أنت في : الغلاف » العدد الفصلي 18: خريف 2020 » لقاء آلي أدواتي: الزربية

د. لطيفة حليم - المغرب

لقاء آلي أدواتي: الزربية


لطيفة حليمجائحة ’’كورونا" تزامنت مع عيد الأضحى في غرفة صديقات أجمل العمر. هي فرصة لتبادل الآراء والتدرب على رتق وغزل زربية نسجت بتاريخ 1920. تجسد في زمن كورونا الذي تزامن مع عيد الأضحى ذكرى مرور مئة سنة عليها. رتقها هو الهروب من الجائحة للخروج من هلع الموت، والدخول في سلم الحياة. الجائحة تندرج معها قيم كونية. يدبرها أغنياء العالم ويخترعونها كما اخترعوا من قبل الاشتراكية.

كورونا ومونيكا

يندرج ضمن نوع من أنواع فنون الإثنوغرافيا فن موسوم زربية. عرف عند المرأة منذ عهود قديمة. إنها تؤشر إلى تذويت الذات الأنثوية لإدراك مفهوم زربية تنطح الحياة والموت. هي نسيج، مصحوب بنغم نتف الصوف وندف الثلج وعطر الأرز. الغرض من هذا الطرح هو مساءلة ما وراء الزربية من هزة؟ علامة عمرت مئة سنة.

زربية رتقت فتقها صديقات أجمل العمر بمئة رقعة ورقعة ليهربن من مناخات كوفيد 19. ومن مكر أغنياء العالم الخمسة. نرتق على أمل أن تختفي فجوة عند الرتق. صديقات أجمل العمر يملأن الفتق برقع مختلفة الألوان. تتجلى معهن الحياة ويختفي الموت.

لعبة اقتفيت فيها الأثر لمكاشفة الذات الأنثوية منذ سنة 1920، إلى أن حلت بنا لعنة "كورونا"، وصدر قانون الحجر الإجباري، الذي صادفني في دار بنتي بهرهورة. أخذت الأمر بجدية لمواجهة هلع موت محتمل، لأنني في سني الثالث تجاوزت الستين، مما جعل الطعم سهلاً لكوفيد 19.

= = =

احترفت مع بداية "كورونا"، وأنا في دار بنتي، حرفة سرقة اللوحات مع شهر رمضان والحجر الصحي. وعندما خف الحجر وانتهى رمضان، عدت إلى داري أقلب أركاني، أستعد لشهر العيد الأضحى.

بدأت بنفض الغبار عن زربية بهت لونها وفك غزلها، وتشكلت لوحة تحمل تاريخ مئة سنة. حولت لوحة الزربية إلى فنانات تشكيليات: من إيطاليا، ربيعة الشاهد. ومن كندا، أفانين كبة. ومن فرنسا، حبيبة العرايشي. ومن المغرب، كوثر العلوي، وحكيمة الجراري. وغيرهن كثير.

= = =

في داري زمن كورونا، أقلب طرفي زربية متهالكة. أكاشف أثر حضارة علامات منسية، مليئة بالتفاصيل الرمزية، تحكي حكايات الوجود والعدم، الحياة والموت. أرتق الفتق. أرى صبية أناملها مخضبة بالحناء تترنح على عطر الأرز وتبتهج بندف الثلج.

كنت قبل البحث في أركان الدار عن زربية تلاشى غزلها واندثر صوفها، قد تعاطفت مع بطل مسودة رواية ينتمي لمدينة طنجة وكان عشق صبية فاتنة. هممت بكتابة رواية كان نزغ إبليس ينقر حروفها على شاشة الكومبيوتر وصاحبي أحمد يمسحها. يتفوق على إبليس الرجيم.

الرواية من وحي جدي لأمي. سبق أن روى لي حديثا سمعه عن جده لأبيه القاضي محمد بناني بمدينة فاس. كنت صبية أسمعه بأذن لاهية. أتلذذ بعلك "بازوكا". وألهو بلعبة "مونيكا". جدي يعرف القليل عن جده.

