عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 7: 72-83 » العدد 72 » نجيب محفوظ والسينما

هاجر بكاكرية - الجزائر

نجيب محفوظ والسينما


ربطت نجيب محفوظ والسينما المصرية علاقةٌ خاصة لأنه كتب سيناريوهات عدد من أبرز الأفلام التي تم إنتاجها خلال فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، إضافة إلى أعمال مأخوذة عن رواياته الأدبية.

بدأ نجيب محفوظ العمل في المجال السينمائي مع نهاية المرحلة التاريخية في أدبه، حيث التقى بالمخرج صلاح أبو سيف الذي لقب بمخرج الواقعية على غرار نجيب محفوظ في الأدب، وعرض عليه أن يكتب للسينما وشكلا ثنائيا.

أول تجربة له في الكتابة السينمائية كانت فيلما بعنوان مغامرات عنتر وعبلة عام 1945 وتوالت أعماله بعد ذلك، فقد كتب سيناريوهات ست وعشرين فيلما من عيون السينما المصرية في تلك الفترة، سواء بمفرده أو بمشاركة بعض المخرجين.

وفي عام 1960 التفتت السينما إلى أعماله الروائية وتم تحويلها لأفلام. وكانت البداية مع فيلم بداية ونهاية، إخراج صلاح أبو سيف، يناقش قضية الطبقات الاجتماعية في مصر.

ويمكن تقسيم علاقة نجيب محفوظ بالسينما إلى أربع مراحل:

المرحلة الأولى امتدت خمس عشرة سنة بداية من فيلم مغامرات عنتر وعبلة إلى غاية فيلم جميلة الجزائرية عام 1959،. ومن أفلام تلك المرحلة نجد: لك يوم يا ظالم وريا وسكينة، الوحش، شباب امرأة، الفتوة بين السماء والأرض، جعلوني مجرما.

أما المرحلة الثانية فكانت مرحلة الرواية وفيها استفادت السينما من أعماله الروائية. وكما سبق وأشرت، كانت بدايتها مع رواية بداية ونهاية وصولا إلى فيلم السكرية عام 1973. من أفلام هذه المرحلة نجد اللص والكلاب خان الخليلي، ميرا مار، الحب تحت المطر الكرنك. والملاحظ أن نجيب محفوظ لا يكتب سيناريوهات رواياته.

المرحلة الثالثة كانت مزيجا من المرحلتين الأولى والثانية، بدايتها مع قصة قصيرة بعنوان صورة إلى غاية فيلم الجحيم 1978 تنوعت ما بين كتابته للسينما وما بين توظيف رواياته لذلك أو قصصه القصيرة مثل : أميرة حبي أنا، نور العيون التوت والنبوت، الحرافيش، أهل القمة وغيرها.

المرحلة الرابعة والأخيرة اعتمدت قصص نجيب محفوظ القصيرة وكانت البداية مع فيلم الشريدة عام 1980 وصولا إلى فيلم أصدقاء الشيطان عام 1988، وهناك بعض الأفلام بعد نوبل ولكنها قليلة.

لم يكن نجيب محفوظ أول أديب في مصر له علاقة بالسينما بل كان قبله يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس كذلك، وحتى محمد حسين هيكل في وقت السينما الصامتة.

ما يهمني ليس سرد هذه الأعمال والتفصيل فيها بل الإجابة على سؤالين: أيهما استفاد من الآخر: نجيب محفوظ أم السينما؟ وهل للسينما دور في وصول نجيب محفوظ لجائزة نوبل ؟

أعتقد أن السينما ساهمت من خلال هذا الكم الهائل من الأفلام في شهرة نجيب محفوظ المحلية، بمعنى أن كثير من المصريين لم يقرؤوا رواياته وإنما تعرفوا عليه من مشاهدة أفلامه السينمائية، فللسينما مساحة عريضة من الجمهور قلمّا يتوفر لنص أدبي جمهور مثله. وهذا ما يؤكده نجيب محفوظ نفسه:

"كنت دائما أنظر للسينما باعتبارها وسيلة فعالة في الوصول إلى قطاعات من الجماهير لم أكن سأصل إليها بالأدب " (1).

