أنت في : الغلاف » الأعداد الفصلية » العدد الفصلي 20: ربيع 2021 » المعبودات المحلية في المغرب خلال الحقبة الرومانية

عبدالسلام بحاج - المغرب

المعبودات المحلية في المغرب خلال الحقبة الرومانية


عبد السلام بحاجتشير النقائش اللاتينية التي عثر عليها في الجهة الشمالية لبلاد المغرب الحالي، إلى مجموعة من الآلهة الوثنية المحلية، التي تعبد لها الأهالي المحليون خلال الحقبة الرومانية، وقدموا لها إهداءات ابيغرافية باللغة اللاتينية، تشهد على حضورها الفعال حينئذ، إلى جانب معبودات رسمية كثالوث الكابتول الروماني جوبتر وجنون ومنرفا، وهي المعبودات الرسمية للمستعمر الروماني. فما هي أبرز هذه المعبودات التي تم تخليدها، من خلال الإهداءات المقدمة؟

الرب الأمازيغي أوليسوا

يعتبر الرب أوليسوا، معبودا بربريا أو محليا بامتياز، كما تشير إلى ذلك تسميته، التي يمكن تفكيكها إلى كلمتين. تعني الأولى "أول" في اللغة الأمازيغية: القلب. ويدل الجزء الثاني "يسوا" على فعل الشرب والارتواء، أي: ارتوى القلب. ولفعل الارتواء ربما علاقة بالوظائف الإخصابية لهذا المعبود.

وقد أغنى الرب أوليسوا بحضوره البانثيون المحلي، خصوصا في مدينة وليلي، التي تقع على الضفة اليسرى لواد خومان، على مرتفع جبلي، وتستمد اسمها ربما من نبات محلي يوجد في الوادي يدعى "أليلي" في اللغة الأمازيغية، حيث تم العثور على مذبح من الكلس الجيري الأبيض، يبلغ ارتفاعه حوالي متر، سنة 1970 أثناء القيام بأشغال فلاحية، وذلك خارج أسوار وليلي العتيقة[1].

وهذا المذبح يظهر المعبود فوق نقش بارز، وهو في هيئة الوقوف، يرتدي سترة قصيرة بأكمام، يحمل باليد اليسرى عصا، وباليد اليمنى ساقين نباتيين، يمكن أن نستخلص منهما وجود سنبلتين[2]، بينما يحمل إهداء آخر، موجه للرب أوليسوا المقدس، وهو مكرس من قبل المدعو فالريوس تورنو، وهو معتق يشتغل إسكافيا.

ويدل الوضع الاجتماعي لمقدم الإهداء، على قيمة الإهداء المتواضعة من جهة، كونها مصنوعة من الكلس عوض الرخام أو البرونز، وأيضا على وفاء ذوي الأصول المحلية لمعبوداتهم، تماشيا مع الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشون فيه.

كما تم العثور على نقيشة لاتينية أخرى موجهة للرب أوليسوا في المجال الحضري للعاصمة وليلي. ويتعلق الأمر هذه المرة بتمثال من الرخام الأبيض، مكرس لهذا الرب الموسوم بالمقدسي، ويظهر على هذا النصب صورة لكبش[3].

ويظهر من خلال استقراء الرموز التي تظهر على التماثيل السابقة أن هذا الرب المحلي، تتم عبادته كإله للخصب والإخصاب، وهو ما يتماشى مع الظروف المناخية والطبيعية، لوليلي كمنطقة وفيرة المياه وتحيط بها الأراضي الخصبة والزياتين والأعناب.

الرب الإفريقي ساتورنوس

يعتبر الرب ساتورنوس الامتداد اللاتيني للرب المحلي الإفريقي بعل هامون، حيث تمت عبادته خلال حقبة الاستعمار الروماني للمنطقة، تحت هذا المسمى الجديد. ويشير الباحث الفرنسي مارسيل لوغلاي، صاحب العمل الضخم "ساتورنوس الإفريقي" إلى وجود نقيشتين إبيغرافيتين لاتينيتين، مكرستين لهذا الرب في موقع وليلي، يتعلق الأمر بنقش محفور على قاعدة تمثال، بالأحرف بي دي اس، وتعني أنه مكرس للرب ساتورنوس[4].

