بسام الطعان - سورية

طار الحمام


بسام الطعانسقسقت في حناياه سواقي الإعجاب والانبهار حين رآها لأول مرة، ويا له من شهر، أجمل شهر في كل الفصول، لم ير فيه غير السحر والطيب واخضرار الروح، بعد هذا الشهر الذي مضى على وجوده في الشركة، كتب بنور حبه الأول قصة بدايتها بهجة ونهايتها بهجة، ثم رسم لها صورة زاهية على وجدانه، كيف لا وقد غدت له الدر واللآلئ، وأغنية بدم القلب مكتوبة.

إنها مديرة الشركة التي يعمل فيها، تكبره بعشرة أعوام أو أكثر بقليل، أرملة، لكنها عذبة وخصبة وتشبه حمامة السلام، كلما يراها يقول في نفسه أشياء كثيرة، ونظراته تقول أكثر، لكن فارق المنصب بينهما كبير، ولا يستطيع أن يخبرها عما يجيش في صدره من أمنيات، وليس بمقدوره الابتعاد عنها فماذا يفعل؟

لم يعد ينتمي إلا إليها، في لحظة انتضاء الشوق، يدخل إلى مكتبها الأنيق، المفروش بالورود والرياحين، يسألها عن أوراق تخصه فتجيب، ثم يسألها بصمت:" متى نتقابل حبا لحب؟" فلا تجيب، فينظر إلى الموج الدافئ في عينيها، يتمنى أن يقول لها أنه مغرم بها، وهي وحدها من دون نساء الأرض التي يتمناها، لكن حمامــها لا يطير إليه، والشجاعة لا تأتيه، تهرب منه، وتتركه يبحر وحيدا في بحر الحب المتلاطم الأمواج، أي بحر هذا الذي يبحر فيه؟ وهل من الممكن أن تبحر معه إلى آخر العمر؟ أسئلة كثيرة سأل نفسه، لكنه لم يهتد إلى الجواب الشافي.

في كل مرة، وبعد أن ينتهي الدوام، يوقف سيارة أجرة، يطلب من السائق أن يسير خلف سيارتها، ترافقه الرغبة المجنحة بامتلاك قلبها الذي لم يره إلا اخضر، ومن مقعده الأمامي، ينظر إليها بحسرة مزمنة، يخرج من حنجرته آهات تشبه آهات الناي الحزينة، يحكي للطريق حكايته، يطلـب من القدر بتوسل أن يجمعه بها في مكان واحد، تحت سقف واحد، وعلى سرير واحد، وحين تصل إلى بيتها، ينعطف يمينا باتجاه بيته، يصعد الدرج بخطوات تبدو متعبة، يدخل إلى غرفته ولا يستجيب لدعوات أمه لتناول الطعام، يتمدد على سريره إلى أن يحل المساء، عندئذ يتناول لقيمات قليلة، يخرج إلى الشرفة، يحتسي قهوته، ومع كل رشفة يشم رائحة عطرها المعلقة على سياج القلب، ويعلن صورتها والقمر والنجوم أصدقاء للسهر.

اختارها من وسط العديدات، ومنذ أن اختارها لم تتخضب أوردته بالشوق نحو غيرها، ولم يشعر للحظة واحدة أنه غريب عنها أو غريبة عنه، ولكن هل ستختاره أيضا من وسـط العديدين؟ كم من القلوب تمنت أن تنالها، لكنها صُدت من أول محاولة.

يوما إثر يوم، صارت نظراته وحركاته مكشوفة لها، في البداية أرادت أن تصده كما صدت الآخرين، غير أنها لم تســتطع أن تفعل ذلك ولم تعرف السبب، ومع الأيام احتارت وحيّرت.

في اجتماع ضم أكثر موظفي الشركة، كانت بين فترة وأخرى تسترق النظر إليه، وحين بقيت وحيدة في المكتب، فكرت طويلا إلى أن وصلت إلى نتيجة وأقنعت قلبها بها: "إنه صغير بالنسبة لي. يجب أن أبعده عني. غدا سأوقع قرار نقله إلى أحد فروع الشركة."

