صفاء صيد - الجزائر

سطور من أجلها


تدخل تلك الصّحفية العشرينية مكتبي ثانية ولكن ليس بالوجه الذي خرجت به. أقترب منها أسألها عن سبب حزنها فتجيبني بصوت باك: "لا شيء."

أعدت طرح السّؤال عليها فأجابت: "كلّ ما في الأمر أني متعبة."

ابتسمـتُ وأنا أعلم أنّ ذاك ليس السّبب الحقيقي ليرتجف جسدها بتلك الطّريقة وتبكي كأمّ فقدت صغيرها.

لم يكن يهمّني أن أعرف ما بها بقدر ما كان يهمّني أن أرى الدّمع يجفُّ، فمن أكره اللحظات عندي أن أرى امرأة تبكي. ربّما لأني أخاف من ذاك الموقف. فكم من امرأة بكت فحطّمت بيوتا! وكم من امرأة بكت فأدخلت كثيرين سجونا! وكم...! وكم..!

اليوم أشاطر زميلي خالد عندما قال لي ذات شتاء بارد:

"صعب جدا أن تتعامل مع امرأة باكية. أحيانا تكون منافقة، وأحيانا أخرى تكون صادقة، وافهم أنت مع من تتعامل."

أقول لها: "صغيرتي، بإمكانك الذهاب إلى المنزل."

زاد بكاؤها: "إطلاقا لن أذهب. يجب أن أعمل بجد فالأمر ليس سهلا."

لم أعرف لماذا كانت تلك ردّة فعلها. ألم تقل إنها متعبة؟ لماذا ازدادت أجنحتها انكسارا عندما طلبت منها أن ترتاح؟ أهو دلال بنات، أم جرح يختفي وراء الخيبات؟ أتراها تريد أن تثبت أنها تستحق منصبا في الجريدة، أم تراها تهرب تحت غطاء العمل من فوضى منزليّة؟

تقف بعد شيء من الصّمت وتقول لي: "سأذهب إلى المنزل، حقا أنا آسفة."

وقفت أنا أيضا: "هذا ما أخبرتك به منذ قليل. أنت تبدين جد متعبة يا صغيرتي."

ابتسمت بثقل: "لست متعبة، كلّ ما في الأمر أني ..."

انتظرتها أن تكمل كلامها لكنها لم تفعل. احمرّ وجهها واتجهت مسرعة نحو الباب دون أن تبادلني بنظرة.

تركتني أسأل نفسي، ولم يكن من عادتي أن انشغل بقضايا النّساء خاصّة البكاء، لماذا تبكين يا فتاة؟ أتخافين عاصفة ستهبّ عليك أم تتألّمين لما خلّفته تلك العاصفة؟ أجـيـبـيـني يا سلمى فأنا أكره أن أرى بنت الرّبيع ملتفّة بالأحزان. أتخافين يا زهرة الجزائر من قدوم الخريف؟ أرجوك ألاّ تخافي، فكلّنا صفعنا وكلّنا عانينا ولكن في الأخير لم يمت منا إلاّ الضّعاف. أجـيـبـيـني يا ابنتي فأنا أكره أن تكثر في دفتري علامات الاستفهام."

.../ .../2010

* * *

تدخل اليوم مكتبي بلباس راق أحسن من كلّ الألبسة الرّديئة التي كانت ترتديها سابقا. تتجه مباشرة نحو كتاب قد وضع مسبقا على أحد رفوف المكتبة. أقول لها مبتسما: "لا سلام لا كلام."

ابتسمت وقالت: "عفوا لم أنتبه لوجودك. أعتذر."

"لم تنتبه لوجودي؟ أهذا استهزاء منها أم مزاح؟" أسألها: "سأظل أتساءل في أي عالم غرقت حتى لا تنتبهي لوجود رجل كان بالأمس أستاذك واليوم هو مدير عملك؟"

جلست دون دعوة للجلوس: "نعم ستظل تتساءل مثلما سيظلّ كثيرون يتساءلون عمّا إذا كانت أي حرب في العالم هي حرب حدود أم حرب ثقافة."