= = =

استنطاق زربية غزلها كان قبل "كورونا" بمئة سنة: 1920

كنت قد بدأت برسم حدود مركزة لمسودة رواية ما زلت أحمل هموم شخوصها وأرتق فراغ فجواتها، انطلاقا من الحاضر الزئبقي الذي أعيشه. راسلت صديقات أجمل العمر عبر بريدهن الإلكتروني. حصلت على معلومات باهتة تشبه هذه الزربية. بعضها ورد عن سيلفيا، كاتبة كندية من أصل مغربي.

مسح صاحبي أحمد رسالة سيلفيا. انتبهت. يجب أن أبحث عن بعض التفاصيل التي لم يذكرها جدي. لا تسعفني ذاكرتي لتذكر أحاديث جدي الذي روى عن جد جده القاضي محمد بناني. كنت صبية. كنت لا أحمل قيما إنسانية عامة. كانت قيما محلية.

= = =

داهمتني "كورونا"، وأنا في نهاية السن الثالث. تخيلت صبية فاتنة من مدينة طنجة. نزح جد جد جدها من أشبيلية. أسهم في ازدهار مدينة طنجة وتنشيط تجارتها. عزمت على زيارة ضريحها. حددت موعدا مع صديقتي كوثر لزيارة مدينة فاس، واتفقت مع خليلتي رغدة على زيارة مدينة طنجة بحثا عن أحفاد وأسباط، أسباط عشيق أجهل اسمه. الجائحة منعتني من ذلك.

لا أدري السبب الذي جعلني أبحث عن صبية ولدت بطنجة وقتلت بفاس، وتبادل معها الحب شاب من نفس المدينة، ابن الجيران، من الأعيان. وصفت جسدها اللدن. رسمت قوامها الرشيق، وزوقت ملامحها الفاتنة، وأنا متضمخة بأجواء من الحلم ورعشة من الحب.

شعرت أني انتمى إلى كل بلدان العالم. أوطد النفس وأروضها على العيش دون نوستالجيا [حنين]. مؤمنة بالتسامح والتعايش. وفي لحظة استبد بي نزغ إبليس الرجيم. مزق أحمد المسودة. واسترسلت أقلب أطراف زربية أرتقها لأخرج من "كورونا" وأحرك البحث عن موعد آخر للطائرة إلى مونتريال.

= = =

فترة استولت علي، وأنا أقلب زربية وأقلب في المحرك عن تذكرة سفر جديدة واقرأ أخبار الانهيارات البنيوية والسياسية وجو الفساد العربي. أهمس: لم تكن "كورونا" إلا تعبيراً رمزياً عن السقف الذي وصلت إليه الأوضاع الكونية. لا أؤمن بقيم كونية ولا اشتراكية.

ابتعد عن "كورونا" بمئة رقعة ورقعة. أنشر على جداري الفيسبوكي كل يوم رقعة بأنامل صديقات أجمل العمر، مترجية الحصول على مئة رقعة لتجاوز محنة "كورونا"، ولملمة تاريخ زربية في لقاء آلي.

= = =

بمناسبة مرور مئة سنة على زربية نسجتها أنامل جدتي لوالدي سنة 1920. ارتق فتق الغزل وأردد قول الله سبحانه وتعالى: "وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا" (سورة النحل؛ الآية 92). غزل المرأة موغل في التاريخ.

= = =

الخميس 30-07-2020

D 29 آب (أغسطس) 2020     A لطيفة حليم     C 0 تعليقات
كتابة تعليق عام
التعليقات تنشر بعد الاطلاع عليها.

لكي ينشر تعليقك، يجب أن تكتب اسمك وبلدك وعنوانك الإلكتروني. التعليق الجيد يخلق حوارا حول النص أو يساهم فيه. عند التعليق على نصوص الكاتبات ممنوع كتابة أنتي وكنتي ودمتي وابدعتي وما شابه. الصحيح هو: أنت؛ كنت؛ دمت، أحسنت؛ أبدعت.

من أنت؟
نص التعليق

في العدد نفسه

المجلات الثقافية الرقمية

كلمة العدد الفصلي 18: التعليم الرقمي عن بعد

نازك ضمرة وداعا

الأب جلّاب والأم دولاب

حكاية باب

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  كلمة العدد الفصلي 09: غزة لا تستكين

2.  أبعاد التصوف

3.  بيت جديد لعود الند

4.  كلمة العدد 74: عن الحداثة

5.  تأنيث السرد أو لعبة التنبيه في "سيراميك"