أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 5: 48-59 » العدد 57: 2011/03 » عندما يكون المكان بطلا: عمارة يعقوبيان (*)

كُـلـيــزار أنــــور - العراق

عندما يكون المكان بطلا: عمارة يعقوبيان (*)


(*) رواية مؤلفها علاء الأسواني. صدرت طبعتها الرابعة عن مكتبة مدبولي في مصر عام 2003.

.

كليزار أنورلم يكف مؤلف الرواية، علاء الأسواني، إلاّ أن يبحث عن السوس الموجود في المجتمع فاختزله كله في عمارة يعقوبيان التي بناها المليونير الأرمني هاكوب يعقوبيان، وحملت اسمه. كانت من عشرة طوابق فيها خمسون شقة. وعلى سطحها خمسون غرفة حديدية لا تتجاوز مساحتها المترين، بنيت -في البداية- لاستعمالات تخزين المؤونة ومبيت الكلاب لأصحاب الشقق. بناها على الطراز الإيطالي في وسط القاهرة في شارع سليمان باشا، طلعت حرب حاليا.

عمارة يعقوبيان: صورة حياة القاهرة وعلى امتداد أكثر من نصف قرن. الفضاء الروائي يشمل شرائح اجتماعية مختلفة لطبقات المجتمع القاهري، فالعمارة تقع وسط البلد. أول مَن سكنها الأرستقراطيون والأجانب ووزراء وبشوات من كبار الإقطاعيين. وبعد أن قامت الثورة تغير كل شيء. استولى على هذه الشقق الضباط من أصحاب النفوذ في تلك المرحلة. وبعد الستينات سكنها ضباط من رتب مختلفة وزوجات البعض منهم من أصول شعبية. ثم جاء الانفتاح في السبعينات، فهجرها الأثرياء إلى حي المهندسين ومدينة نصر. وانتهى الأمر بنشأة مجتمع جديد فوق السطح مستقل تماما عن بقية العمارة.

علاء الأسوانينتعرف على حكايات سكان العمارة بدءا من أقدمهم وهو زكي بك الدسوقي. والشخصيات المحورية الأخرى التي يتصاعد معها الخط الدرامي ليكشف لنا واقع مصر بأكمله. عالم اجتماعي متناقض ما بين الخير والشر، الغني والفقير، المتعلم والجاهل، الفاسق والمتدين لدرجة التطرف. والأبطال هم:

زكي بك الدسوقي

بطل الرواية الرئيسي والذي تبدأ به الرواية وتنتهي أيضا. من أقدم سكان شارع سليمان باشا. جاء إليه في أواخر أربعينات القرن الماضي بعد عودته من بعثة في فرنسا، ويمثل أحد رموز هذا الشارع. شخصية أنيقة، محبوبة، مرحة. وله حضور مشوق جعلته قريبا من الكل. وهو الابن الأصغر لعبد العال باشا الدسوقي. والده من كبار الأثرياء قبل الثورة، إذ تولى الوزارة أكثر من مرة. وكانوا يملكون أجود الأراضي الزراعية. درس الهندسة في جامعة باريس، وكان يتوقع له أن يلعب دورا سياسيا بارزا، لكن الثورة غيرت الاتجاهات.

يبلغ الخامسة والستين عاما في زمن الرواية. وحياته كلها تتمحور حول كلمة واحدة هي المرأة. عرف الكثيرات. عربيات وأجنبيات، أميرات وسوقيات، وأصبحت له خبرة في التعامل معهن، إلى أن تعمل بثينة عنده. في البداية يعاملها كطفلة يتعاطف مع فقرها ويعطف على أخوتها ويشتري لهم الهدايا، وهذا التعاطف يقوده إلى الحب، فلم تعد بثينة مجرد سكرتيرة في حياته. اقترب منها. منحها كامل الثقة. وأحبها بصدق حقيقي. وقرر في النهاية الزواج منها. وأقام حفل زفافه في مطعم مكسيم وبحضور أغلب سكان سطح عمارة يعقوبيان، وبإشراف صديقته القديمة كرستين.