كما أقامت سيدة تدعى كلاوديا بروكولا تمثالا فضيا لهذا المعبود المحلي[5]. وهذه السيدة صاحبة التقدمة، تنتمي للطبقة النبيلة للمدينة، كما تشير إلى ذلك قيمة الإهداء المقدم، فهو مصنوع من معدن نفيس، الذي هو الفضة. وهذا يدل أيضا على أن هذا المعبود المحلي هو رب الطبقات الميسورة في البلاد، لأنه رب حام للخصوبة الزراعية، والمنطقة كما تشهد على ذلك الحفريات الأثرية، وكانت مستقرا للضيعات الكبيرة التي كان يملكها المعمرون الرومان والملاكون المحليون.

الربة أفريكا

تظهر الربة أفريكا في وليلي من خلال تمثال نصفي، يمثل امرأة مقنعة بقناع فيل[6]، وهي تحمل قرن الخصب رمز الإخصاب الزراعي والحيواني.

جنّي المكان

تم تقديم إهداء لجني البلدية في وليلي، حيث أقام المدعو يوليوس أغرغيانوس، وهو يشغل منصب بروقراطور[7]، وذلك طلبا للحماية والرعاية والأمان لنفسه ولمدينته. كما نجد تقدمة أخرى لجني المدينة في موقع بناصا الأثري[8]، والذي يقع على الضفة اليمنى لنهر سبو، على بعد يناهز 30 كيلومترا من مدينة مشرع بلقصيري الحالية.

ويحضر جني المكان، الذي يعتبر نوعا من الروح الحامية للمكان، كيفما كان نوعه، منزلا أو حيا أو عين ماء أو غيره، أيضا في موقع عين الشقور المعسكر الروماني، القريب موقع وليلي، فقد خصص له الفيلق الروماني إهداء[9] أثناء بناء الثكنة العسكرية تيمنا به.

كما كرس إهداء أخر لحوريات وجني المكان بنفس الموقع[10]، من قبل السيد فاليوس ماكسميانوس وهو يشغل منصب بروقراطور، وعلى إهداء آخر لجني المكان في موقع سيدي موسى بويفري[11]، وهو معسكر روماني يوحد قرب قرية عين الجمعة التابعة لإقليم مكناس.

وتقديس جني الأشجار والعيون والكهوف من العبادات القديمة التي مارسها المغاربة، منذ الأزمنة القديمة، ولا زالت مستمرة لحد الان، وذلك بتحويلها من جني المكان، إلى مول المكان أو صاحب المكان، الولي الصالح للمدينة أو القرية أو للأرض الخلاء.

خلاصة القول إن الأهالي المحليين، كانوا براغماتيين في اختيارهم لمعبوداتهم، فاختاروا منها ما ينفعهم، كالمعبودات الخاصة بالخصب الزراعي والحيواني، وكذلك الجني الحامي للمكان وللمدينة والمنزل العائلي.

= = =

الهوامش

[1] Lenoir, Inscriptions nouvelles de Volubilis, p. 195- 196, n° 2.

[2] M. Aulissua dieu maure de la fécondité, p. 298.

[3] Ibid, p. 299.

[4] Touvenot Raymond, Le culte de Saturne en Maurétanie tingitane, In REA, 56, 1954, p. 150.

[5] Ibid, p. 151.

[6] Thouvenot R, Volubilis, p. 92- 93.

[7] AE, 1987, 1104.

[8] IAM2, 85.

[9]IAM2, 821 ; AE, 1966, 605 .

[10] AE, 1939, 166 ; IAM2, 822.

[11] AE, 1956, 62 : IAM2, 814.

D 27 شباط (فبراير) 2021     A عبد السلام بحاج     C 0 تعليقات