أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 5: 48-59 » العدد 53: 2010/11 » الأدب في السجون الأميركية

رشيد فيلالي - الجزائر

الأدب في السجون الأميركية


رشيد فيلاليمنذ تسع عشرة سنة، لجأت إدارة بعض السجون على مستوى ولاية ماساشوستس بالولايات المتحدة الأمريكية إلى تطبيق برنامج عمل فريد من نوعه، أثبت نجاعته وبدأ يعطي ثماره الطيبة في الآونة الأخيرة، إلى درجة أن فكرته العامة تم تعميمها على ولايات أخرى، بمن فيها تلك التي تشتهر بارتفاع نسبة الجريمة إلى الحدود الحمراء والمقلقة.

ويتمثل البرنامج المذكــور الـــذي يطلق عليه تغيــير الحياة بواسطة الأدب (changing lives through literature) في إجبار نزلاء السجون الذين تورطوا في قضايا مختلفة معادية للقانون ومخلة باستقرار المجتمع وسلامته على قراءة ستة كتب في اثني عشر أسبوعا، وبعدها مناقشة محتويات ومضامين هذه الكتب التي أغلبها روايات أمريكية من تأليف أسماء شهيرة على غرار ستينبيك، وهيمينغواي، وجاك لندن وغيرهم.

وقد بدأت هذه التجربة الطريفة في الحقيقة منذ تسع عشرة سنة وذلك على إثر فكرة انبثقت أول مرة في أحد الأيام من سنة 1991 خلال مباراة في لعبة تنس جمعت ما بين أستاذ في الأدب من جامعة ماساشوستس وصديق له يعمل قاضيا، وفي أعقاب المباراة دخل الرجلان في نقاش اعترف أثناءه القاضي بإحباطه حيال قطاع العدالة الذي يدور ضمن دوامة لها أول وليس لها آخر، حيث تعيد امتثال نفس الزبائن ممن يكررون ذات الخطايا والحماقات القاتلة، وقبل أن يتمم القاضي جملته بادره الأستاذ بالقول "وماذا لو جربنا الكتب؟"

هذا الأستاذ الذي يدعى روبيرت ماكسلر (Robert Maxler) راح مباشرة يشرح فكرته باهتمام شديد: "لنضع ثمانية أو عشرة مساجين حول طاولة ثم نمنحهم كتبا للقراءة، بعدها نتناقش معهم، وعلينا أن نختار في البداية أكثرهم عنادا وفظاظة وقسوة."

ثم باشر الطرفان تجسيد الفكرة وبالاستعانة بمستشار خاص بإعادة إدماج المساجين في المجتمع يدعى واين سانت بيير (Wayne St. Pierre) الذي صرح يومها بالقول:

"كان رد فعلي هو الاندهاش، إذ ما الذي ستقدمه الكتب لعتاة المجرمين والقتلة؟" ثم أردفت قائلا: "إن ما فعلناه سابقا لم يأت بنتيجة فلماذا لا نجرب؟"

بعدها جاءت مرحلة التنفيذ، حيث أنشأ القاضي المشرف على تطبيق هذه العملية مجموعة من ثمانية مساجين كلهم من الرجال، وقد جرى اختيارهم بعناية وهم متورطون في 142 قضية إجرامية.

المهم أن كل واحد من هؤلاء المجرمين ملفه لا يقل صفحاته عن عشر صفحات، كما أنه أمضى جل سنوات عمره خلف القضبان وتم التعامل معه بشتى الطرق لردعه دون فائدة.

كان الاجتماع الأول لخوض التجربة صعبا للغاية، حيث ألح روبيرت ماكسلر على أن تكون الاجتماعات داخل حرم جامعة دارتموث (Dartmouth)، وكان رد فعل بعض الأساتذة آنذاك فيه الكثير من الترفع والخشية والتساؤل حول ما قد يحدثه وجود مجرمين بالجامعة. لكن بعد انقضاء تسع عشرة سنة صار اليوم في سنة 2010 لا أحد يأبه أو ينتبه لوجودهم أصلا.