فهو يقر بأهميتها في حياته الأدبية حيث مكنته من الوصول إلى فئات جماهيرية كان يصعب الوصول لها عبر رواياته وحدها، كما قدمت السينما له إضافة للشهرة أشياء أخرى عقّب عليها في حواراته من بينها قوله: "أعطتني – يقصد السينما – الوظيفة والاستقرار والنظام ولولا النظام لما كنت أديبا" (2).

إذن نجيب محفوظ استفاد من السينما ووفرت له عدة إيجابيات مكنته من التفرغ للإبداع الأدبي وهو مرتاح. أعطته الوظيفة، وهذا يعني الاستقرار المادي وفسحت له الوقت الكافي للإبداع دون وجود هاجس يؤرقه.

السينما عند نجيب محفوظ هي حكي بالصورة (3) وانتشار وشهرة جماهيرية وعائد مادي مع كل هذا يرى أن للأدب قيمة تربو عن السينما، فالأدب شامل مقارنة معها فهي تركز على مضامين محدودة وتخضع لرقابة أشد من الرقابة الأدبية باعتبارها صورة موجّهة لجمهور من كافة الفئات وبالتالي هناك خطوط عريضة لا يمكن تجاوزها وتعتمد في ذلك على لجان رقابية خاصة لكل عمل سينمائي، هذا أولا.

ثانيا الفرق بين الحرية في عمل فردي وبين الحرية في العمل المشترك الجماعي يقول: "السينما تفتقر إلى شمولية الأدب والحرية التي يتيحها للمبدع " (4).

يرى البعض أن نجيب محفوظ استفاد من السينما لأنها صنعت له شعبية كبيرة لدرجة أنها ساهمت في اهتمام القراء باقتناء كتبه، لكننا نرى أن في ذلك مبالغة نوعا ما لأن بداية توظيف روايات نجيب محفوظ سينمائيا جاءت بعد ظهور الثلاثية وأثرها في الوطن العربي إضافة إلى أولاد حارتنا وما أثارته من ضجة كبيرة، في حين يرى آخرون أن السينما هي التي استفادت في تقديم أعمال مميزة تناقش قضايا اجتماعية وسياسية مرتبطة بواقع الحياة في مصر والوطن العربي بدل اعتمادها السابق على الروايات والقصص الغربية وذلك بتعريبها أو اعتماد نسخ كربونية عن الأفلام الغربية.

السينما حتما كان لها دور في شعبيته لكن ذلك على مستوى فئات لا تهتم بالروايات والمطالعة والثقافة. أما على مستوى المثقفين والنقاد والدارسين فحتما الفضل الأول والأخير يعود لرواياته.

أنتقل إلى السؤال الآخر: هل ساعدت السينما نجيب محفوظ بشكل من الأشكال في الوصول إلى نوبل ؟

أعتقد أن السينما العربية عموما والمصرية خصوصا في ذلك الوقت وحتى في وقتنا الراهن لا تمتلك ذلك المستوى الذي يخرجها عن الفضاء المحلي إلا نادرا، فالأعمال السينمائية بقيت محلية. وأسباب ذلك متعددة أبرزها فقر الإنتاج مقارنة بمستوى السينما العالمية، لذلك سينما محفوظ – إن جاز القول- لم تتمكن ولا بفيلم واحد من مجموع الأفلام التي أنتجت عن أعماله الروائية أن تسافر نحو العالم وتلفت الأنظار إليه كأديب، وبالتالي فالشهرة ساعدته محليا ووسعت أفق تأثيره كأديب في مصر والوطن العربي. أما عالميا فلا علاقة للسينما، إلا إذا أخذنا بافتراض أن المستشرقين والدارسين الغربيين للأدب العربي والمشرقي، إضافة للنقاد العرب المغتربين تعرّفوا على نجيب محفوظ من خلال السينما. وأظن أن هؤلاء لن ينتظروا فيلما سينمائيا يعرفهم بأديب مثله ما دامت أعماله موجودة ولها صدى عند النقاد والدارسين.

= = = = =

قائمة المراجع:

(1) محمد سلماوي، حوارات نجيب محفوظ، جريدة الأهرام المصرية العدد 43642، سنة 130،موقع الجريدة،02/6/ 2006 تاريخ دخول الموقع(12/03/2011).

(2) مصطفى محمد موسى "نجيب محفوظ ... نوبل"، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2005، ص16

(3) محمد سلماوي، حوارات نجيب محفوظ، جريدة الأهرام،2/6/2006.

(4) المرجع نفسه.


فيلم الكرنك عن رواية بهذا العنوان لنجيب محفوظ

أفيش فيلم الكرنك

D 25 أيار (مايو) 2012     A هاجر بكاكرية     C 2 تعليقات

2 مشاركة منتدى

  • تحليل جيد وموضوعي ومسهب وحافل بالأمثلة الداعمة ، والحق أن العلاقة متبادلة بين نجيب محفوظ والسينما ، فكلاهما استفاد من الآخر وبطريقة تواكلية-منفعية ، أما القول بمحدودية العمل السينمائي فغير صحيح ، والحقيقة ان الفن السابع هو " فن العصر " الشمولي المتكامل ، ناهيك عن قدرته على توصيل العمل الادبي لمعظم مشاهدي السينما اللذين يتكاسلون عن قراءة العمل الأدبي أحيانا ( وربما المحدودي الثقافة ) ، بينما قد يقبلون بشعف على مشاهدة الفيلم السينمائي ان كان جذابا ومتقنا ، وهناك امثلة لا خصر لها في السينما العالمية منها دكتور زيفاكو الذي تحدث عن الثورة البلشفية بطريقة متحيزة ومن وجهة نظر منشق ، واعتير في حينه من " أسلحة الحرب الباردة الفكرية" ، وحاليا قدمت السينما على سبيل المثال لا الحصر فيلم الغراب ( باسم قصيدة مشهورة للشاعر والقصصي الأمريكي الشهير ادجار آلآن بو ) ، وحيث تعرض الفيلم باختصار لمجموعة قصص للكاتب البائس ولملابسات موته الغامض ، وبطريقة آخاذة ممتعة ربما تغني الانسان العادي عن قراءة أدبه اللافت ! ربما كان محفوظ محظوظا في عصره مع وجود كتاب سيناريو ومخرجين مصريين مرموقين بالاضافة لخبراته الشخصية بالسينما ، ولكني اشعر بالأسى الكامل تجاه الوضع البائس المتردي الذي تعاني منه السينما المصرية حاليا ، وخاصة مع انتشار السينما الهايطة وأفلام المقاولات والراقصات ، بالرغم من وجود الكثير من الروايات العربية التي تستحق ان تحول لأفلام سينمائية !


  • يشير الكاتب لفقر الانتاج في السينما العربية او المصرية ، والحقيقة أن افلاما رائعة تفوز بمهرجانات دولية نظرا للقيمة الابداعيةوالطرح الجديد التي تتميز بهاهذه الأفلام بالرغم من محدودية ميزانية الاخراج احيانا ، واشير هنا لتميز الافلام الايرانية والتركية تحديداوحتى الرومانية والبوسنية . الحقيقة أن آفة السينما العربية والمصرية تحديدا تكمن بالتقليد الأعمى ونقص الابداع ، وأسوق هنا كمثال فيلم "على جثتي" لأحمد حلمي ، فبالرغم من طرافة الطرح وبراعة التمثيل ، الا ان القصة برمتها هي عبارة عن اقتباس لأفلام امريكية تناولت موضوع مراقبة الانسان لنمط حياته وعلاقاته بعد موته بأسلوب تأملي وفلسفي نوعاما ، فقد تم " تمصير" او "تعريب" السيناريو الأجنبي بحذافيره باسلوب يخلو من الخيال المستقل ،وربما باسلوب " النسخ واللصق" وبكم كبير من المبالغات التي شوهت الفيلم...مع ان حياتنا العربية اليومية حافلة بالقصص اللافتة التي تستحق لأن تكون مواضيع أفلام سينمائية ، الا ان القائمين على هذه الصناعة يستسهلون الاقتباس والسرقة لقلة ابداعهم ولنقص ثقتهم بذاتهم،هكذا تجد أنه من الصعب ان تشق هذه السينماطريقها للعالمية!