عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 7: 72-83 » العدد 74 » القدود الحلبية في بيت الدين

إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

القدود الحلبية في بيت الدين


لِبْسوا الكفافي وْمَشوا ما عْرِفِتْ مِيْنُنْ هِنْ

ما عَادْ رَحْ يِرْجَعوا يا قلبْ حَاجِ تْعِنْ

نادَيْتْ بالله ارجعوا ما تلفتوا صَوْبي

يا بَدْرْ ضَوِّي السَّمَا كُرْمَالْ مَحْبوبي

(شعر: طلال حيدر. غناء: وديع الصافي؛ وأميمة خليل)

توزعتْ برامج مهرجانات بيت الدين لهذا العام (2012)، بين رقص الباليه، و"كان يا ما كان" في مسرح "كَرَكَلاَّ الابن" للرقص الفولكلوري، ورباعية ايرلندية في أجواء عربية، مع فرقة الروك والبوب. لكنّ الثاني عشر من تموز (يوليو)، هذه الليلة مخصصة للطرب الأصيل في مهرجانات بيت الدين، وليالي المهرجان ما قبل الأخيرة تحييها فرقة لبنانية، لموسيقى الجاز، تتألف من عشرات كبار رواد هذه الموسيقى. أما في الليلة الختامية فيتم تقديم أوبرا بالمشاركة بين وزارة الثقافة الفرنسية، ومُعدِّي مهرجانات بيت الدين لهذا الصيف.

خريطة لبنانانطلقنا مساءً من بيروت العاصمة، أم الشرائع ومدرسة الحقوق منذ عهد الرومان، عبر الطريق الساحلية المحاذية للبحر في الغرب، باتجاه الجنوب التي تؤدي في النهاية إلى فلسطين. والمسافة التي تفصلنا عنها ليست بعيدة كثيراً. أما المسافة بين بيروت والدامور التي بلغناها، فلا تتعدى بضع عشرات الكيلو مترات. الدامور نالتْ نصيبها من القتل والدمار والتهجير، إبان الحرب الأهلية على أيدي "الثوار" في الطرف الأول، مقابل سقوط النبعة وتل الزعتر إلى الشرق من بيروت في أيدي "الثوار" في الطرف الآخر.

قبل مواصلة الطريق والانحراف إلى الشرق من الدامور باتجاه بيت الدين ينبغي أن أقول أمراً بصوت لا يختنق، بأنني "معجبٌ" بهؤلاء وأولئك "الثوار المتقاعدين" يحدثونك عن الأيام الخوالي، فيدخنون بإفراط، يحكُّون رؤوسهم فيسعلون ويقحُّون وقد يحبقون أيضاً، ويسترسلون في التنظير بانسجام كامل مع ما أنجزوه، وما انقضى من الأمجاد التي حققوها أمانة في رقبة التاريخ. وهنا ينبغي أن أعتذر للقراء على استخدام هذه المفردات الوضيعة، لكنها منصفة بحق، وهي من الضرورة بمكان للتعبير عن مصيرٍ مؤلم بلغناه. وهؤلاء الثوار جميعهم هم مسببوه، ناهيك عن أن قواميس اللغة حافلة بهذه المفردات، و"لسان العرب" واحد منها.

إذاً ها نحن من جديد وقد انحرفنا إلى الشرق من الدامور، عبر مرتفعات غنية بأجمل الأحراج باتجاه بلدة كفرحيم، فـبيت الدين. الملفت في هذه الطريق أنها مضاءة ومعبدة بمواصفات عالية خالية تماماً من الحفر. كيف لا ووزراء الأشغال العامة كانوا ولفترات طويلة من الشوف وأبناء هذا الإقليم.

هذه منطقة حباها الله نصيباً وافراً من عنايته، وعناية الوزراء الميامين. لا تقل أبداً عن جمال منطقة التوسكانا في إيطاليا التي نُفِيَ إليها في الماضي البعيد الأمير فخر الدين المعني الكبير، بعدما حكم إمارة الشوف، وسائر إمارات ساحل بلاد الشام، بين يافا في فلسطين الغائبة عن البال، وطرابلس المضطربة في شمال لبنان هذه الأيام.