تعجبتُ لطريقة كلامها. أهي سلمى التي تتلمذت على يدي أم سلمى أخرى رماها القدر في مكتبي؟

قلت لها: "ليس من عادتك أن تدخلي التاريخ والسياسة في كلامك."

بملامح أخرى لست أدري كيف أصفها. تقول لي: "من اليوم فصاعدا تعوّد على سماعي أدخل القيم والعادات والتقاليد وكل ما أريد في كلامي. أنا حرّة ولا أظنّ أنّ هناك من سيقيّدني في طريقة كلامي."

تضيف بعد شيء من الصّمت: "هذه الأرض لم تعد تريد أن يعيش عليها البشر وربّما نحن من عوّدناها على ذلك."

سألتها عن المقصود بقولها فأجابت: "لا يهم، كلمات كانت على حافة لساني فنطقت بها."

أقول لها: "ابنتي، ولكنك منذ أيام قلت أن على أي إنسان استيعاب ما يقول وإلاّ كان متناقضا."

تبتسم: "نعم، أذكر أني قلت ذلك. وأذكر أنّه منذ أيام هطل المطر بغزارة ونحن في فصل الصّيف. هذه الأرض التي أفقدتنا الاتزان تريد تعليمنا التناقض."

"ما بك؟"

تحاول أن تمنع دمعها من الولوج للحياة: "أستاذ أنا أحترمك ولا أريد أن أكون سبب غرقك في عالم الأسئلة. لذا رجاء لا تشغل نفسك بي."

قالت إنّها تكره المتناقضين وهي منهم. تكره التمثيليات وهي أكبر ممثّلة على مسرح الواقع. أين تريد أن تصل البنت بكلامها؟ أتريد أن تحرّض القدر على قبض روحها لتموت بطريقة عادية هربا من مشكل يطاردها أم أنّها فقط تتلذّذ بـ "حرب الكلمات"؟

"حرب الكلمات"، ذاك المقال الذي كتبته في أحد أعمدة الجريدة فنال الإعجاب والإكبار.

أسألها عن سبب شرائها لباسا جديدا فتضحك وتجيب: "المظاهر أصبحت أهمّ شيء للتعامل مع الناس."

أضافت لقائمتي سؤالا آخر: "هل سبب بكائها يعود لموقف احتقار تعرّضت له؟"

.../ .../2010

* * *

اللّيلة وأنا راجع إلى البيت صادفني شاب يجلس جلسة العلامة عبد الحميد بن باديس في تلك الصّورة المشهورة التي طالما أعدنا رسمها على أوراقنا وأضفنا أمامها شمعة وكتابا. يحدث ذلك مع اقتراب عيد العلم في السادس عشر من شهر أفريل كلّ سنة. ذاك التاريخ الذي أسدل السّتار عن حياة رجل وهب للجزائر ثقافة كانت أن تندثر لولاه وغيره من مجاهدي القلم. وليس عجيبا أن نقول ذلك، فمحاربو السّلاح مهمّتهم الحفاظ على الحدود بينما الآخرون فقد ذكرت مهمّتهم.

JPEG - 11.2 كيلوبايت
عبد الحميد بن باديس

كانت ثورتنا عظيمة جدا ومن كلّ النواحي. لست أدري لماذا أتحدّث عن هذا الآن ولكني جد ممتن لأولئك الأبطال الذين كان أبي أحدهم.

اقتربتُ من ذاك الشاب: "صغيري، هل تحتاج لشيء؟"

رفع رأسه بحيث يراني: "لا شيء يا عم. كل ما في الأمر أني أفكّر."

أسأله: "هل بإمكاني أن أعرف ما بك؟"

يجيبني بابتسامة: "هل لنا أن نفكر في شيء آخر غير الدّراسة؟ كل همي أن أدخل البهجة في قلب أمي الأرملة."

