعي محمد عباس نور الدين أن ابتعاد الشباب عن عالم الكبار وعدم انسجامهم معه يجعلهم يؤسسون مملكتهم الخاصة حيث يتعاملون بثقافتهم ولغتهم وقيمهم ومعاييرهم.

ويوضح بأن السرعة الحاصلة في اتساع الاختلاف بين جيلي الشباب والكبار تفرض أسلوبا جديدا في التعامل معها حتى لا يصبح الشباب هم وحدهم الذين يطالبون بالتغيير والتجديد، في حين يقف الكبار موقف المعارض لعملية التغيير أو يقف منها موقف المتفرج.
ويتحدث عن عامل الشعور بالقبول والانتماء، حيث إن هذه الرغبة تفرض على الشباب تكييف مواقفه وأفكاره لتنسجم مع مواقف وأفكار رفاقه.

وأشار إلى أنه كلما تحقق هذا الانسجام بين الشاب وبين جماعة الرفاق كلما شعر بأنه مقبول ومرغوب فيه من طرفهم، وبذلك يشبع رغبته في الانتماء إلى الجماعة مما يمنحه شعورا بالاطمئنان والأمن الضروريين لنمو شخصيته وفضلا عن عاملي التنافر بين جيلي الشباب والكبار والرغبة في الانتماء، يمكن تفسير انتشار هذه اللغة الشبابية البديلة أيضا بحرص بعض الشباب على إثارة انتباه المجتمع إليهم بكونهم أكثر تميزا.

ويعزو هاشم سرحان، الأستاذ المساعد في علم الاجتماع بجامعة الشارقة سابقاً، لجوء الشباب إلى هذه اللغة الغامضة إلى أسباب عدة منها خصوصية مرحلة الشباب والمراهقة، بما فيها من سلوكيات وصفات خاصة تهدف إلى البحث عن التميز، ولو بطريقة “خالف تعرف” والبحث عن الأشياء غير المألوفة.

ويوضح أن المراهقين وطلائع الشباب يعنيهم في فترة النضوج واكتمال التكوين الجسماني والنفسي الأخلاقي والفكري أن يكونوا عوامل جذب ومحل تقدير، فضلاً عن أن أغلبهم يميل إلى تقمص شخصية الصديق بسلوكياته، حتى إن تأثير الصديق يكون في هذه المرحلة أقرب من تأثير الوالدين.

ويشير سرحان إلى أن من بين الأسباب محاولة بعض الشباب تكوين ثقافة فرعية، مخالفة للثقافة العامة للمجتمع والتي تعتمد على الموروث الثقافي والاجتماعي والديني والأخلاقي وفئة الشباب لا يتقبلونها.

ويرى سرحان أن تكنولوجيا الاتصال بما يندرج تحتها من الإنترنت و"الشات" و"البلاك بيري" أسهمت في نشأة لغة مختصرة جداً، وخاصة جداً يتداولها الشباب وتبدأ في النمو والتطور مع الاحتكاك بمجتمع المدرسة ثم الجامعة.

ويضيف: كل تلك الأسباب تكفي لانتشار أي ثقافة لغوية جديدة، ولكن يدعمها تركيبة المجتمع بشكل خاص، والتي يتولد عنها قيم وسلوكيات جديدة وعديدة والشباب هم الأقرب في التعايش مع ضبط اللغات والثقافات، بحكم أنهم متمردون على العادات والتقاليد ويجنحون إلى الحداثة في ظل المجتمع المفتوح على وسائل الإعلام وأسر لا تستخدم لغة عربية صحيحة.
وأوضح علي صلاح محمود أن الحروف تحولت إلى رموز وأرقام ، وأن واقع شبابنا اليوم وعزوفه عن المشاركة في قضايا المجتمع أصبح لا يبشر بخير على الإطلاق خاصة في مجتمعنا العربي الذي يبتعد فيه شبابنا عن الأنشطة الاجتماعية نتيجة التأثر بالإعلام الخارجي.