طه الشاذلي

ابن بواب العمارة. كان حلمه منذ الصغر أن يصبح ضابط شرطة. ومن أجل تحقيق حلمه بذل كل ما بوسعه من دراسة حتى حصل على المجموع الذي يدخله كلية الشرطة. ودخل اختبار كشف الهيئة. وبعد أن أجاب عن كل الأسئلة الموجهة له سأله اللواء رئيس اللجنة عن مهنة والده. ورفضوه لسبب واحد لا غيره: أنه ابن حارس عقار. وقدم أوراقه لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ولأنه فقير فقد صاحب الطلاب الفقراء مجموعة المسجد. وأقربهم لقلبه زميله خالد عبد الرحيم من أسيوط. وتوطدت الصداقة بينهما فتصارحا وتبادلا الأسرار. وفي أحد الأيام يدعوه لصلاة الجمعة في جامع أنس بن مالك. وعقب الخطبة والصلاة يعرفه على فضيلة الشيخ محمد شاكر في مكتبه.

وتغير طه بين ليلةٍ وضحاها وكأن شخصه القديم استبدل بآخر جديد، بدل ملابسه الإفرنجية بملابس إسلامية. ولحيته التي نمت منحته مظهرا مهيبا ووقورا أكبر من سنه. لم يتغير من الخارج فقط، بل تملكته روح جديدة قوية متوثبة. شيء واحد بقي في نفسه من العهد القديم، هي بثينة. وحاول كثيرا وجاهدا أن يجذبها لطريقه الجديد. وأحضر لها عدة كتب دينية من ضمنها كتاب عن الحجاب. وتقاطع طريقهما وكلما التقيا تشاجرا، فهو ملتحٍ وملتزم وهي تلبس القصير والعريان. وبات شكلهما لا يتناسبان. وانتهى بهما الأمر إلى الفراق.

واشترك مع الجماعة الإسلامية في المظاهرات ضد الحكومة بسبب اشتراكها مع أمريكا بضرب الشعب العراقي. وأُعتقل بسبب نشاطه هذا. واقتاده الجنود إلى مديرية الأمن. عذبوه وأهانوه وهتكوا عرضه. أرادوا أن يعرفوا منه مع أي تنظيم يعمل، لكنه لم يفشِ السر. ويخرج من المعتقل وفي رأسه فكرة واحدة هي الانتقام من هؤلاء. ويسافر مع الشيخ شاكر إلى حلوان. ويعرفه على الشيخ بلال أمير المعسكر. ويشعر في البداية بضيق من نظام المعسكر الصارم، وسرعان ما تعود عليه. تعلم هناك الفنون القتالية ودروس الفقه وتفسير القرآن، وخلال أشهر برع في إطلاق النار وصناعة القنابل اليدوية. ويقرر أمير المعسكر زواجه من رضوى، أرملة أحد شهداء المعسكر. واستقرت حياته معها، وكل أمله الجهاد وليس الزواج. إلى أن زف إليه خبر الاشتراك في عملية قتل ضابط أمن الدولة عند الخروج من بيته. وتمت العملية في الوقت المحدد وبنجاح. ولم يقتل الضابط فقط، بل طه الشاذلي أيضا.