مسحت يدي على شعره وقلت له: "ستنجح بإذن الله."

وأكملت طريقي حتى وجدتُ شابا آخر ولكن أكبر من السّابق. سألته: "الآخر يفكّر في الدّراسة وأنت في ماذا تفكّر؟"

ضحك: "غدا أوّل يوم لي في العمل كمدرّس. إنّها أكبر مسؤولية أتلقّاها يا عم."

ضممته إلى حضني. ليس هو، بل ضممت شبابي الذي أشتاق إليه وانصرفت.

رأيتُ شابا آخر في أحد زوايا الطّريق يبخّر الهواء بدخان سيجارته ويقول لصديقه: "في أي مقهى نلتقي غدا؟"

عجبت لهذه الدّنيا. لأولئك الشباب وطن واحد وهم من جيل واحد وكلّ شيء بينهم موحّد. لماذا لم يكونوا بعقل واحد؟

أتّصل بسلمى فأخبرها عن ذلك. تجيبني: "ولكن ليس لهم ظرف واحد وتربية واحدة وأب واحد."

ثمّ تغلق الخط.

===

آه! أين أنت يا علاّمة الجسور المعلقة؟ تعال لتقرأ على مسمعنا

يا نشء أنت رجاؤنا = = وبك الصّباح قد اقترب

ولتخبرنا أكتبت هذه الكلمات في جيل الثّورة أم في جيل الاستقلال؟ أم في كليهما؟ أعلمت يوما عن صدفة بما ستفعله الأيام بأولادنا في دنيا التناقضات فأورثتهم هذه الكلمات ليستقطروا منها الأمل؟

أكتبت هذه الكلمات في غفلة من القدر لتغتال المتشائمين بشباب ترى الأمّة مستقبلها من عينه؟ أجبني سيدي هل سيحمل هذا الجيل الراية لجيل بعده أم أنها عنده ستحترق؟

.../ .../2010

* * *

كانت تعلم أنّي من ضمن المجموعة المكلّفة بملف المعلّم الذي ستطرحه الجريدة بعد يومين. دخلت مكتبي.

"اليوم أنا في إجازة."

سألتها: "لم أنت هنا إذن؟"

أجابتني: "كل ما في الأمر أني أريد قراءة مقالك ولأعلمك أنّ المقال الذي كتبته فضيلة رائع جدا، إنّها بحق محترفة."

دست على سيجارتي: "لا تتشوّقي فأظنني سأنسحب."

"لماذا؟"

أجيبها: "أملك كلّ الكلمات ولا أستطيع صياغة مقال مناسب."

ابتسمت: "عجبا، الأديب الكبير الذي أفنى عمره في خدمة الصّحافة يعجز عن كتابة مقال."

أقف من مكاني: "أنا لا أريد أن أكتب أي مقال. المعلّم يعني لي الكثير وأنا أريد إهداءه شيئا بسيطا مما أملك."

جلست وأشارت إليّ أن أجلس ثمّ قالت: "عليك أن تتحكّم في كائناتك الحبرية بطريقة ذكية. ما رأيك أن أساعدك؟"

أقول لها: "ليس الأمر سهلا كما تتوقعين يا صغيرتي. لماذا قد تضعين نفسك في هذا الموقف؟"

أجابت: "لن يكون ذلك أصعب من ترك موضوع قيّم كهذا حبيس العقل والورق. نحن بذلك نرتكب جريمة في حقّ مهنتنا وقرّاء جريدتنا. نحن هنا لنتعب من أجل الدّفاع عن الصّواب وكشف الحقائق للرأي العام، نحن هنا لخدمة المواطن قبل كل شيء."

بدا على وجهها الملل: "رجاء، أنا هنا صحفية مبتدئة ولا أظنني سأعلّمك مبادئ عملك."