جلست خلف طاولتها في الصباح الندي والارتباك في عينيها، طلبت قهوتها كما هي العادة، ومع أول رشفة ذهبت إلى عمق الماضـي، دخلت في يوم زفافها، بقيت فيه لدقائق، ثم انعطفت نحو حياتها البائسة منذ وفاة زوجها الذي لم تنجب منه، والذي مات بحادث سير مروع، ذرفت دموعا صامتة، بكت كثيرا، ومع الرشفة الثانية، انتبهت إلى نفسها، مسحت دموعها، وعادت من رحلتها بسرعة حمامة تحلق في الفضاء، أبعدت الفنجان قليلا، قرّبت الورقة، أرادت أن توقع توقيعها الأول هذا الصباح، ارتجف القلم بين يديها، فخرج توقيعها مهزوزا، ألقت بالقلم على الطاولة، أسندت ظهرها إلى مسند الكرسي، تطلعت إلى الورقة، فرأت فيها احتجاجـا وظلما، تناولت الفنجان من جديد، أخذت رشفة أخرى لكنها باردة، وبانفعال لم تعتد عليه، حملت سماعة الهاتف، وبكلام أشبه إلى الأمر، استدعته واستدعت أحلامه المعلقة على الجدران.

كان لحظتئذ جالسا على شرفات الصمت، بين النار وبين النور، يحلق بخيالاته بعيدا، يرسم لنفس مشتاقة الغد الأجمل، ويعزف لقلب متعب من طول الانتظار قصائد حب جديدة.

ما أن أنهت كلامها حتى استعار أجنحة حمام وطار إليها، تسبقه اللهفة والصبابة وفرح الطفل حين يرى أمه بعد طول انتظار، دخل باسم الثغر، حياها بصوت رأت فيه أشياء حلوة لم ترها من قبل، وقف قبالتها وانتظر الأوامر، بقيت صامتة لوهلة ثم ودون أن تنظر إليه، قدمت له الورقة المزينة بتوقيعها المهزوز، قرأها على عجل، وحين عـرف أن هذا التوقيع ليس توقيع قلبها، ابتسم وألقى بالورقة بهدوء فوق الطاولة وسط دهشتها، اقترب منها أكثر حتى شم مسامات العطر في أودية وسهول جسدها الأبيض، ومن فوق صهوة قلبه الأخضر، قال وهو يلاعبها بعينيه الضاحكتين:

= اتركي هذا الأمر جانبا. تعالي نترك قلبينا يتقابلان وجها لوجه، ويتحادثان عن الشوق كله، والحب كله، عندئذ سنعرف، أنت وأنا، هل علينا الفراق، أم علينا السباحة كزوج وزوجة في بحر الحب الأبدي.

كلامه راق لها، طارت مئات الفراشات من عينيها وثغرها الباسم، وأيضا من شعرها الطويل والمنسدل على كتفيها كشلالين، هي نفسها لا تعرف كيف حصل ذلك، تغيرت أحاسيسها كلها دفعة واحدة، نبتت أغصان مزهرة على خديها وشفتيها، رأت نفسها ترتدي ثوب الزفاف بعد أن ألقى ثوبها لونه الأسود نحو عمق الماضي الكئيب، نهضت وقلبها يدق بفرح، طيّرت كل حمامها نحوه، اقتربت منه، ودون مقدمات تعانقت أيديهما في شوق محبب، وامتزج الدفء بالدفء، والنظرة مع النظرة، والهمسة مع الهمسة، وتناثرت الورقة في أرجاء الغرفة التي ظلت خالية إلا من رائحتهما لشهر كامل.

D 1 أيار (مايو) 2011     A بسام الطعان     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  هدية لعود الند

2.  شخصيّة معلّم الحكمة في روايتي "مرداد" و"اليوم الأخير" لميخائيل نعيمة

3.  هدية لعود الند

4.  عن لوحة الغلاف

5.  طيف لينا


القائمة البريدية