بثينة السيد

نتعرف على شخصيتها من خلال علاقتها بطه الشاذلي وزكي بك. هي الابنة الكبرى لمساعد الطباخ في نادي السيارات. مات في أحد أيام شهر رمضان. بثينة تلميذة في دبلوم التجارة. كل أحلامها للمستقبل أن تتزوج من حبيبها طه الشاذلي بعد تخرجه من كلية الشرطة وأن تنجب منه ولدا وبنتا. لكن موت الأب ترك الأسرة في العراء بلا معيل، فراتبه لا يسد الرمق، ومن أين سيأتون بمصاريف الإيجار والدراسة والطعام والملابس. وخلال عام تنقلت بين أعمال عديدة (سكرتيرة، مساعدة كوافير، ممرضة في عيادة أسنان)، وتركت الأعمال هذه بسبب تحرش أصحاب العمل بها. وكل ذنبها إنها فتاة جميلة. وتعمل عند طلال في محل لبيع الملابس، وأخذت بنصيحة صديقتها فيفي بأن تساير صاحب العمل في حدود وشطارة دون أن تخسر وظيفتها وجسدها. ثم عملت عند زكي بك كسكرتيرة. كلفها في البداية بمهام بسيطة. ومع مرور الأيام تعود عليها وأصبحت قريبة جدا منه. ولم تشعر به مجرد عجوز متصاب، بل رجل محترم يعاملها بكل رقة وشاعرية. ظل شعورها ناحيته يزداد حتى اكتشفت إنها تحبه وبعمق، حبا هادئا، راسخا، مريحا، يختلف كليا عن حبها لطه.

الحاج عزام

جاء من سوهاج قبل ثلاثين سنة بحثا عن الرزق في القاهرة. واشتغل كماسح أحذية، ثم اختفى بعد ذلك ولأكثر من عشرين سنة وإذا به يعود وقد أصبح مليونيرا صاحب محلات وعقارات ومعارض لبيع السيارات. ويعتبر كبير شارع سليمان باشا بدون منازع. متدين، ملتزم. يقرر الزواج مرة أخرى، فيلتقي بـسعاد جابر، مطلقة ولها ولد واحد. أُعجب بها وتركت أثرا رقيقا في قلبه. وأراد أن يتزوج منها على سنة الله ورسوله، لكن بشرط أن تترك ابنها عند والدتها في الإسكندرية وألا تفكر بالإنجاب نهائيا. ويساعده كمال الفولي بدخول مجلس الشعب كعضو في البرلمان. ويستغرب الحاج عزام عندما يهنئه كمال الفولي على توكيل سيارات تاسو الياباني، وبأنه والذين وراءه يريدون ربع الأرباح. وعليه أن يوافق لأنه يعلم قوة الرجل الكبير. وعندما عاد إلى شقته في عمارة يعقوبيان أخبرته سعاد بأنها حامل. طار صوابه، فالمصائب لا تأتي فرادى. وأرسل لها من يخدرها ويجهضها. وأعطاها حقها الكامل والشرعي بعد أن طلقها لتعود مرة أخرى إلى الإسكندرية. ولم يكن سهلا على الحاج عزام أن يتنازل ببساطة عن ربع أرباح التوكيل، فماطل مع كمال الفولي، وما فادت المماطلة لأنهم الأقوى.

حاتم رشيد

خريج كلية الآداب. وهو صحفي معروف ورئيس تحرير جريدة "لوكير" التي تصدر باللغة الفرنسية في القاهرة. أرستقراطي عريق، والدته فرنسية ووالده الدكتور حسن رشيد القانوني الشهير وعميد كلية الحقوق في الخمسينيات. انشغل والداه بطموحهما الشخصي في تحقيق الثروة والمجد وتركاه للخدم يعبثون بجسده. شاب رشيق، أنيق وكأنه من نجوم السينما. ولم يكن مجرد مخنث، بل هو شخص موهوب، مجتهد وصل بكفاءته وذكائه إلى قمة نجاحه المهني. مثقف ويجيد التكلم بعدة لغات: الإنكليزية والإسبانية والفرنسية بالإضافة إلى العربية. هذه هي شخصيته الحقيقية المعروفة، أما حياته السرية الشاذة، فكانت الأقرب إلى صندوق مليء بالألعاب الممنوعة. في النهار يعيش كأي صحفي ومسؤول قيادي ناجح وفي الليل يمارس لذته. أحب عبد ربه، المجند في الأمن المركزي، وهو صعيدي أسمر في العشرينات من عمره. ويبات معه -على الأقل- مرتين في الأسبوع. امتدت علاقته معه عن طريق الكشك والحجرة التي استأجرها له فوق سطح العمارة. وتركه عبد ربه بعد أن مات ابنه، وبحث عنه إلى أن وجده. وأحضره إلى شقته مقابل وظيفة ومبلغ من المال. وليلتها تمت بمقتل حاتم رشيد دون أن يعرف أحد مَن القاتل.