كنت مثلها لا أريد أن أفوت فرصة المشاركة بمقال في ملف مهمّ كهذا. قلت لها: "ستساعدينني. أنا أعطيك الأفكار وأنت تصوغين المقال."

"أوافق."

أملي عليها كلّ ما يجول بخاطري فتكتب دون نقاش. ظننت لوهلة أنّها بكماء أو ربّما من ذاك النّوع البشري الذي إذا كثر حياؤه جبُن فضاع بذلك حقّه وهذا ما لا يجب أن يتوفّر في بنت تطمح أن تكون مشهورة على الصّعيد الوطني والعربي. لم لا العالمي، تماما مثل الصّحفية الأميركية هيلين توماس؟

قطعتْ هذا الظن بوقوفها.

أسألها: "إلى أين؟"

تجيبني: "يجب علينا أوّلا التأكد من مصداقية ما نكتب فمن غير المعقول أن نكتب أشياء تعتمد على العاطفة ومعلومات سطحية عن مجال ما. هذه ليست رواية إنّما حقائق."

ثمّ انصرفت تسأل الصحافيين تارة وتتصفّح صفحات الإنترنت تارة أخرى. وكان من بين أكثر ما تفعله أن تدخل إلى مكتبي في السّاعة قرابة خمس مرّات بكتاب جديد ومعلومة قيّمة ترشّحها لأن تنال لقب أحسن صحفية.

جلست بعد وقت قليل: "أجد أنّك قدّست المعلّم في مقالك."

"طبعا. أنا أحبّ هذا العامل."

تقول لي: "لا مجال للعاطفة. المعلّم بالرّغم أهمية منصبه وما يقدّمه لنا إلاّ أنه يحتوي عيوبا كثرت في أساتذة اليوم خاصّة، وأنت بتعظيمك له تجعل القارئ يعيش بين كذب السطور وصدمة الواقع."

"مخطئة."

تتعصّب: "إنّه من الغباء أن نصدّق بوجود شخص دون عيوب، والأغبى من ذلك أن نخلّد حماقة كهذه في جريدة. نحن هنا، كما سبق أن قلت، لتنوير الرأي العام وليس تضليله. شخصيا تتلمذت على يدي أستاذة لا يفارق الهاتف النقّال يديها، وحتى أدوات التجميل تضعها على المكتب للتزيّن. وعندما تسمع بمجيء المفتش أو المدير تصبح شخصا آخر."

ضحكتُ: "وماذا كنتم تفعلون؟"

تجيبني: "كان يجب أن نسكت خوفا من تهديدنا بالعلامات أو افتعال المشاكل. هل ستغير رأيك؟"

لا أجيبها دليلا على موافقتي.

قالت: "صادفني في أحد الكتب أنّ ارنست دمنيه (Ernest Dimnet) قال: "السّلوك الاجتماعي متأصّل حتى لا يستطيع أن يفلت منه إلاّ العبقري."

"ما علاقة هذا بحديثنا؟"

تبتسم، لست أدري أإشفاقا عليَّ أم سخرية:

"أشياء كثيرة كسبناها من مجتمعنا لم نستطع التخلّص منها إلاّ على يد المعلّم فأصبحنا بذلك في رأي دمنيه عباقرة والسّؤال: من جعلنا عباقرة؟"

أجيبها: "في هذا الموقف يكون المعلّم من جعلنا عباقرة. واصلي."

"ارنست دمنيه (Ernest Dimnet) قال في حديث آخر: "لا جدوى من التّربية إذا لم تكن هي الإبداع المنهجي لعادة التفكير"، والإبداع المنهجي لعادة التفكير يخلقها المعلّم في تلميذه من خلال كلمات هامشية في وقت ينتهي الدّرس باكرا وحتى في تصرّفاته فهو قدوة."

تسكتُ، تنتظرني أن أتكلّم فتحرجني بذلك.

"سلمى، أظنني قرأت كلمات لهذا الشخص عرّفيني به."