وفسر الباحث لجوء الشباب إلى لغة حديث موازية بوجود شعور بالاغتراب لديهم يدفعهم للتمرد على النظام الاجتماعي وتكوين عالمهم الخاص بعيدا عن قيود الآباء، وأضاف "أنهم يؤلفون هذه اللغة كقناع في مواجهة الآخرين".

وقال صفوت العالم، أستاذ في الإعلام العربي، إن ظهور لغة جديدة بين الشباب أمر طبيعي يتكرر بين مدة وأخرى، ويعكس التمرد الاجتماعي وعدم تفاعلهم مع الكبار، ويظهر عادة في نمط مميز من اللغة أو الملابس أو السلوكيات اليومية.‏

وأوضح أن الإنترنت ليست وحدها المسؤولة عن تغير لغة الشباب، فالعديد من المصطلحات الأجنبية المنتشرة بين الشباب سببها استخدام الإنكليزية كلغة تعامل في بعض أماكن العمل، إضافة إلى التعليم الجامعي الذي لا يهتم أصلا باللغة العربية، وصولاً إلى الدراما العربية وما تقدمه في المسلسلات والأفلام من ألفاظ شاذة.‏

ويقول مالك المطلبي، مختص في اللغة العربية في أكاديمية الفنون الجميلة، عن ماهية الجذر اللغوي لتلك المفردات الشائعة بين الشباب بصورة عامة سواء في الجامعات أو في الشارع:
هذه المفردات تعمل بالمناقلة أي من خلال المعنى الموضوع لها لترتيبه وصياغته إلى موضوع آخر يتناسب مع السياق الجديد في الجامعة ، بعض التركيبات والمفردات لها جذور معجمية "قاموسية" مأخوذة من نظام لغوي هجين يجمع بين اللغة العربية والكردية والانكليزية وكذلك الفارسية وبعضها له جذور ولكن يتم تحويره صوتياً ليفي طبيعة المناقلة وقسم آخر ليس له جذور معجمية لغوية وهو نوع من الارتجال وبهذه الحالة نستطيع أن نتأمله ونحذف فيه لأنه ليس مكتوباً ولا مدوناً بل هو مجرد صوت شفهي ،على سبيل المثال مفردة "هكهكتني" التي يتم مداولتها على أساس أنها فارغة المعنى مفردة صوتية ولكن تتلبس بمعنى توحي به طبيعته الصوتية بمعنى "اتعبتني" وهي متداولة بشكل ضيق.

مع هذه المناقلة يقوم الفرد أو ذلك الشخص بتركيب مفردات متنافرة في سياقها الأول ويقوم بدمجها ليحقق الصدمة ويسمى بعلم اللغة "النحت".

كذلك ممارسة لعبة الإخفاء واللعب بالصوت يقوم أغلب الشباب بالإضافة إلى إطلاق مفردات باللغة العربية بتكوين مفردات وجمل مركبة نصفها عربي والآخر باللغة الانكليزية فيركز على الإخفاء والكناية "يخفي المعنى البعيد ويظهر المعنى القريب "بنت الآي كانت سي".

وأظهر عدي بجاي، الأستاذ المساعد في قسم الاجتماع في جامعة بغداد، البواعث التي تقف وراء ظهور هذه الجملة من المفردات قائلاً:

ظهرت هذه المصطلحات نتيجة التحولات السياسية من ضمنها "صاك" لأنه جاء من مصطلح "الصك أو السك" بمعنى أصدر هذا الشيء وتطور هذا المصطلح من عملية إلغاء آخر أو تحديده إلى مصطلح ثاني وهو القوة الذي يعبر بالفتاة إنها "صاكة" دليل على قوة الشيء أو تميزه أو جماله أو تفرده. ويرى ان من المهم دراسة هذا المصطلح بالذات لأنه ارتبط بمصطلحات سياسية وقد سيطر الفعل السياسي على الحياة الاجتماعية برمتها.
أما مصطلح "اربط فيشة" فقد ظهر بعد شيوع ثورة الاتصالات والمعلومات.
ويعبر أحدهم عن حالة شرود ذهن زميله فيقول له "فاصل" أما إذا بقي على اتصال معه فيسمى بـ"رابط فيشة" وفي الأخيرة تكون عملية التواصل مستمرة.
أما في الجامعات فهي خليط اجتماعي متكون من فئات مختلفة.
ويتم استعارة مصطلحات جديدة أولاً من التلفزيون وثانياً من الانترنت وثالثاً من خلال الخبرات اليومية التي ألفوها من خلال تعاملاتهم اليومية
إذا يبدو ان أسباباً عديدة أسهمت في نزوع الشباب إلى إيجاد لغة خاصة بهم. وتتمثل هذه الأسباب بالنواحي التالية:

