هبة الآغا - غزة/فلسطين

حديث الحياة والحرب

غزة: يوميات العدوان 2021


هبة الأغاأنهت يارا تلوين هذه اللوحات الثلاث، استغرقت وقتاً طويلاً وهي تنجز مهمتها، لبست فستان العيد بلا تسريحة شعر، تسمرت مكانها لتنجز لوحاتها، وما بين كل لوحة وأخرى تأتي لتوشوشني: ماما بديش ينقصف بيتنا، ماما بديش أموت، ثم تعود للتلوين، لا زالت يارا تحتفظ ببهجة الألوان، مثل قلبها تماماً.

الانفجارات لا تتوقف، مستمرة ليل نهار، أكتب لكم من تحت القصف ومن فوقه أيضا، أشعر بوجع شديد في ركبتيّ ( نحتاج زيت سيارات لقطعة الخوفة) كما ذكرت إحدى السيدات على الفيس بوك، لا أعرف إن كان هذا الألم بسبب الوزن الزائد الذي اكتسبناه مؤخراً من الجلوس في المنزل بسبب الحجر الصحي وإصابتنا بكورونا، (ع السيرة ترى أين ذهبت الكورونا؟) ، أم زدناه من الحرب الشعواء.!

الحرب وما أدراك ما الحرب؟ وتحديداً في بقعة صغيرة مثل غزة.

نحن لا نأكل، إنما نحشو أفواهنا بأي شيء نجده، كل ما يعزز صمودنا حتى لو كان حبة شوكولاتة، نشعر بالخجل ونحن نأكلها حين نتذكر من ناموا قبل موعدهم، ومن صارت بيوتهم كومة حجارة هائمة على وجهها. وعلى سيرة البيوت، كنت أؤجل كثيراً جلي الأطباق، وطي الغسيل، أشعر أنه ليس لديّ القدرة على هذا العمل الشاق وذهني مشتت، كنت أقول في نفسي: ليش أرتب وأنضف، محنا لو انقصفنا كل شي حيتكركب.

اليوم صباحاً، وبعد رؤية منازل بيت حانون النائمة على الأرض، والممدة بغير أرجل، ذهبت فوراً إلى المطبخ، حمدت الله أنه لازال لدي مطبخ وأطباق، وأكوام من الغسيل، تفقدت بيجامات صغاري، وتفقدت ثلاجتي، وقررت أن أطبخ لهم طبقاً مفضلاً، قليلاً من الفرح والصمود تصنعه صينية معكرونة بالبشاميل، المهم أننا لازلنا أحياء بعد ليالي فزعة.

زوجي يدخن بشراهة، ينام حين أصحو، نسلّم بعضنا البعض شفتات الحراسة للمنزل، نتنقل كل ساعة إلى غرفة مختلفة، إذا كان الاستهداف شرق البيت نذهب لغربه، وإذا كان في الغرب نذهب للشرق، أما إن كان من كل حدب وصوب، فنذهب للمطبخ، وهكذا يبقى المطبخ حلاً سريعاً ودائماً لكل مخاوفنا، نأكل حتى دون أن نشعر بالجوع، ثم فجأة نتوقف عن المضغ، حين يسقط صار.وخ، فتقف اللقمة في حلقنا، وتقف الحياة أيضا.

لا نشعر بمرور الأيام، لا نشعر بمرور الوقت، فوجئت اليوم بالديك يصيح في الثانية عشر ظهراً، ويحك أيها الديك، احنا راكنين عليك، الديك الغزيّ اختلط عليه نومه مثل أصحابه، واختلفت مواقيت الصحو والنوم لديه.

أتسمر دائما أمام الأخبار، تقول لي ماما صلي واستغفري، أتذكر تقصيري، أهرع إلى المصلية، أقول اغفر لي يارب، أولادي مساكين، ونحن نحبك كثيرا.

القطط حزينة، لا تأكل كثيرا كعادتها، انسدت شهيتها، لوتشي فطمت صغيرها من الحزن، صار يشرب حليب المراعي، وبعض الخبز المهروس، ريثما نستطيع شراء طعامهم كالمعتاد، القطط حزينة مثلنا.

يمر كل شيء بلا ترتيب، أو تخطيط، بلا شعور أيضاً، حتى أننا قررنا بعد انتهاء الحرب أن نُعيد العيد، سأصنع في بيتي رجل العيد، مثل رجل الثلج الذي لم أره في حياتي، رجل العيد يتكون من الكعك والمعمول، ومحشو بالكثير من العجوة، يكون منتفخاً من الخدود، ومقرمشاً، يمكننا أكله إذا جعنا.

يارا تتعبني بأسئلتها، وملاحظاتها، مرة تقول لي الشوكولاتة تشعرها بالهزيمة، ومرة أخرى تتهمني بعدم تجهيز مفاجأت سارّة لها، الأمر الذي يجعل الدنيا سوداء في عينها.

يارا في إحدى نقاشاتها الحادة مع كامل (الصامت معظم الوقت)، أخبرته بصوت مرتفع : غزة مش للبيع!

صح يا ماما، لا غزة ولا القدس ولا فلسطين، كلهم مش للبيع.

D 18 أيار (مايو) 2021     A هبة محمد الأغا     C 0 تعليقات
كتابة تعليق عام
التعليقات تنشر بعد الاطلاع عليها.

لكي ينشر تعليقك، يجب أن تكتب اسمك وبلدك وعنوانك الإلكتروني. التعليق الجيد يخلق حوارا حول النص أو يساهم فيه. عند التعليق على نصوص الكاتبات ممنوع كتابة أنتي وكنتي ودمتي وابدعتي وما شابه. الصحيح هو: أنت؛ كنت؛ دمت، أحسنت؛ أبدعت.

من أنت؟
نص التعليق

في العدد نفسه

كلمة العدد الخاص 03: وهم الدعم الدولي للقضية الفلسطينية

ايلان وبوط اينسا

من يوميات الحرب

يوميات الحرب

القدس في قصائد