حكم فخر الدين هذه الإمارات الواسعة، باعتراف الدولة العثمانية بسيادته على المناطق، التي ازدهر اقتصادها بفعل التجارة مع منطقة التوسكانا في إيطالي. يصدرون البنادق والمدافع إلى فخر الدين، ويستوردون منه الحرير والزيت والصابون. لكن أحد سلاطين بني عثمان اعتبر أن فخر الدين بات يشكل خطراً على الدولة العثمانية، وحينما اشتد حصار الأتراك على الأمير، اختار لنفسه المنفى في التوسكانا.

بيت الدين لبنانلكن الأمير بشير الشهابي الكبير هو من بنى القصر في بيت الدين، حيث يجري مهرجان اليوم وجرَّ إليه الماء من نبع الصفا بمشورة أخْوَتْ (مجنون) من بلدة شانيه، حينما دخل بلا استئذانٍ على الأمير، وكان يعقد اجتماعاً بالمهندسين المكلفين جر المياه إلى بيت الدين، فأسكتَ الجميع، واقترح على الأمير أن يفض الاجتماع ويطرد المهندسين المكلفين دراسة المشروع، ويلجأ إلى العمل بالسخرة فيحفر كل مواطن مقدار قامته في تنفيذ المشروع. هكذا اقتنع الأمير فأنهى الاجتماع ولجأ إلى خيار المجنون وهكذا أيضاً عن طريق "الأخْوَتْ" تحقق حلم الأمير، لينعم القصر بالماء الوفير، والحمَّامات البديعة والحدائق.

كمال جنبلاطوللأمانة التاريخية، لا يجوز الحديث عن منطقة الشوف عموماً ودير القمر وبيت الدين والمختارة، بل لا تجوز أصلاً زيارة الإقليم، دون الحديث عن الزعيم الاشتراكي كمال جنبلاط. طيب الله ثرى الرجل، فقد كان يختزن في فكره وقلبه الكثير من الفلسفة والدين والمحبة والأخلاق النبيلة، بل يختزن أبهى صور الإنسانية وأسمى معانيها. وعلى الرغم من شهاداته وخبرته في مجال الحقوق والسياسة والاقتصاد والأدب، إلا أنه كان شغوفاً بالعلم. أنشأ بوسائله معملاً للكيمياء وحصل على "السود كوستيك" لصناعة الصابون، بواسطة آلة اخترعها لهذه الغاية. درس الحقوق والاقتصاد، وكتب في الأدب والفلسفة، وكان يتقن الإنكليزية والفرنسية بالإضافة إلى العربية ويلم بلغات مختلفة أخرى. كان مقلاً في غذائه يميل إلى النباتية، ويقضي معظم إجازاته في الهند حيث تتاح له فترات طويلة من التأمل والصلاة. خلاصة القول: إن كمال جنبلاط مثل غاندي، مجموعة من العباقرة في رجل واحد، كما أراه، ويراه الكثيرون.

كأنــَّـما جبلُ الباروكِ أذهـَـلَـهُ --- أن تنحني، فمشى في يومكَ الشجرُ
والأرْزُ أفلتَ من حُرّاسـِـهِ ومشى --- وفي ثناياهُ من جرحِ الردى خدرُ
لما هـَـوَيـْـتَ هوى من بُرْجـِـهِ بـَـرَدى --- وبانكسارِكَ كان النيل ينكسِرُ
والمشرقُ العربيُّ الحزنُ يغمـُـرُهُ --- عليكَ، والمغربُ الأقصى به كـَـدَرُ
كأنما أمـّـةٌ في شخصكَ اجتمعتْ ---- وأنتَ وحدك في صحرائها المطـَـرُ

(شعر: شوقي بزيع. غناء: مرسيل خليفة)

