عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 

عبد الهادي شلا - كندا

ضمور الزمن


عبد الهادي شلاقيل إن الوقت حين يختصر نفسه ويتقلص، فإن هذا من علامات الساعة، كأن نشعر باليوم وكأنه ساعة من الزمن، وأن الساعة كأنها دقائق قصيرة كلمح البصر.

وهكذا تصغر المسافات وتقصر المدة بين حدث وآخر فنبدو كما لو أننا قد اجتزنا مراحل العمر فجأة وأصبحنا على أبواب الشيخوخة.

نشعر بحس غريب عندما ندرك أننا كبرنا، وأن حياتنا التي كنا نلهث فيها سعيا وراء أمنيات كثيرة قد مرت بسرعة، وأننا قد حققنا بعضا منها ومن طموحاتنا، وأننا عجزنا عن تحقيق المزيد.

وهذا العـُـمر بحلوه وبمـُـره ما كان إلا مشوارا وجــَب علينا أن نقطعه، وإلى مسافة محددة، ونقطة لا نقدر على تجاوزها لأنها محكومة بقدرة الخالق الذي أعد كل شيء وحدد بدايته ونهايته.

هكذا يفكر المؤمن دون أن يجنح إلى الفلسفات الكثيرة وتفسيراتها التي يكتشف الفلاسفة والعلماء يوما بعد يوم أنها محكومة بقدرات لا يمكن تجاوزها أو إيجاد التفسير الكامل لها، فتتحقق النتيجة بإرجاعها إلى الإيمان بالقضاء والقدر المحسومين الراسخين في قلب المؤمن وتفكيره. ولا يجد لها تفسيرات وفلسفات أخرى كثيرة ومتشعبه إلا من كابـَـر وتعـَـنت.

في لحظة صفاء وتأمل وبلا مقدمات نشعر بأننا كبرنا فجأة، و في لحظة نستعيد وعينا وندرك أن حياتنا التي عشناها هي سنوات امتلأت بالأحداث والمواقف، نتذكر بعضها ويغيب في دهاليز الذاكرة بعضها الآخر، وأن أفرادا قد ولدوا، ومات آخرون، وتطور الزمن وأصبح الركود والسكينة من أعمال الماضي، وحَـل محلها السرعة والأدوات المُنجـِزة للأعمال الضخمة بعد أن كانت تحتاج إلى عدد كبير من البشر وأيام وأشهر لإنجازها بينما الأدوات الحديثة والعملاقة قد اختصرت الزمن والجهد والتكلفة إلى أيام وأحيانا إلى ساعات.

ما كان يحتاجه المرء من وسائل انتقال وزاد للطريق ورفقة تؤنس وحشة البراري والفيافي كانت بدائية كلها، وقد تحولت بفعل وقدرة الإنسان الجبار، الذي أوتي من العلم القليل، إلى أدوات يشعر البعض أحيانا أنها أكثر من توقعاته، ومن أن يستوعبها عقله وتفكيره، فأصبح ينتقل بالطائرة وهي الأسرع من مكان إلى آخر المعمورة في ساعات، وأصبح بإمكان الإنسان أن يقطع أطراف الكرة الأرضية في يوم واحد.

كما أن الإنسان يتواصل مع الآخرين بمجرد أن يضغط على مفتاح صغير بالحديث أو الصورة. وهناك المزيد الذي مازال خافيا.

في هذه الصورة العابرة بكل تفاصيل حياتنا التي نختصرها بذكريات ومواقف، نجد أننا نستخدم "الوقت" كي نقطع مسافات الزمن، وهو مقياسنا في كل حركاتنا، نظرا لمتطلبات الحياة بإيقاعها وسرعتها.

وإذا أقررنا بأن الزمن يتكون من وحدات متراصة هي ما نسميه "الوقت" فإن تراكم الأوقات بمحاذاة بعضها البعض تصنع مسافة في الزمن. واستغلال الوقت هو الشوط الذي الذي نقطعه في الزمن الذي نعيشه ونحقق فيه بعض أمنياتنا.

كان "الخيام" فيلسوفا عابرا في الزمن حين قال:

واغنم من الحاضر لذاته - - فليس في طبع الليالي الأمان

فإن كان "الخيام" قد وجه الوقت إلى وجهة فيها رؤيته الخاصة وهي (اللذات) فهذا لا يعني أن الوقت قد بقي مسخرا لرؤيته، وإنما هو أخذنا إلى حيث يرى.

ولكن من الأفضل طبعا أن يستغل الإنسان الوقت بما يعود على البشرية بالنفع، والمساهمة في نشاطات بشرية تثري التجربة الإنسانية وتحقق المرجو من "الوقت".

ومع أن "الزمن" تتسارع وتيرته رغم المنجزات الضخمة التي نحققها فيه، إلا أننا أصبحنا نلمس "الضمور" في مساحته، أو أن الزمن يختصر نفسه بالوقوف على أبواب النهاية، ولن يمتد حتى نحقق كل أمنياتنا التي لا نهاية لها، وهي القائمة مادامت الحياة قائمة.

D 25 آذار (مارس) 2012     A عبد الهادي شلا     C 5 تعليقات

5 مشاركة منتدى

  • من يقرأ هذا النص لابد أن يشعر بالإسترخاء الذي يغمره حين يراقب قرصَ الشمس ينغمس رويداً في البحر. 
    كلمات جميلة ومعبرة.. شكراً لك


  • الزمن كلمة محدودة الحروف لاحدود لمعناها فمن فلسفة الفرح او الحزن باحتفالات اعياد الميلاد وكل مناسبة مزمنة كالأعياد الدينية وتواريخ خاصة في حياة كل منا تجد وجهات نظر واقوال وافعال لاتحصى لكن الموضوع بمجمله يشد القارئ وحسنا فعلت بعدم الخوض عميقا في فلسفة الزمن والقدريات ... تحياتي


  • ارى ضمورا في زمننا ربما لان امانينا كبرت و كثرت ولم يعد في العمر متسع لتحقيقها كلها ،الزمن لايمر دوما بسهولة وخاصة لحظة الالم و ياتي ويذهب مسرعاً لا بل هارباً في لحظة الفرح قبل ان ننتشي بالفرحة و نعي وجودها.


  • مرت سنين بالوصال وبالهنا *** فكأنها من قصرها أيام

    ثم انثنت أيام هجر بعدها *** فكأنها من طولها أعوام

    ثم انقضت تلك السنون واهلها*** فكأنها وكأنهم احلام

    بهذه الأبيات ادعم رأي الأخت هدى الدهان بأن لحظات السعادة تتفلت منا سراعا بينما اللحظات الصعبة تجثب على قلوبنا وتابى ان تنزاح كانها الدهر. من هذا المنطق يبدو ان حياة الكاتب كانت تفيض سعادة، وهذا بين قوسين.

    اما عن" ضمو ر الزمن" من منظور الكاتب فشيء طبيعي لان حياة الانسان قصيرة في عمر الزمن، ومهما عاش فلن يحقق من امانيه ومشاريعه الا كقطرة في محيط. لذا تعتمد الابحاث طويلة المدى على اكثر من جيل لحصد النتائج.
    نص مليء بالاحاسيس و المشاعر و الاستنتاجات الحياتية، نقرؤها في السطور وبين السطور،لنستشف انسانية الانسان.. الكاتب..


  • أعزائي الكرام جميع الذين علقوا على المقال
    كل بإسمه أقدر لكم هذه القراءة الواعية لمفردات المقال

    عبد الهادي شلا