ـ المنحى الاحتجاجي:

إن لغة الشباب هي طريقة مباشرة لإبداء الاحتجاج، لذلك يقبل الشباب على اعتماد هذا النمط التعبيري، ويحيطون أنفسهم بلغة خاصة بهم، تفصلهم عن لغة البالغين.

هذه اللغة يفهمونها ويتفاهمون بواسطتها، بعدها الأداة الأولى للاحتجاج، في مقابل اللغة غير النافعة المستعملة في عالم البالغين، والمعتمدة للتعبير عن وجهة نظرهم. وهي تشيع في صفوفهم أيضاً باعتبارها مناقضة للقواعد والتقاليد (اللغوية والاجتماعية). وهكذا بات للشباب لغة خاصة بهم تميزهم عن لغة البالغين وعن جملة التقاليد والاعراف المتداولة.

ـ منحى الفصل:

غالباً ما يحاول الأهل أو المعلمون التقرب من الشباب وذلك عبر محاولة التكلم بلغتهم. ولكنهم نادراً ما ينجحون في هذه المحاولة. وذلك يعود إلى محاولتهم المقصودة للفصل بين العالمين: عالم البالغين وعالم الشباب.

ـ المصداقية:

إن التعابير المثالية في لغة الشباب هي التعابير التي تدعو إلى التصديق وتأكيد الحقائق، وهي تتكرر بوضوح في لغتهم.

ـ منحى اللعب او الاختراع:

إن الرغبة في إيجاد شيء جديد، ومميز، وشخصي جداً، وسباق، هي ميزة في النفس البشرية. وهذه الرغبة تلعب دوراً كبيراً بين الشباب، وخاصة على صعيد اللغة. لذا يمكننا فهم هذا النزوع وهذه الرغبة في التلاعب اللفظي في سياقات التفكه والمزاح، وبغية إيجاد كلمات جديدة تحمل معان مبتكرة لا يفهمهما غيرهم، ويشكُل على الآخرين تشفيرها أو استيعاب مدلولاتها الحقيقية.

ـ التأثير على المشاعر:

كما هو معروف في علم النفس، فإن مبدأي الاقناع اللغوي والمعاينة الملموسة يعتبران في طليعة الطرق المعتمدة لمقاومة العنف. إذ يرى جمال عيد، المختص النفسي، في توجه الشباب نحو هذه المصطلحات، هروباً من واقع صعب، فهي قد تشكل تحايلاً على هذا الواقع، ومخرجاً يرونه مناسباً، ومتنفساً لبعضهم، كما أن آخرين يرون فيه تميزاً، يتحايلون على أنفسهم ومشاكلهم النفسية، خاصة ما يتعلق بالثقة في الذات، مشيراً إلى أنها غالباً ما تنتشر بين أولئك الذين لا يحققون ذواتهم في المجالات الأكاديمية أو الإبداعية الأخرى، فمن الصعب أن ترى شاباً متفوقاً في دراسته، أو مبدعاً في الأدب أو الفنون يتحدث بمثل هذه اللغة.