لكن السؤال الذي يلح طرحه في هذا الصدد هو ما سر نجاح هذه التجربة غير المسبوقة من قبل والتي تعتبر مغامرة حقيقية بكل المقاييس؟ الجواب ببساطة يكمن في طبيعة محفزات هذه الشروط، حيث أن كل من يتوصل إلى قراءة ستة كتب وإثبات استيعابه لمحتوياتها عبر المناقشة طبعا فإنه سيستفيد من عدة إجراءات تخفيفية تصل إلى حد منح دبلوم رسمي له والإعفاء من السجن التنفيذي أو الخروج منه قبل المدة المحددة وحتى إعادة النظر في العقوبة المسلطة عليه. طبعا يتم كل ذلك حسب البرنامج الذي يراه القاضي على ضوء درجة التزام السجين بتطبيق الشروط سالفة الذكر، مع الإشارة إلى كونها شروطا إجبارية وليست اختيارية.

المهم أن التجربة مضت قدما وقد اعترف عدد من الذين خاضوها بأن بداياتها كانت شبه متعذرة ومستحيلة التطبيق، حيث تلكأوا في إرسال الخطوات الأولى ممثلة في مطالعة أول كتاب وهم الذين توقفوا عن الدراسة منذ سنوات عديدة، لكن بعد انقضاء مدة من الزمن أضحى الجميع من ضمن القراء النهمين الذين يطالعون بشراهة متناهية إلى درجة أن عادة القراءة أصبحت في حياتهم أشبه بالخبز اليومي.

لقد اعترف جميع من كان وراء خوض التجربة بعد مضي ثماني عشرة سنة بأنه كان يواري شكوكه وتشاؤمه من فشلها قبل أن يتحمس ويواصل المهمة وكله أمل بعد ذلك في نجاحها. وها هي التجربة تتجسد بكل إيجابياتها غير المتوقعة بتاتا، حيث تراجعت إلى حدود مذهلة نسبة انتكاسة المجرمين المشاركين في العملية. والمثير أيضا أن التجربة استهوت سبع ولايات أمريكية أخرى.

منذ تسع عشرة سنة، لجأت إدارة بعض السجون على مستوى ولاية ماساشوستس بالولايات المتحدة الأمريكية إلى تطبيق برنامج عمل فريد من نوعه، أثبت نجاعته وبدأ يعطي ثماره الطيبة في الآونة الأخيرة، إلى درجة أن فكرته العامة تم تعميمها على ولايات أخرى، بمن فيها تلك التي تشتهر بارتفاع نسبة الجريمة إلى الحدود الحمراء والمقلقة.

ويتمثل البرنامج المذكــور الـــذي يطلق عليه تغيــير الحياة بواسطة الأدب (changing lives through literature) في إجبار نزلاء السجون الذين تورطوا في قضايا مختلفة معادية للقانون ومخلة باستقرار المجتمع وسلامته على قراءة ستة كتب في اثني عشر أسبوعا، وبعدها مناقشة محتويات ومضامين هذه الكتب التي أغلبها روايات أمريكية من تأليف أسماء شهيرة على غرار ستينبيك، وهيمينغواي، وجاك لندن وغيرهم.

وقد بدأت هذه التجربة الطريفة في الحقيقة منذ تسع عشرة سنة وذلك على إثر فكرة انبثقت أول مرة في أحد الأيام من سنة 1991 خلال مباراة في لعبة تنس جمعت ما بين أستاذ في الأدب من جامعة ماساشوستس وصديق له يعمل قاضيا، وفي أعقاب المباراة دخل الرجلان في نقاش اعترف أثناءه القاضي بإحباطه حيال قطاع العدالة الذي يدور ضمن دوامة لها أول وليس لها آخر، حيث تعيد امتثال نفس الزبائن ممن يكررون ذات الخطايا والحماقات القاتلة، وقبل أن يتمم القاضي جملته بادره الأستاذ بالقول "وماذا لو جربنا الكتب؟"

هذا الأستاذ الذي يدعى روبيرت ماكسلر (Robert Maxler) راح مباشرة يشرح فكرته باهتمام شديد: "لنضع ثمانية أو عشرة مساجين حول طاولة ثم نمنحهم كتبا للقراءة، بعدها نتناقش معهم، وعلينا أن نختار في البداية أكثرهم عنادا وفظاظة وقسوة."