لأنني لم أخسر وقتي في رحلتي، فاستثمرته في السكوت والتفكير والتدوين، ونحن في الطريق إلى بيت الدين. بات من العدل والإنصاف أن ألقي تحية إكبار على بعقلين وسعيد تقي الدين تليق بمكانة البلدة، وحجم هذا الأديب الكبير، لكن الملفت في أمر هذا الرجل، أن ينجح في الكتابة والتجارة معاً، فحينما هاجر إلى الفيليبين إبان الحرب العالمية الثانية، جنى أموالاً طائلة من التجارة بددها على الهوى. في الفيليبين اعتقل الكاتب وسجن هناك من قبل الجيش الياباني، فدوَّن بعضاً من سيرة حياته "رياحٌ في شراعي". كتب المقالات أيضاً والقصص القصيرة الساخرة ونشر معظمها في بيروت والشام ومصر، ومنها "غابة الكافور".

سعيد تقي الدينترك سعيد تقي الدين آثاراً أدبية جليلة ومجموعة من المسرحيات، لعل أبرزها "لولا المحامي"، و"نخب العدو"، كما في "كاسك يا وطن"، لمحمد الماغوط ودريد لحام، وهو أول من استخدم تعبير "كل مواطن خفير". أدخل الكثير من المصطلحات والمفردات فأثرى اللغة بالكثير من التعابير المحلية المستحدثة. آمن بسوريا الكبرى وفكر أنطون سعادة القائل: "إذا لم تكونوا أحراراً من أمة حرة، فحريات الأمم عارٌ عليكم". وحين أعدم أنطون سعادة "الزعيم" رمياُ بالرصاص، كتب سعيد تقي الدين كلاماً وجدانياً بحجم التاريخ، وتحدث بلا التباس عن مواسم القحط المقبلة إلى كل الديار.

ما زال الوقت يتسع لمزيد من التفكير والحديث والتدوين عن "الكاتب" قبل أن نبلغ بيت الدين. هذا الرجل الساخر، حملني على الابتسام حتى تراءى لزوجتي في غفلة مني أن مساً من الجنون أصابني، حينما كنتُ أبتسم بلا دواعٍ ولا أسباب، وأنا أستذكرُ في خيالي سعيد تقي الدين، وهو يكتب إحدى مسرحياته حينما انقطعت الكهرباء عن منزله في بعقلين في ساعات المساء الأولى، فترك مكتبه إلى الشرفة حانقاً متجهماً وهو يلعن شركة الكهرباء، داعياً عليها بالخراب. وعندما عاد إلى الداخل، كان وجهه يشرق بالابتسام، حينما سألته ديانا، ابنته وأشهر من عزف على البيانو، عن سر هذا التبدل المفاجئ، قال لها باسماً: في دير القمر الكهرباء مقطوعة أيضاً.

بلغنا المحطة الأخيرة من الرحلة. قادتنا إليها إشارات على طول الطريق تسهل الوصول بلا سؤال أو جواب. هكذا وجدنا أنفسنا فجأة في موقف للسيارات تشرف عليه الشرطة، حيث تنتظر الوافدين إلى المهرجان عربات تنقلهم إلى القصر. كنا بضعة أشخاص لا يزيد عددنا عن العشرة فلم ينتظر السائق مزيداً من القادمين، لأن المهرجان كان قد ابتدأ منذ بعض الوقت، فأصوات الموسيقى كانت تتناهى إلينا من بعيد.

مدخل القصر إلى الباحة الخارجية، يتسع بلا عوائق لمرور قافلة من الخيل والجمال، أو شاحنة عملاقة تسير بست عجلات، وهذه الباحة كانت تقام فيها الاستعراضات وألعاب الفروسية. بعض أقسام القصر تحول إلى متحف لمختلف الملبوسات والأزياء زمان الإمارة، ويغلب عليه الطابع الحربي. دخلته مرة واحدة لم تتكرر، فأنا ممن يشعرون بالتقزز من منظر الخناجر والسيوف المعروضة التي سفكتْ دماءً، فظلمتْ ونالت كثيراً من رقاب بني البشر، فلا نقتني في مطبخنا إلا سكاكين تقشير الفاكهة والبصل.

