أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 3: 25-36 » العدد 36: 2009/05 » حــدث فـي خـيـمـة

أمل النعيمي - الأردن

حــدث فـي خـيـمـة


أمل النعيميكنت في المطار أودع صديقة عزيزة جدا لم أرها منذ سنوات ولم تبق معي غير سويعات. لم أكن أدري هل ستمن علينا الأيام بلقاء آخر ومتى. حاولت أن أترجم مشاعر الفراق إلى دموع ففشلت.

جلست على أحد المقاعد وسط ضوضاء النداءات وحركة الذاهب والآتي وحقائب السفر. تعبير وجوه المسافرين والمودعين والمستقبلين والعائدين مبهم وبلا ملامح. جلست سيدة بجواري. كان واضحا أنها تريد أن تتحدث. إجاباتي المقتضبة لم تمنعها من الاستمرار. فكرت في مغادرة المكان، لكني تراجعت في اللحظة الأخيرة. بصراحة أثارت تلك السيدة فضولي، فقد كان على وجهها تعبير لم أفهمه. سألتها:

"هل تستقبلين أحدا أم تودعين؟"

"لا هذا ولا ذاك"، أجابت، "إنني آتي إلى هنا كل يوم أمعن النظر بمن حولي. إنني إنسانة وحيدة، ربما أكثر مما ينبغي. لدي مقومات ديمومة الحياة، لكني أصفي حساباتي معها. في الواقع لقد بترت علاقتي بها منذ أمد بعيد.

"ولكن لماذا؟"

"لا تهتمي لأمري وأخبريني: لم كل هذا الحزن؟"

كان سؤالها المتنفس الذي كنت أبحث عنه. حدثتها عن تلك الصديقة الغالية التي سافرت. قلت لها إنه كان مفروضا أن أغادر المطار منذ زمن ولكني لم أستطع، كأني أنتظر عودتها أو اللحاق بها مع علمي أن هذا مستحيل الآن على الأقل، واستمر حديثي معها.

"ولكن كيف عرفت أني حزينة جدا مع أني لا أرى حزنا أو فرحا في هذا الكرنفال البشري الغريب؟"

"اسمعي يا عزيزتي: إن الحزن والفرح يتدرجان في شدتهما كأي شيء آخر، فالإنسان الذي يودع إنسانا عزيزا لن يحس بالحزن إذا كان قد ودع وطنا منذ زمن بعيد، والإنسان الذي يودع إنسانا وهو يحصي الثواني في سره لفراقه سيشعر بالسعادة لو عرف أنه راحل إلى حيث لن يعود. والذي يستقبل إنسانا عزيزا لن يفرح إذا كان يعرف أنه سيفارقه مرة أخرى، أو ربما يختزن فرحته للقاء من لا يريد أن يأتي إلا حين ينتهي الانتظار. أعرف أنها فلسفة متعبة، لكن ما يحدث هنا في المطار أخف وطأة بكثير مما يحدث خارجه. هنا على الأقل تعرفين إلى أين الذهاب ومن أين الإياب، من تودعين أو تستقبلين."

"هل تصورت الحال في مطار الحياة؟ أنا مثلا روضت نفسي كي لا أحزن أو أفرح لأني لا أريد أن أدمن هذه المشاعر الجوفاء."

"ولكن يا سيدتي يجب ألا يكبت الإنسان مشاعره وإلا ستكون العواقب وخيمة. لماذا يزور الناس المقابر؟ لماذا يستمعون إلى الأغاني الحزينة بين الحين والآخر؟ لماذا يضحكون أو يرقصون؟"

"أو، أنا مثلا أريد الآن أن أبكي، أصرخ وأتمنى إيجاد وسيلة تعينني على ذلك، إنني أكره الوداع. لكن حياتي مسلسل وداع لا يريد أن ينتهي رغما عني. هل تفهمين؟ طبعا لا فأنت..."

قاطعتني وقد ارتسم على وجهها شيء مبهم:

"اسمعي: حديثي معك أفادني كثيرا. معك حق. الانفعالات يجب أن تظهر. تعالي معي."

سحبتني إلى سيارتها وأصبحنا نتجول من أرض لأخرى وهي تشتري أشياء غريبة: أثواب عرس، لحودا وأكفانا وملابس سوداء، أغاني وتلاوات دينية، أطعمة رديئة وجيدة، وكل ما لا يمكن أن يخطر ببال.

عدنا إلى المطار، وقبالة بابه الخارجي نصبت السيدة خيمة كومت فيها كل تلك الأشياء. بلغ فضولي ذروته، فاستأذنتها أن أبقى قليلا معها. وافقت فورا. وما هي إلا لحظات حتى أصبح كل داخل وخارج من والى المطار يمر بتلك الخيمة ويبتاع منها شيئا. كانت السيدة الغامضة في منتهى السعادة، فرحتها أثارت غيرتي فسألتها:

"ما الذي يفرحك هكذا؟"

"ادخلي مبنى المطار وستعرفين لماذا."

كان الكرنفال البشري في الداخل خليطا غير متجانس من كل ألوان الأفراح والأتراح، زغاريد هنا وعويل هناك، أثواب عرس هنا وأثواب سود هناك، هنا من يحتضن صورة ويبكي، وهناك من يمزق أخرى ويضحك. هنا من يقبل خارطة ويبكي، وهناك من يدوس أخرى ويضحك، هناك ألعاب نارية وهنا عيارات نارية، هناك وهنا، هنا وهناك، والأيادي ما زالت تتصافح، وحقائب السفر تزاحم الأجساد.

خرجت وأنا أشعر بفزع شديد. وعند خيمة المرأة المجهولة كان الناس ما زالوا يتوافدون ويشترون أي شيء وكل شيء. اقتربت هي مني، احتضنتني وقبلتني وهي تقول:

"أشكرك يا عزيزتي. أحس الآن أنني أفعل شيئا."

لا أدري لماذا استفزني انتصارها، ولا أدري أي شيطان عربد في داخلي لأسألها:

"ولكن يا سيدتي، هلا أخبرتني ماذا يجب أن يشتري الإنسان ليساعده في إظهار انفعالاته حين يدرك أنه ودع نفسه وربما إلى الأبد؟"

علا وجهها وجوم غريب وحيرة غبية. فجأة تهاوت إلى الأرض وهي تخفي وجهها بيديها وتغوص في نوبة مخيفة من البكاء.

جلست إلى جوارها وطوقت عنقها بذراعي ووضعت رأسي فوق كتفها. و... أخيرا انهمرت دموعي.

D 1 أيار (مايو) 2009     A أمل النعيمي     C 0 تعليقات