ثم باشر الطرفان تجسيد الفكرة وبالاستعانة بمستشار خاص بإعادة إدماج المساجين في المجتمع يدعى واين سانت بيير (Wayne St. Pierre) الذي صرح يومها بالقول:

"كان رد فعلي هو الاندهاش، إذ ما الذي ستقدمه الكتب لعتاة المجرمين والقتلة؟" ثم أردفت قائلا: "إن ما فعلناه سابقا لم يأت بنتيجة فلماذا لا نجرب؟"

بعدها جاءت مرحلة التنفيذ، حيث أنشأ القاضي المشرف على تطبيق هذه العملية مجموعة من ثمانية مساجين كلهم من الرجال، وقد جرى اختيارهم بعناية وهم متورطون في 142 قضية إجرامية.

المهم أن كل واحد من هؤلاء المجرمين ملفه لا يقل صفحاته عن عشر صفحات، كما أنه أمضى جل سنوات عمره خلف القضبان وتم التعامل معه بشتى الطرق لردعه دون فائدة.

كان الاجتماع الأول لخوض التجربة صعبا للغاية، حيث ألح روبيرت ماكسلر على أن تكون الاجتماعات داخل حرم جامعة دارتموث (Dartmouth)، وكان رد فعل بعض الأساتذة آنذاك فيه الكثير من الترفع والخشية والتساؤل حول ما قد يحدثه وجود مجرمين بالجامعة. لكن بعد انقضاء تسع عشرة سنة صار اليوم في سنة 2010 لا أحد يأبه أو ينتبه لوجودهم أصلا.

لكن السؤال الذي يلح طرحه في هذا الصدد هو ما سر نجاح هذه التجربة غير المسبوقة من قبل والتي تعتبر مغامرة حقيقية بكل المقاييس؟ الجواب ببساطة يكمن في طبيعة محفزات هذه الشروط، حيث أن كل من يتوصل إلى قراءة ستة كتب وإثبات استيعابه لمحتوياتها عبر المناقشة طبعا فإنه سيستفيد من عدة إجراءات تخفيفية تصل إلى حد منح دبلوم رسمي له والإعفاء من السجن التنفيذي أو الخروج منه قبل المدة المحددة وحتى إعادة النظر في العقوبة المسلطة عليه. طبعا يتم كل ذلك حسب البرنامج الذي يراه القاضي على ضوء درجة التزام السجين بتطبيق الشروط سالفة الذكر، مع الإشارة إلى كونها شروطا إجبارية وليست اختيارية.

المهم أن التجربة مضت قدما وقد اعترف عدد من الذين خاضوها بأن بداياتها كانت شبه متعذرة ومستحيلة التطبيق، حيث تلكأوا في إرسال الخطوات الأولى ممثلة في مطالعة أول كتاب وهم الذين توقفوا عن الدراسة منذ سنوات عديدة، لكن بعد انقضاء مدة من الزمن أضحى الجميع من ضمن القراء النهمين الذين يطالعون بشراهة متناهية إلى درجة أن عادة القراءة أصبحت في حياتهم أشبه بالخبز اليومي.

لقد اعترف جميع من كان وراء خوض التجربة بعد مضي ثماني عشرة سنة بأنه كان يواري شكوكه وتشاؤمه من فشلها قبل أن يتحمس ويواصل المهمة وكله أمل بعد ذلك في نجاحها. وها هي التجربة تتجسد بكل إيجابياتها غير المتوقعة بتاتا، حيث تراجعت إلى حدود مذهلة نسبة انتكاسة المجرمين المشاركين في العملية. والمثير أيضا أن التجربة استهوت سبع ولايات أمريكية أخرى.

D 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010     A رشيد فيلالي     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  لقاء في المحطة

2.  وأخيرا عادت الطيور المهاجرة

3.  على الشرفة الأخرى

4.  ولفي يا مسافر

5.  لا تـقـتـلــوا نــومــي