الأمير بشير الشهابي الكبير هو من بنى القصر، فنقل الإمارة من دير القمر إلى بيت الدين، وتعاقب على إشغال القصر لاحقاً العثمانيون الولاة، والمتصرفون، حتى السلطة الفرنسية شغلته غداة الحرب العالمية الأولى. هذا الصرح ملفت بجمال بنائه. حجارته قُدَّتْ من مقالع الصوان في لبنان. في كل حجر من حجارته حكاية حزينة بلا ريب، بفعل الإقطاع على الإقطاع وعمال مهزومين لا حول لهم ولا قوة. يذكر بالظلم وشيم النفوس في فلسفة المتنبي وشعره.

زخرفته الداخلية حملتها إليه أيدٍ من الشام، وبعض أصناف الرخام استقدموه من فلورنسا في إيطاليا. استغرق بناء القصر بقاعاته وأبراجه سنوات طويلة تتجاوز الثلاثين، وهو مشهور بحدائقه وحماماته. أما الأمير بشير الشهابي الكبير، فهناك من تجرأ عليه في نهاية عهده بالقصر، في واقعة مستنكرة ليست متداولة، حينما نفاه الأتراك إلى مالطا فاستانبول، قام أحد مناوئيه بشده من شاربيه المشهورين، ورماه عن ظهر الجواد في باحة القصر.

عيب الإعداد للمهرجان بدا واضحاً في قلة التنظيم، وفي شبكة العارضات المعدنية لإقامة المدرج المستحدث لجلوس المشاهدين ، والمنظر من باحة القصر في العموم منافٍ لفخامة المكان التراثية، ويشكل صدمة حقيقية للعين والذوق.

أحيا الحفلة في ظل هيمنة "التغريب" على ثقافتنا، وريث سلاطين الطرب حَمَامْ خيري، فغنى بكفاءة ناظم الغزالي، واثقاً من نفسه، مرهف الإحساس رخيم الصوت مميز الحضور، يرافقه تخت يضم عشرين عازفا أو أكثر على مختلف الآلات الشرقية. هذا المغني الحلبي الموهوب رافق أديب الدايخ، وتعلم على يدي صباح فخري، وصبري المدلل، والملحن الشهير عمر البطش. لكن الحكي عن المَغْنى والطرب يستدعي بالضرورة أن أشهد بأن وديع الصافي يشكل بالنسبة لي أجمل صوتٍ في الكون، وأنا أعي وأعني تماماً ما أقول. هذه قناعتي ولا أمليها على أحد، وأن حمام خيري أيضاً يماثله، ويماثل ناظم الغزالي بفارق بسيط.

غنى حمام خيري الموشح والقدود الحلبية، والمواويل وقصائد الغزل، وزمان الوصل بالأندلس. هاتِ كأس الراح، واسقني الأقداح، وبين اللميا واللما، والليل عليَّ طال، ثم غنى ابعتلي جواب وطمِّني، ومن التراث المصري يا بهجة الروح، وذاتَ الخمار الأسود. وتمكن من التحكم في عواطف المتفرجين السامعين. لكنه أصابني بانتكاسة عاطفية موجعة، أثارت نقمتي على نفسي وندمي على حضوري، وهو يغني "يا مال الشام يالله يامالي" وأنا أسمع وجيب لحمِها العاري يستغيث على لسان سعيد عقل:

"سَكِرَ" الشَّرقُ فيا شـامُ اسكُبي --- واملأي الكأسَ لهُ حتّى الجَـمَامْ
فأنا لو رُحْتُ أستَرْضي الشَّذا --- لانثـنى لُبنانُ عِطْـراً يا شَـآمْ
وَجِعَتْ صَفصَافـةٌ من حُزنِها --- وعَرَى أغصَانَها الخُضرَ سَقامْ

(غناء: فيروز)

الشام: باب الحارة والقناديل المضاءة، شام النجوم وحواري الياسمين. بردى يروي الأزهار العطشى على ضفتيه. شام الدمعة الصادقة في عيون المحبين، شام القيثارة وصنابير المياه في الطرقات. شام المعري ونزار قباني، ورشيد سليم الخوري وبدوي الجبل وسلطان باشا الأطرش. شام عمر أبو ريشة وجول جمال، وأبي فراس، وديك الجن الحمصي، وغوّار. شام "التاريخُ من فضلتهم". كان ينبغي للمغني أن يندبها ويبكيها وهي تغرق في دماء أبنائها، فسلطة بلاده لديها ما يكفي من وسائل القتل والخراب، ولا يحتاجُ الآخرون إلاّ إلى المزيد من الأسلحة والمال والتحريض لتكتمل المأساة.