أخذتْ نفسا عميقا: "لا يهم أن تعرف من يكون، المهم أن تعرف ماذا قال، وهل يمكن الاستفادة منه أم لا. هذا إن لم يكن لديك وقت فراغ لقراءة السّير والتّراجم."

لم أكن أحبّ هذه الكلمات العشوائية ولم أكن أيضا أريد أن أقول لها كلمة تجرح مشاعرها. حاولت التّحكم في نفسي وتحمّل كلماتها المستفزّة الأخرى لكني لم أستطع. قلتُ لها في لحظة غضب:

"أكرهك يا فتاة."

خُيّل إلي أنها ستغضب أو تبكي. تصفعني ثمّ تخرج. لكنها كانت ككلماتها قاتلة وعدوانية كحركاتها. بضحكة ساخرة قالت: "إذا حبـيـتـني ما بـنـيـتلي قصر، وإذا كرهتني ما حـفـرتلي قبر."

لم أكن أريد أن أتورّط معها في حرب كلامية أعلم أني خاسر فيها مسبقا. فمن الصّعب جدا أن تدخل نقاشا مع بنت توظّف ثقافتها في التّلاعب بالكلمات كيفما شاءت. فقط لتسكتك وتثير جنونك.

أسألها: "ما حقّ المعلّم على التّلميذ؟"

جالت برأسها أنحاء القاعة ثمّ قالت: "لست أتذكر جيّدا من قال هذا لكني أظنه جابر بن حيان، قال: ‘فأمّا ما يجب للأستاذ على التلميذ فأن يكون التلميذ لينا قبولا لجميع أقواله’..."

أقاطعها: "ما حق التلميذ على الأستاذ؟"

أجابت: "يقول ابن حيان: ‘أما ما يجب للتلميذ على الأستاذ، فهو أن يمتحن جوهر المتعلّم الذي طُبع عليه’."

أحاول تعجيزها: "وما الخطأ الذي قد يرتكبه المعلّم في حق تلميذه؟"

تجيب: "الغفلة، ففي ذات السّياق يقول بن حيان: "الأستاذ الذي يغفل عن تلميذه يكون خائن، والخائن لا يؤتمن. ومن لا يؤتمن لا يؤخذ عنه علم، لأن العالم لا يكون إلاّ صادقا"."

هل كتب ابن حيان كلّ ذلك لها في رسالة ليجعلني أنهزم أمام طالبتي؟ آه! أشكّ في أن أكون أستاذها. نعم، ربّما أنا تلميذها.

* * *

ساعدتني في كتابة المقال وتفننت في جعل نار غيرتي تذكو أكثر فأكثر.

قلتُ لها عندما كانت تهم بالخروج: "أظنك ستأخذين مني لقب أحسن صحفي."

ردت مازحة: "لي يفوتو زمانو ما يطمع في زمان غيرو. نسيت أن أخبرك."

"ماذا؟"

"المقال الذي أخبرتك أني متردّدة في نشره أعطيته للمدير ووافق على جعله في الصّفحة الأخيرة من الجريدة."

ثم انصرفت.

من المحزن جدا أن تحسّ بأنك غبي أمام شباب ثائر نتردّد نحن جيل الستينات في منحه العلامة الكاملة في مجال الإرادة.

.../ .../2010

* * *

سلّطوا عليها رقابة بتهمة القذف وأمروني بمتابعتها في عملها لكيلا ترتكب حماقات من جديد. ولم يسبق لهذا أن حدث في حياتي كأديب أحرق عشرين سنة من عمره في مهنة المتاعب.

لم أسعد بالمهمة التي كلّفت بها فلا أظنّني خُلقت لترويض الأسود. تدخل مكتبي مبتسمة كأنّ شيئا لم يكن وتجلس دون أن أدعوها للجلوس:

"أستاذ، لقد حضّرت مقالا وطلبوا مني أن أعرضه عليك أوّلا."