ويحذر من خطورة مثل هذه المصطلحات على انتشار اللغة العربية بين الشباب، خاصة أنها تعاني من تدهور أصلاً بسبب اللهجات العامية، فما بالك مع هذه المصطلحات الغريبة التي تعبر عن واقع غريب يعيشه الشباب العربي بشكل عام.‏

لكن ما إمكانية القضاء على هذه الظاهرة؟

يرى د. حماد أنه يستحيل القضاء على ظاهرة اجتماعية عامة، ولكن نتواصى بأن نرتفع بالاستعمال اللغوي عن هذه اللغة، ويجب ملاحظة أننا لا نستخدمها رسمياً، إلا إذا كان الإنسان غير مسيطر ذهنياً على أسلوبه، بمعنى إنني أتكلم معك وأنا مستحضر الذهن والعقل، ولا ألجأ إليها إلا إذا تبسطت كثيرا جدا في المزاح أو انفعلت كثيراً جداً في الغضب، ولكنها ليست خطراً حتى نقضي عليها.

هي تعبير عن طبيعة هذا الشاب ولهذه اللغة جماليات لا حدود لها – مثلاً كلمة "كب" فيها سمة من سمات اللغة العربية الفصحى فكلنا يحفظها ولا يفهم لها معنى فهي تعد سمة من سمات الإيجاز والبلاغة، فكبر بمعنى كبر دماغك، أي اجعل دماغك كبيرا لكي لا تناقشني في التفاصيل.

أو "هات من الآخر" أي لا أريد أن أسمع مقدمات كثيرة، حتى أصل إلى نهاية الغرض من الموضوع، فكلمة "هات من الاخر" فصيحة.

أيضا كلمة "روشنة" تأتي على وزن فعلنه، وهذا مقبول الوزن حيث اعترف به في مجمع اللغة العربية على أنه وزن قياسي الاشتقاق مثل: عقلنة المسألة – عرقلة كذا، سلطنة، فكلمة روشنة هي من رائش – يريش بمعنى أسرعت أكثر من سرعة الريش الذي بالسهم، وجاء من هذه الكلمة الولد روش هي أصلاً رائش (فاعل)، وأصبحت بعد ذلك (فعل) روش، مثل (ثابت) ثبت، وهكذا فوزن التحول فاعل إلى فعل قانون في اللغة العربية.

كيف يصنع الشباب لغتهم؟

لو نظرنا إلى الوسائل التي يركن لها الشباب وهم يتوهمون أنهم يصنعون لغة خاصة بهم سنجدها تندرج ضمن هذه الأطر:
- الاستعارة من اللغات الأجنبية:
تبدو الإنجليزية هي اللغة الأهم في هذا المجال، وتتم الاستعارة على مستويين:
الأول: الاستعارة الخالصة، حيث يتحدث الشباب بكلمات عربية مطعمة بالإنجليزية من دون تغيير، لتبدو اللغة مهجنة.
والثاني: يقوم على تطويع اللفظة الأجنبية للصياغة الصرفية العربية، لتتحول إلى ما يشبه الكلمة العربية، مع احتفاظها بحروفها المعبرة عن أصلها الأجنبي، وهذه الطريقة تنتشر بصورة كبيرة في مجال التعامل مع المنتجات الإلكترونية، كما أنها تتم عن طريق تحويل الكلمات إلى أفعال، وأمثله ذلك: يؤنتر: أي يدخل على شبكة الإنترنت، يشيت: يقوم بعمل chat، يفرمت: يقوم بعمل format لجهاز الكمبيوتر، أي إعادة ترتيب وتصفية.

ومن الواضح في هذه الأمثلة أنها على علاقة بالمجالات المستحدثة التي ما زالت مجامع اللغة تتعامل معها كأنها غير موجودة، أو على الأقل تواجهها بعد أن ترسخت ألفاظها الأجنبية داخل مجالات التعامل اليومية، وهو يمثل عائقا واضحا أمام تعبير اللغة العربية عن هذه المستحدثات، فليس من المعقول أن يغير الفرد كلمة التلفزيون التي تعود استخدامها لمجرد أن المجمع اللغوي قد أصدر قرارا بأن هذا الجهاز اسمه المرناة أو المذياع المرئي أو التلفاز.