لكن سرعان ما تبددت الغيوم وهذه الخواطر الحزينة، وصرفتني جارتي عن الغصة الطارئة، فأنا أيضاً مهزوز في عواطفي وتفكيري، ومن أبناء هذه الأمة الغائبة عن واقع ما يجري. لكنها ستنجح يوماً وتعود إلى وعيها وتتجاوز محنها ومآسيها. هذه حتمية التاريخ.

هكذا غزا الحماس جارتي، واستبد بها الطرب، فقامت ترقص بردفين بارزين يثيران الشوق والرغبة في النفوس المنكودة. لكنني وليت وجهي جانباً خجلا من زوجتي وابنتي ومن الشام، وأنا أستلهم رحمة واسعة لابن أبي ربيعة وهو يقول:

إذا جِئتَ فامنحْ طرفَ عينيكَ غيرَنا --- لكي يحسبوا أنّ الهوى حيثُ تنظرُ

ثم سرعان ما تفشت عدوى الرقص إلى الحضور إناثاً وذكورا فالتهبتِ القاعة بالصخب وغابت عن البال دماء الشام ومآسيها.

جفاني النوم بعد عودتنا بساعات على منتصف الليل، فقلت في نفسي لم لا أكتب عن انطباعي في الباقي من ليلة كهذه. وما إن باشرت الكتابة، حتى تذكرت مريم من القدس، حينما طالبتني مرة أن أكتب عن مدينتها التي تشرفني، عن القدس، وقد قرأتْ مقالتي "بينهما خبزٌ وملح" عن إيطاليا على صفحات "عود الند" (العدد 62).

أرجو أن يسعفني عمري بالحضور إلى القدس يوماً لأحقق رغبتها، أو أخيب أملها فيكون الله قد استعاد وديعته مني وحال بيني وبين زيارة سيقوم بها غيري. مهما يكن الأمر، فأرجو أنني نجحتُ في هذه العجالة وقلتُ ما يليق ببيت الدين، والشام، والأخوة والأخوات قراء وقارئات "عود الند".


حفل في بيت الدين لبنان


بيت الدين لبنان

D 26 تموز (يوليو) 2012     A إبراهيم يوسف     C 12 تعليقات

6 مشاركة منتدى

  • مقالة سياحية-ثقافية ممتعة حافلة بعبق التاريخ والتراث والفن ،ومصاغة بطريقة شيقة فيهانفس وتفاصيل "ادب الرحلات" ، نخرج من قراءتها وكأناعاهدناهذه الرحلةالجميلةوكنا شهود عيان لهذه التجربة المتنوعة الذي خلط فيها الكاتب الشعر بالسياسة بالتاريخ ...


    • مهند النابلسي

      عندما يكون القصر في عداد التراث التاريخي، ومدينة "بيت الدين" تقع على الخريطة الجغرافية، إلى الجنوب الشرقي من العاصمة، وعندما يكون كمال جنبلاط، وسعيد تقي الدين، سياسي وأديب من أبناء الإقليم، وحمام خيري من الشام أو من حلب شارك في المهرجان، وتوسل الشعر والموسيقى في إداء وصلاته الغنائية.. بفعل كل هذه الأسباب، يتحول الموضوع إلى خليط من السياسة والتاريخ والجغرافيا، ومن الأدب الفن والغناء.. أو "الكوكتيل" كما أحب أن يسميه صديق آخر، وعندما تشهد لمصلحتي فلا أرى في الأمر ما يضير.