قلت لها قبل أن أستلم الورقة: "أتمنى ألا تكوني قد ارتكبت حماقة أخرى."

ضحكتْ: "لا يهم، الصّحافة مجازفة."

أخذتُ منها الورقة وقلبي يمنعني أن أقرأ، ربّما لأنّه يخاف أن تكون هناك كلمات مفخّخة يجب أن يكتشفها، وإن لم يفعل عوقب بتهمة دعم صحفية مبتدئة تحاول التّمرّد على قوانين الجريدة. أكملتُ القراءة. نظرتُ إليها:

"الحمد لله أنّك لم تتجاوزي الحدود."

قالت: "لست أدري لماذا سلّطوا عليَّ رقابة."

أجبتها: "احمدي ربّك أنّهم لم يطردوك من مهنتك."

وقفتْ من مكانها: "كنتُ أفضّل ذلك على هذا السّجن. أتعرف؟ طلبت منهم أن يطردوني لكنهم رفضوا، أيّ منطق هذا؟"

تعجّبتُ لموقفها هذا، في وقت نبحث فيه رجالا ونساء عن مهنة تكفينا حاجتنا وحاجة أولادنا تبحث هذه الشّابة المتهوّرة عم كيف تتخلّص من عملها في جريدة فتحت لها أحضانها وأعطتها الأولوية في التّشغيل رغم أنّ البقيّة يحتاجون لخبرة خمس سنوات للانضمام لهذه الأسرة الإعلامية. أسألها:

"لماذا تريدين الفرار من جريدة كانت الحضن الدافئ الذي يأويك؟"

أجابتني بغضب: "تبّا لحضن يعلّمنا الصّمت. صدّقني أنا أكره أن يفرض عليَّ أحدهم رأيه خاصة ذاك المدير الذي لا يفقه شيئا غير ربح الشّهرة عن كسل. ذاك المتخلّف نسب جل مقالاتي إليه وعندما كتبت ما لا يروق له سلّط عليّ رقابة."

دخل المدير دون استئذان وبدا على وجهه الغضب، كيف لا وهي تصفه في لحظة غضب بالمتخلّف.

أمر جميع الصّحفيين بالاجتماع في مكتبي. سألته سلمى: "لماذا؟"

لم تكن الشابة تعلم أنّه سمعها عندما كانت تتكلّم عنه. أجابها: "لأؤدبك أمامهم."

نظرتْ إلي: "هل سمعني عندما كنت أتكلّم؟"

أجبتُها: "ربّما، أقصد نعم."

احمرّ وجهها، ظننت أنّها ستتوسل أن يسامحها. لكن عندما دخل الصّحفيون ونظّموا أنفسهم قالت: "تفضّل سيّدي، ها قد اجتمع الصّحفيون."

قال لها: "ليكن في علم الجميع أني هنا صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، أي أنني شبه مالك لهذه الجريدة…"

قاطعته: "الذي يكون صاحب الكلمة الأولى والأخيرة يكون مسؤولا عما ينشر في الجريدة ولا يفرض رقابة لكسب ابتسامة من سيّده رغم أنّه وافق على النّشر في البداية."

ضحك ساخرا وتبعه بعض الصّحافيين الجائعين وقال: "هل ستعلّمينني عملي؟ اعلمي أنّك دخلت هذه الجريدة رغما عني وإلاّ كنتُ طردتك قبل يومك هذا."

بادلته الضّحكة: "تفاهة، ليس لدي وقت لأشياء كهذه."

ثمّ اتجهت نحو الباب، أمسكَ ذراعها: "عندما أتكلّم يجب أن تسمعي."

أبعدت يده عنها أمام الجميع: "صحيح أنّي مجهولة هويّة ولكني لستُ مجهولة الانتماء مثلك، فلا أحد يعلم إن كنتَ بشرا أم حيوانا أو شخصا آخر. اعلم أني أفضل منك، يكفي فقط أنّ لي كرامة. الكرامة التي لا تملكها أنت."