وهناك شخصيات أخرى كان لها الدور الفاعل في امتداد انسيابية الرواية وتكاملها الدقيق والمنطقي. ومنهم:

عبد ربه

شاب صعيدي مجند في الأمن المركزي. تعرف عليه حاتم رشيد. وبعد أن انتهت فترة تجنيده اشترى له حاتم كشك لبيع السجائر والحلويات واستأجر له شقة فوق سطح عمارة يعقوبيان، فسكنها مع زوجته وابنه الرضيع. وبينما كان في أحد الليالي بائتا عند حاتم سمعا دقات عنيفة على الباب. كانت زوجته، فابنه مريض جدا. أخذه إلى المستشفى ولم يعد به ثانية. مات ابنه، لم يحتمل الفاجعة وشعر بأن الله عاقبه في موت ابنه. ترك الشقة وعاد مع زوجته إلى الصعيد. لكن حاتم لم يدعه وشأنه. تبعه إلى إمبابة. ووجده في قهوة الصعايدة. وطلب منه أن يبات معه ليلة واحدة فقط مقابل وظيفة بواب في المركز الثقافي الفرنسي مع مبلغ من المال. ووافق عبد ربه على أن يتوب بعدها، فهو بحاجة للوظيفة والمال. وفعلا ذهب معه. وعندما أراد أن يغادر اعترض حاتم بشدة، فلم يتحمل عبد ربه الإهانة. ضربه بكل قوته وخرج من الشقة. ودون الجيران في المحضر أنهم سمعوا صراخا ينبعث من شقة حاتم، لكنهم لم يتدخلوا لمعرفتهم بطبيعة حياته الخاصة.

كمال الفولي

نشأ في أسرة فقيرة، وبذكائه وطموحه وصل إلى ما وصل إليه. انخرط في العمل السياسي بعد أن دخل كلية الحقوق وانضم إلى كافة تنظيمات السلطة بالترتيب. كان يغير الراية كلما تغيرت السلطة الحاكمة، لهذا استطاع الاحتفاظ بمقعده في البرلمان لأكثر من ثلاثين سنة متصلة. إنه يمثل معنى الفساد والنفاق. يزور انتخابات ويتقاضى رشاوي كبيرة. وهو الذي يرشح ويستبعد مَن يشاء، لذا لجأ إليه الحاج عزام عندما أراد أن يرشح نفسه في انتخابات مجلس الشعب.

مدام كريستين

يونانية جاوزت الستين من العمر. ولدت وعاشت في مصر. صاحبة مطعم وبار مكسيم الأنيق. تجيد الرسم والعزف. وتعزف لأصدقائها على البيانو احتفاء بهم. تزوجت عدة مرات وعاشت حياة صاخبة ومرحة. علاقتها بزكي بك الدسوقي بدأت منذ الخمسينيات وتوطدت إلى صداقة عميقة وراسخة. يذهب إليها كلما شعر بالضيق، فترحب به بمحبة مخلصة. ويجلس على مائدته المفضلة قرب البيانو.

بعد استعراض معظم شخصيات الرواية. يجدر بنا القول إن أهم بطل في الرواية هو المكان، أي عمارة يعقوبيان. والمكان هنا لا يقل أهمية عن الأبطال، فالصراع يتوزع على شخصيات العمارة الشهيرة التي تقيم على أرض الوجود كشاهد حي وإثبات حقيقي لما هو موجود بين دفتي الرواية.

= = =

JPEG - 14.7 كيلوبايت
غلاف: رواية عمارة يعقوبيان
D 1 آذار (مارس) 2011     A كُليزار أنور     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  كلمة العدد 85: ظاهرة اليساريين سابقا

2.  معرض بيروت للكتاب 2018

3.  باديس فوغالي

4.  حكاية مزعجة: الزوجة

5.  أسرع من إيقاع رقصهم


القائمة البريدية