  • الأستاذ الفاضل إبراهيم يوسف
    بخلاف النصوص الأخرى، عدت إلى هذا النص مراراً، فهو زاخر بالأحداث والأسماء والمعلومات..
    ووجدتني أبحث بين الكتب وفضاءات الإنترنت عن إجابات لأسئلة حيرتني، بدءاً من عنوان النص الذي أثار استغرابي، حتى علمت أن ( القدود الحلبية) هي منظومات غنائية أنشئت على أعاريض وألحان دينية أو مدنية، بمعنى أنها بُنيت على قد ، أي على قدر أغنية شائعة إن لم أكن مخطئة!. ..

    وحديثك عن شخصيات من أبرزها الأستاذ كمال جمبلاط واهتمامه بتطوير الصناعات في بلده حين أنشأ المعمل الكيميائي وصب الآلات و ركبها بنفسه، ليستخرج (الصودا الكاوية) والتي تعتبر أساس في صناعة الصابون.
    واهتمامه و مناصرته للقضية الفلسطينية،وحكمته، ومصاهرته لأمير البيان.

    أبهرتني أيضا كلماتك العذبة الجميلة التي قلتها في الشام وروح الإنسانية التي تخللت حديثك عن دماء الشام و مآسيها.
    النص كان يجب أن يكون كتاب..كتاب يرجع إليه الجيل القادم ويستفيد منه.

    أسأل الله عز وجل أن يحقق أمانيك، ويرزقك ويرزقنا زيارة لقدسنا الغالية الحبيبة، ويحقن دماء أخواننا، ويحفظهم في فلسطين، والشام، ولبنان وفي كل مكان.


    • أشواق مليباري- ألسعودية

      أشكر حشريتك في البحث والتنقيب.. فمن يسمع عن القدود الحلبية يتراءى له أنها قامات النساء الرشيقة، وهو تفسير خاطىء، ما تفضلتِ بقوله هو الصواب.. فالَقَدْ تعني القياس أو القدْرْ، وهي منظومات غنائية وألحان، لها علاقة وثيقة بالتجويد والأصوات الرخيمة في الإداء.

      أشكرك مرة أخرى على الاهتمام وتعاطفك مع الفقرة التي تناولت فيها الشام.. فالشام حفرتْ نفقاً في القلب. أحببتها كما أحببتُ أمي وأهلي، ولا أطيق أن تموت أمي مرتين.

      "على المناديل من "أوجاعِها" عبقٌ
      وفي المواويل من "أحلامِها" قَمَرُ"

      فلنلملمْ جراحنا ونتآخى ونمضي من جديد يداً بيد وقلباً على قلب، وأملاً كبيراً لم يضع بعد.

  • الاستاذ ابراهيم يوسف:
    "القدود الحلبية" فعلا قد يعتقد من لم يتعامل مع الكلمة من قبل أنها قدود نساء،ويظن لاول وهلة انك ستنتهي بنا في بيت الدين الى حفل راقص او عرض أزياء لشقراوات حلب.

    لكن مع انسياب النص، وجدت نفسي في رحلة استطلاعية سياحية ماتعة، تعرفت خلالها على الدامور و النبعة و كفر الزعتر وكفرحيم و اقليم الشوف. ونبذة عن السياسي كمال جنبلاط والاديب سعيد تقي الدين و الامير بشير الشهابي وتاريخ بناء القصر.

    لتنتهي بنا الى مهرجان غناء، وما اكثر المهرجانات في بلادنا العربية، هي أكثر عددا من المؤتمرات العلمية والملتقيات الفكرية.
    وذكرتني انتكاستك العاطفية الموجعة عند ذكر الشام، بما حدث عندنا في مهرجان"تمقاد" السنوي، وقد أقيم هذا العام بمناسبةاحتفالية عيد الاستقلال الخمسينية، حيث قام الجمهور الحاضر جماعيا بطرد أحد الفنانين المرموقين من الحفل لان مواضيع أغانيه لم ترق لهم ولم ترقى الى مستوى المناسبة. والشباب في الاصل كان مشحونا وناقما على اقامة المهرجانات والدفع بسخاء وبالملايير لهؤلاء الذين يرقصون على جوع الجياع وعري المعوزين و بطالة البطالين. شباب الامة ليس غائباعما يجري، بل مغلوب على امره.الظرف ليس بالظرف، والله في شوارع مدننا الاخوة السوريون يتسولون.