أكملت طريقها وقبل أن تخرج قالت له: "نقطة على السّطر، إهاناتك لي لن تتواصل."

"نقطة على السّطر"، ومشهد انهزام صاحب الكتف الكبير أمام العشرينية أمر يعجبني. أتلذّذ بطعم تحطّم العمالقة الظالمين. إنّه ظالم ولا يختلف اثنان في ذلك. كان يهينها لأنّها مجهولة هويّة ويتفنن في نعتها بأقبح الصفات لأنّها ترتدي رديء اللّباس ويأمرها غالبا بنسب مقالاتها الرّائعة إليه. وكانت تفعل ذلك لأن لا سبيل للرّفض أو الجدال خاصّة أنّ ظروفها الاجتماعية أقسى من أن تعلّمها المواجهة. كان ذلك ما عرفته منها بعد نهاية المسرحية التي كانت بطلتها والتي فضّلت أن تعنونها بـ "صاحب البطن الكبير." لكن ما الذي تغيّر؟ هل ملّت المسكينة الذّل وآن وقتها لتنتفض؟ اليوم وقد جعلتنا نشهد انقضاء حقبة من الصّمت تكلّمت فجعلته يتوسّلها أن تعود إلى المكتب وكأن شيئا لم يكن.

دخلت في المساء مكتبي: "لن أواصل العمل هنا."

"لماذا؟"

تجيبني: "مللت."

"سلمى أنا أريد أن أسألك شيئا."

ابتسمت: "تفضّل. لا مانع لدي."

"هل أنت حقا مجهولة هوية؟"

طأطأت رأسها: "نعم، ولكن هذا لن يمنعني من تكملة المشوار."

"سؤال آخر. لماذا قال المدير أنّه يتحملك رغما عنه؟"

ابتسمت: "لأني أعلم واقع نشأته وكلّ شيء عن أسرته، ثم إني تخرّجت من الجامعة بمعدّل عال جعل صاحب الجريدة يستنجد بخدماتي."

قلت لها متأسّفا: "ولكنه اليوم يفقدك."

"سيأتيه غيري من خيرة الصّحفيين، أنا لم أعد أتحمّل. يكفي فقط المشاكل التي ستواجهني بسبب واقع نشأتي."

===

قلت لها في لحظة جنون ولّدته الشّفقة والخوف من المصير الذي ينتظرها: "أعرض عليك أبوّتي يا صغيرتي، ستكونين أنت وأحلام شقيقتين. عندها لن يهزئ بك أحد."

ابتسمت: "شكرا، لكن أظن أنّ القلب قد جمد وليس بإمكان براكين الشّفقة أن تذيبه. الحياة تحدّ، ثم إنّ هذه المشاكل ليست نهاية العالم. أبي، أشكرك جزيل الشّكر على كلّ شيء."

"لكن ..."

"من دون لكن، أنا سأرحل ولتضع نقطة على السّطر. لا وجود لفتاة اسمها سلمى."

===

ابنة دخلت حياتي فجأة وخرجت منها فجأة. وبذات الفجأة نادتني أبي وغابت لتغيب معها أخبارها ولأخلّد براءتها في أوراق كأبسط شيء أقدّمه لمسكينة تحترق بسبب ذنب لم ترتكبه.

ارتاحي صغيرتي. أنا الآن أضع نقطة على السّطر، وأضيف إليها من عندي دمعة على الورق لأقول لك: "لا تخافي من أمم لا تجيد سوى الكلام."

.../ .../2010
::

D 1 آب (أغسطس) 2010     A صفاء صيد     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  دعوة لكاتبات وكتاب عود الند

2.  مواعيد للعدد القادم، 58

3.  وكأنهم على موعد لا يؤجل

4.  اصمتوا، ودعوا الطيور تغني: إعادة تعريف بكتاب قول يا طير

5.  ولفي يا مسافر


القائمة البريدية