- النحت من ألفاظ قديمة:

وهو رافد مهم من روافد تطوير اللغة عن طريق استحداث صيغ صرفية غير مستخدمة من قبل، بدمج لفظتين أو أكثر مثلا للتعبير عن معنى واحد، وذلك مثل كلمة "يكلسن" أي يقول: "كل سنة وأنت طيب".

وقد يكون هذا الدمج ناتجا عن فهم خاطئ لإحدى اللفظتين، أو عن اختلاط معنى كل منهما: فمثلا: الفعل "يتحاشى" فعل ينصب مفعولا، ومعناه يتجنب. والفعل "يتلاشى" فعل لا ينصب مفعولا، ومعناه يتضاءل ويختفي، ويقوم الشباب بالدمج بينهما مثل قولهم: فلان شخص سيء "تلاشاه". بتحويل الفعل تلاشى إلى فعل ينصب مفعولا هنا، ويكون المعنى الجديد: إن فلانا شخص سيء فتجنبه، واعتبره كأنه متضائل أو غير موجود أصلا.

- النحت الخالص:

وهو واحد من أهم روافد لغة الروشنة، حيث يتم استحداث لفظ جديد تماما ليؤدي معنى متداولا، غير أنه بهذه الصورة يقوم بدور الرمز الشفري، الذي لا يمكن حله إلا باتفاق الأطراف كلها، ولذلك يمكن عد هذا الرافد العامل الأهم في جعل اللغة غريبة غامضة بالنسبة لغير متحدثيها، ويتسم هذا الرافد بالعشوائية التامة، حيث لا يتم استقرار اللفظ إلا بعد انتشاره.

وأمثلة هذا الرافد متعددة وتصعب على الحصر، كما أن معنى كل لفظ منها يستعصي على التحديد بدقة نظراً لتغيره من جماعة إلى أخرى.
ومن أهم أمثلة هذه الطريقة: يروشن: يخرج على المألوف. يهيس: أي يقول كلاما غير مفهوم، أو يفعل أفعالا لا يجب فعلها في موقف معين. يأنتخ: أي يتكاسل ولا يفعل شيئا. والأوكشة: أي البنت الجميلة وجمعها الأكش.

- توسيع دائرة المجاز:

إذا كان توسيع دائرة المجاز واحدا من أهم عوامل تطوير أي لغة فإن لغة الشباب تستغل الرافد ذاته لصناعه لغة خاصة بهم، وهنا يبدو التشبيه هو الطريقة المثلى لهذا وأمثلة ذلك كثيرة، وهي الأشهر في هذا المجال، ومنها "نفض" ومعناه "تجاهل"، وتقوم على تشبيه الكلام غير المرغوب فيه بالغبار الذي يدخل الأذن، وأن على السامع أن ينفض أذنه منه.

ختاما غير الإنترنت الكثير من مفردات التخاطب بين الشباب العربي لدرجة أن أصبحت له لغة خاصة، أيمكن لنا بعد ذلك أن نتعامل مع اللغة التي يتحدثها الشباب بوصفها جريمة يجب عقابهم عليها، أو بوصفها إساءة أدب من ناحيتهم. أم يتوجب علينا الوقوف على الأسباب التي جعلتهم يعبرون عن أنفسهم بهذه الطريقة.
لعل في ذلك دعوة إلى مراجعة مناهج اللغة العربية في مدارس ما قبل الجامعة، وتقريبها إلى روح العصر الذي يعيشه هؤلاء الشباب. ومن ناحية أخرى هي دعوة إلى محاسبة الهيئات المنوط بها تطوير اللغة، أو على الأقل مراجعة آليات عملها لتخرج من عزلتها، وتعيد إلى اللغة العربية فاعليتها بوصفها مكونا أساسيا للهوية.

وقبل كل ذلك هي دعوة لسد الفجوة الجيلية السحيقة البادية في التنامي والاتساع بين شباب الجامعات والأجيال السابقة عليهم، وعندما يحدث كل ذلك فسيكون من الممكن محاسبة هؤلاء على أنماط حياتهم ولغتهم.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3366039

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC