أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 6: 60-71 » العدد 68: 2012/02 » للانتظار طيف يفرّ من سجن الأحلام والكلمات

وهيبة قوية - تونس

للانتظار طيف يفرّ من سجن الأحلام والكلمات


قالت له بهدوء: "أراك متعبا. أنتَ تحتاج إلى كثير من الرّاحة. يمكنك أن تحصل على قسط منها يكفيك. أمّا أنا فسأنتظرك في مكاني، حيث أنا. سأظلّ أراقبك عن بعد، فيدي قاصرة عن أن تمتدّ لتساعدك. ولكنّ بعضَ اللّحظات المحتملة من عمري تمتدّ إليك، فخذها، هي كلّ ما أقدر عليه. بل هو كلّ عمري قد عرّش في حدائقك ليظلّل نومك ويقظتك، أهبُه لك فخذه ولا تردّني خائبة."

لم يُجبها فتابعت حديثها وقد سرت الحماسة في صوتها: " هل تعلم أنّني عندما أتعب لا يزول تعبي إلاّ بقهوة؟! أشربها في هدوء وأغفو بعدها وإن صحوا. أسترخي وأحلم. أحيانا مفتوحة العينين لأَعْلَمَ يقينًا أنّ الصّور من الخيال، حتّى أدمنت الخيال كما أدمنت القهوة.

لا تدمن لا هذه ولا ذاك، ولكن تمتّع بكليهما. فيهما معا أكون أو في أحدهما، سأحتضن تعبك لترتاح. بعدها استفق نشيطا لنتشارك قهوتنا المسائيّة وظِلَّ قمرٍ ونجومًا تتلألأ لكلّ من يطلب الأنس فلا يجده إلاّ في حلم جميل يمرّ به كما الأطياف،كما السّحر، كما لمسة رقيقة تمسح عن جبين الوحدة وحدتها."

لم تلتفت إلى حيث يجلس، ولا نظرت إليه، ولكنّها كانت تراه، صورته كانت منقوشة رسما لا يمّحي، إنه ثابت في العين متغلغل في شغاف القلب. ترتاح كثيرا عندما ترى هذه الصّورة. إنّها تكاد تلمسها في قرارة نفسها حيث تستحمّ بعطر الرّوح ويرعاها نور العين وتعزف لها نبضات قلبها نشوى. إنّها ترى بها جمال الكون وإبداعه.

واصلت حديثها إليه بهدوء وصوتها يخفت شيئا فشيئا خوف إزعاجه في تعبه: "انظر إلى السّماء كيف تحتفل بمن هم وحيدون، تجمعهم تحت ردائها وتوشّحهم بسنا نورٍ نبعُه نجمةٌ تعاني وحدتَها هناك في البعد، وعندما تبكي تشعّ بنور ترسله إلى الأرض يلمع في عيون المستأنسين فيحتمون به ويظنّونه إشعاعَ أنسٍ في حين لم يكن غير دمعة تسكبها النجمة شلاّلا من نور."

نزلت من عينها دمعة، واختنق صوتها، ولكنّ الأمل كان ينسكب في نبراته: "إنْ لم نستطع أن نكون نجمة فلنكن مع النّجمة ولْنعانق في ضوئها أمواجَ بحر يطلب موجُه أن يلاقي بعضُه بعضا، فتتبع فيه الموجةُ الأخرى في وصال لا ينتهي فيه الطلبُ ويعزّ فيه المطلب، مع ذلك لا تموت أمانيه ويواصل في هدوء أو صخب متابعة لحاق موجه على سطحه."

تنفّستْ عميقا تجمع أجراسَ صوتِها. هَمَست إليه: "هل تسمع هديرَ الموج، وصَمْتَ النّجمةِ البعيدة؟ هل ندخل شرفةَ أحلامنا نستأنس في وحدتنا بتدافع الموجة المسافرة ودمعة النّجمة الوضّاءة؟"

لم يجبها. لم تسمع صوته ولا همسه. ولم تجد حولها إلاّ الفراغ. ضحكت من نفسها مثل كلّ مرّة. إنّها وحدها. تكلّم طيفا من خيالٍ ما فتِئ يسكنها ولا يبرح يستقرّ في كيانها ويَصَّعَّدُ إلى فضائها عندما تشكّله الكلمات.

بسطت يدها تخترق الفضاء وهي تهمس: "هيّا أيّها الطّيف! لا تزعج البعيد المُتعَب. هيّا بنا نستأنس معا في وحدتنا تحت سماء شرفة الانتظار. تعال نعود إلى سجن الأحلام نردّد تراتيل الصّمت وبوح الكلمات! "

= = = = =

اقرأ جزئين آخرين في سلسلة للانتظار

1= للانتظار ألوان وربيع وأحلام

2= للانتظار ذاكرة وحياة

D 25 كانون الثاني (يناير) 2012     A وهيبة قويّة     C 13 تعليقات

6 مشاركة منتدى

  • يبدو انها تعبت من الخيال مما انعكس على طيفها ... أتوق لأرى نهاية هذا الخيال وما الذي سيحل بالطيف؟
    أبدعتِ وانتظر باقي القصة.


  • اومازالت تنتظر وتتخيل؟ خيالها واسع وبالها اوسع ، ام ان الوحدة قد فعلت مفعولها في القلب والعقل؟
    ليت النهاية تكون سعيدة


    • مرحبا بزهرة الجزائر
      عادة عندما نكتب نظنّ أنّنا رسمنا مسار البطل بدقّة ولكنّ البطل أحيانا يأخذ بزمام الأمور ويكتب مساره ويمليه على أحداث ما نكتب... لن أخبرك بالنّهاية الآن، قد تسعدك وقد تستائين. في عالم القصّ نبني عوالم ونهدم أخرى، نناقش قضايا إنسانيّة كلّ على طريقته، وسأترك البطلة تكمل مسيرتها كما أرادتها. وسنلتقي مرّة أخرى لنعرف ما حصل.
      أشكر مرورك على نصوصي زهرة، يسعدني تعليقك دائما.

  • الأخت الفاضلة وهيبة قويّة : أنا أمل النعيمي من الأردن هاوية لكتابة بعض النصوص الأدبية من قصص قصيرة وشعر سبق وأن شاركت بعدة مساهمات بعود الند وانقطعت عنها مدة لظروف استثنائيّة أقول لك كما كنت أقول واكتب في تعقيباتي السابقة انني لست ناقدة محترفة ورأيي يمثلني وحدي و نصّك فيه ابداع لايختلف عليه اثنان ولو شرّفتني بقراءة بعض من نصوصي السابقة ربّما وجدت وجه شبه في بعض كتاباتنا , زمننا لم أعد أحسبه كما يحسبه الاخرون !! كانت لي نظرتك الحالمة ثم دخلت دوّامة حياة تقّلب المواجع حدّ القيء بعدها عرفت ان لافائدة من أحلام يقظة و محاولة تصنيف حلم النوم الى رؤيا وكابوس ... الخ... قد تجدين لي مساهمة مستقبلية قريبا أتمنّى أن أعرف رأيك فيها بكل صراحة فمن الواضح ان لك باع طويل في الكتابة ويشرّفني كذلك لو قبلت صداقتي فمن خلال هذا المنبر الذي اعشق الا وهو (عود الند ) الغرّاء كسبت فضلا عن خبرة صديقات وأصدقاء مازال تواصلنا مستمرّا على الصعيدين الانساني والأدبي , مع جلّ احترامي وتقديري لك.
    ملاحظة: الا توافقيني انّه على صعيد الواقع والحلم ربّما (الانتظار هو سجن لافرار منه ربّما حتى بانتحار ؟)


    • الصديقة أمل النعيمي
      كيف أنسى اسمك أو أنساك مع أنّني لم أجبك عن نصّك، كنت أريد الاتّصال بك على الخاصّ لأجل نصّك "كلاسيكيّات (مكتوب) آي تي" ثمّ كتبت قراءة حوله كنت أريد نشرها. ولم أفعل لأنني أردت موافقتك أوّلا.
      لم أعرف كيف أتّصل بك، والحمد لله أنّي أجدك مرّة أخرى على صفحات هذه المجلّة الّتي جمعتنا من كلّ البلاد.
      عندما نقرأ نصوصا ونحن لا نكتب نجد في بعها أنفسنا، حتّى أنّ البعض يتقمّص دور إحدى الشخصيات ويتأثّر بها أيّما تأثّر. ويقع هذا أيضا لمن يكتب، حينها نسمّيه "التّناصّ" وهو ليس سرقة ولا " تلاصّا" وإنّما هو أشبه بتوارد الخواطر والأفكار ويكون إمّا لأجل المرور بنفس التّجربة أو لأنّ القضيّة إنسانيّة تلمس جيلا أو شريحة من النّاس نكون منهم.
      لم أكن أريد أن أعلن على الملأ من بطلة القصّة، لأنّها ستظلّ دائما بلبوس القصّ وقالبه، ولكنّها ببساطة: أنا. وإن سمَحَت لي هيأة تحرير" عود الندّ" بمواصلة النّشر ستجدين نصوصا أخرى مختلفة وإن أفضى بعضها إلى بعض في تناصّ اقتضته سنّة الكتابة عندي منذ ثلاثين سنة، منذ المراهقة، ومنذ قرأت لبلزاك وفلوبير وبيرل باك وفولتير وحنّا مينا وعبد الرّحمان منيف، ونوال السعداوي، وغادة السمّان.... وأدباء تونس دون تمييز لواحد منهم والمغرب والجزائر باللغة الفرنسيّة للشّرايبي ومولود فرعون و....، أو جوجول والأدب الرّوسيّ أو الأدب اللاتيني والإيطالي والألماني وغيره من الأدب العالمي في لغته أو مترجما. واطلاعي على مدوّ،ة العرب قديما وحديثا بحكم اشتغالي بتدريس الأدب والحضارة واللّغة.
      نصوصي هذه عمرها سنتان، وعندي نصوص جدّ قديمة ولكن إمكاناتي الماديّة لم تسمح لي بالنشر الورقيّ فآثرت إبقاءها قيد سجن الورق.
      ولعود الندّ فضل أيّ فضل في ظهور نصوصٍ لي، أتبعتها بنشر نصوص أخرى على مجلات إلكترونية أخرى بتشجيع من الأصدقاء.
      أطلت عليك عزيزتي أمل، ولكنّي حقّا احتجت إلى الحديث معك ، ولذلك أدعوك (إن كنت تتقنين ذلك) أن تتصلي بي عن طريق البريد الإلكتروني، كما يراسلني بعض أحبّائي من عود الندّ لنتحدّث عن نصّك ولتتواصل صداقتنا خارج النّصوص.

    • الصديقة الانسانة وهيبة قويّة : الآن فقط سنحت لي الفرصة والظروف للرد واعتذر جدا عن التأخير لكنها مقالب الحياة كما تعرفين, أولا يشرّفني جدا التواصل معك وأن تكوني صديقة قلم وانوثة وشياء أخرى , ثانيا لاأدري بسياسة المجلة الجديدة على الصعيد التقني هل يظهر لك بريدي الالكتروني أم لا كما كان الحال في الماضي حيث أنعم الله علي وهذا المنبر الراقي بأصدقاء وصديقات من مختلف الدول العربيّة الشقيقة على أي حال سأكتب لك هنا بريدي الالكتروني فاذا كانت سياسة المجلة الآن تسمح ستقرئينها ويسعدني تواصلك وتبادل الأفكار والحوار وأفهم تماما انه بعيداعن رفقة القلم هناك أمور شديدة الخصوصية والحساسية أتبادلها مع أخوات وأخوة حين توثّقت وشائج الصداقة بيننا قد نتبادلها معا ويشرفني كذلك لو ان لديك متسع من الوقت لقراءة نصوصي الأخرى التي بدأت في الأعداد الثلاثينية الا وهي بالتوالي حسبما أذكر:
      سقوط يوم من الزمن, عيد ميلاد سعيد في يوم لايأتي والخطوة المليون, لعنة الديك الرومي, رذيلة الاعتراف, حدث في خيمة, اللعب في الوقت الضائع, ذو النصفين, مراسم اقالة الضوء الأحمر ثم آخرها كلاسيكيات مكتوب آي تي وأظن ان هناك قواسم مشتركة عديدة بيننا في هذا النص بالذات, بدأت بكتابة نص جديد لم تسعفني ظروفي بارساله في هذا العدد أتمنى على الله أن يرى النور في العدد القادم مع امنياتي لك بالتوفيق في كل مناحي الحياة وأن لاتنتظري من أو مالايستحق الانتظار.

    • إلى أمل:
      مرحبا بك الصّديقة أمل، يسعدني التّواصل معك وقد وصلني بريدك. وستصلك رسالتي.
      وأمّا نصوصك فقد قرأت عددا منها وسجّلت ملاحظاتي ولكن كما قلت إنّ مقالب الحياة أحيانا تحرمنا متعة تسجيل ما نفكّر فيه.
      وشكرا جزيلا لمجلّتنا الجبيبة"عود الندّ" قد وجدت فيها الدّار والإخوة والأصدقاء والأدب والفكر الرّاقيين. دامت متألّقة ودام اجتماعنا فيها وتواصلنا بما يُثري عقولنا ونفوسنا.

  • دعي طيفك في سجن الأحلام ينعم، طيفي مازال هناك، مازال مراهق مشحونه عواطفه، دعيه هناك كي لايكبر، عندها لن تكبري أنت أيضاً، سيظل قلبك فتياً كما هو الآن..
    شكراً لك على نصوصك الجميلة ياعزيزتي
    بانتظار المزيد.


    • العزيزة أشواق،
      في كثير من الأحيان تحيط بنا الأطياف، تكون أطياف حبيبة إلينا، تؤنسنا في لحظات حميمة. ولذلك يصعب أن نتركها تكبر.
      أنا أحافظ على أطيافي كلّها فتيّة، وأحيانا في طفولتها وبراءتها لا خوفا من هرمها وشيخوختها وإنّما واصلا روحيّا بيننا لنلهو مثل الأطفال. أنا أخاف أن تكبر الطّفلة داخلي أو تغيب عنّي أطيافي الجميلة.
      يسعدني أنّك تتابعين ما أكتب. الانتظار له جزءان آخران. وستنتظرين معي قليلا بعد قبل نشرهما.
      أجمل تحيّة لك أشواق

  • ما زال الانتظار شجنك الدائم (في نصوصك) الرائعة المميزة يا سيدتي ... ما أصعب الانتظار وخاصة إذا كان دون أمل ... إنه أشبه بالجنون بالهذيان... الانتظار وعد... ونادراً ما يصدق!


    • أستاذنا الفاضل موسى
      الانتظار محاولة منّي للاختبار الصّبر فيّ، وجاءت نصوص الانتظار متفرّقة وإن كان فيها جامع ومشترك ففيها تتوزّع أفكار جزئيّة منفصلة. كلّ حكاية لها بعدها النفسيّ خاصّة وحميميّة مع ذاكرة منتقاة. وفي كلّ نصّ أبحث مع بطلته عن غاية وهي أن لا نفقد الأمل ونحن في قلب اليأس. الانتظار مرير جدّا ولكن تلوينه وإقامة احتفالات مع أطيافه وتنظيم الفوضى في فضائه يجعلنا نسعد ولو قليلا.
      السرّ في قبول الانتظار أنّني أستمتع بما تفعله البطلة وأظنّها تستأنس بوجودي معها مثل أطيافها فأتعلّم منها قبول الانتظار وتتعلّم منّي الاستمتاع بلحظات متاحة للأمل والسّعادة وإن كانت وهما.
      أشكر مرورك أستاذ موسى ويسعدني رأيك.
      أرقى تحيّة

  • الانتظار دعوة للحكي .. هل هذا يعني أن الأنثى هي دوما حكاءة ؟ هي وحدها من تنسج قوة السرد كأني في دواخلها كائنات تعج بالكلام. الأنثى كائن في صيعة الكائنات والكينونة . هنا رأيت رياح القول هادرة ؛ ورأيت طاقات من القوة الكلامية لا تكون لها كأنها وحدها أميرة الكلام. ورأيت كيف يكون الفراغ مزرعة الحنين وقسوة الصمت . في هذا النص محاورة و التفاف على الصمت . المرأة ضد الصمت كما الطبيعة ضد الفراغ. كأن العمر يقاس بكم حديقة للكلام صنعنا ؟ وكم خراب للصمت أعدنا تشييده .. ؟ دام إنتظارك مولدا للضياء و ضوء البلاغات ..


في العدد نفسه

كلمة العدد 68: الجوائز والتغاضي عن الأخطاء الفادحة

عن مبدعة الغلاف

قراءة في تجربة الانتقال السياسي التونسي

منظور النّقد عند عبد الملك مرتاض

تجربة كريمة ثابت الشعرية