    اما اجمل ما وشحت به نصك..جغرافيا لبنان..الرازحة بين الجراح..جرح فلسطين الغائر في الجنوب..وجرح سوريا من الشرق..وجرح بداخلها مازالت آثاره تنزف عبر هذا المسلك الذي سلكته بنا..رغم قصره.

    أرجو ان تكون بصحة وعافية وكل عام وانت بخير.


    • ألسيدة زهرة- ألجزائر

      ما يميز السيدات الحلبيات بياضهن وبدانة ملحوظة مفعمة بالرقة والرضى، لسن شقراوات ولا يقمن بعرض الأزياء. الأمهات ينصحن أبناءهن بالزواج من الحلبيات..؟ فالسيدة الحلبية وديعة مثقفة أنيقة لبقة وحلوة، تتقن فن الطبخ، تهيم بزوجها وتعتني كثيراً بتربية الأولاد.. سيِّدة بيت بكل المعاني واستثناؤها نادر.

      والدامور مدينة ساحلية.. قبل أن يغزوها الحديد والإسمنت المسلح، كانت غنية ببساتين الحمضيات. بلغتنا رائحة زهر الليمون ونحن في حوامة فوق الدامور على علو آلاف الأمتار.

      وزمن الرخاء؛ كانت المهرجانات الأهم تقام عند هياكل "مدينة الشمس" بعلبك، إلى الشمال الشرقي من بيروت العاصمة، والمدينة مشهورة عالميا بقلعتها ومعبديّ "جوبيتير" كبير الآلهه، "وباخوس" إله الخمر، حيث كانت تقام المهرجانات الأهم، فتشترك غالباً في إحيائها فيروز وصباح ووديع الصافي ونصري شمس الدين، وفيلمون وهبي، والكثير من فرق الرقص الشعبي، وبعض الفرق الأجنبية كانت تأتي إليها لتقدم الأوبرا والمسرحيات.. كل ذلك كان يجري على التوالي في كل السنوات..؟ حتى أقبلتِ الحرب الأهلية إلى لبنان.. ثم أقبل الربيع العربي إلى "كل" الديار.

      كان الكرز والمشمش من الثمار المميزة في المدينة، (مشمش بعلبك ما استوى( نَضُج)، لولا استوى جِبْنا لِيكِ).. والفراعنة أكلوا فاكهة من بعلبك. أطلقوا الحمام الزاجل من مصر عند الفجر فبلغ بعلبك بعد الضحى، حيث علقت حبتا كرز أو مشمش في رجلي كل حمامة.. ثم أطلقوا الحمام في طريق العودة، ووصل الحمام عصراً إلى مصر ، قبل أن ينتهي الفراعنة ومدعووهم من الطعام.

      بعد آلاف السنين فحَّتْ في بعض الأمكنة من الأهرامات رائحة الأرز، عندما اكتشفوا عربات فرعونية مصنوعة من هذا الخشب.

      بعد حرب أهلية دامت طويلا، وكلفت كثيرا جداً، هذا ما بقي من وجه لبنان المشرق الأخضر.. لو أنفقوا على التنمية عُشْرَ ما أنفقوه على الحرب لما جاع لنا إنسان وعشنا في رخاء ونعيم.. والزوايا المظلمة كثيرة لكنني لن أسلط عليها النور، فقد استقطبها وتكفل بها من نأسف اليوم لسوء أحوالهم، وليس من ضمنانة في حدِّها الأدنى لكي لا تنعكس وتعود إلينا من جديد.. فمن لم يمت بعد..؟ لم يرَ من مات..!

      في متن النص المنشور بعض الإشارات إلى قصائد مغناة، والتفتيش عنها على النت "واليوتيوب" مسألة بسيطة وسهلة.. فلندعِ الأحزان جانباً يا سيدتي، لأن الأغاني ممتعة وجديرة حقاً بالسماع.. فالكلام الوجداني الجميل؛ قناديل نور وأمل في ليل هذا العالم المشرد المتنافر القبيح. شكراً لك يا سيدتي والشكر للأستاذ عدلي تتسع مجلته ويتسع قلبه لكل ما أهذي به.

  • بين الشام وحلب..ينهمر الوجع..
    القدود الحلبية..لأن حلب مشهور اهلها بحب البسط والفرح والطرب ويقال عنها"حلب أم المحاشي والكبب وأهل الطرب ومدينة العلماء والأدب"
    في حلب للفرح طقوس..وأزمنة.. يمتد طويلا..ناثرا البهجة والسرور..
    في حلب مجالس للعلماء والأدباء ومريدون وتلاميذ..
    والآن في حلب صمود وصبر وثقة بأن فجرا سيلوح وعيدا سيبسم..
    أشكركم أستاذ ابراهيم..تجوال يثير الشجو والحنين..
    وكل عام وأنتم بخير


  • الأستاذ الأديب المبدع ابراهيم يوسف
    موضوع سردي جميل وممتع يناسب أسلوبك بالتصوير والتعليق والشرح وخوض المتعلقات من أقوال وأشعار وكلمات أغاني بما يناسب موضعها.. أسلوب ماتع وممتع شدني بنشوة الاستذكار وترك خيالي يسرح مع ذاكرتي للمكان كما أعرفه مسبقاً واحتفر موقعه في ذكرياتي خلال سفراتي المتكررة للبنان، ومنظر غابات الأرز على جبال لبنان بجمالية تكوينها صيفاً وشتاءاً، ولجبل القمر وقصر بيت الدين والطريق المتعرج الجبلي ومتحف الشمع وقصر يوسف اللذان يقعان على الطريق لبيت الدين، وصالات القصر وحماماته وساحاته ونوافيره وأقواسة والسقوف الجملون وتلك الجلسة المطلة على شرفته التي جمعتنا مع دليل القصر ورحنا نستمع لقصص باني القصر وطريقة عيش سكانه حكام الجبل والشخصيات العالمية التي زارت المكان.. لقد أعدت الي ذاكرة جميلة للمكان والأحداث والشخصيات بأسلوب رائع بحق.. حين ابتنى عبد الملك بن مروان مسجد الأقصى ومسجد الصخرة المشرفة أحضر البنائين من لبنان من صيدا تحديداً وفلسطين والمهندسين من دمشق والمغرب ونقل خشب الأرز اللبناني إلى القدس ليستخدم في البناء وصنع الأبواب والنوافذ، وأحضرت الفضة والذهب التي طعمت أبواب المسجدين وقبة الضخرة من الشام ولبنان والعراق والمغرب، فكانت الأبواب تحفة فنية جميلة تناسب فن العمار الداخلي وزينته.. والمسجد الأقصى اليوم لم يبقى على ما كان عليه حين تم بناؤه، فقد أصاب المنطقة بعد حوالي أربعين عاماً هزة زلزالية قوية أطاحت بقسم كبير من مبنى المسجد في وقت خلو الخزينة من المال التي استهلكت في بناء المسجدين وترميم المسجد الأموي والفتوحات، فنزعت الفضة عن الأبواب ودواعم الداخل الخشبية واستخدم ثمنها في اعمار المسجد ولك أن تتخيل حجم الفضة المستخدمة لتكون داعماً في توفير مال اعادة البناء، واضطروا لتقليص عدد أقواس واجهة مسجد الأقصى من خمسة عشر قوس إلى سبعة أقواس، كما هو الآن.. والقدود الحلبية فن غنائي جميل وله شعبيته عندنا في عمان


    • هيام ضمرة

      كنتُ معطل الإرادة بفعل هشاشتي، فلم أقرأ ولم أكتب لأيام، ولم أقم بأي عمل مفيد.. تغيَّرَ الزمن يا صديقتي، وتغيرتْ معه الدرب إلى جبال القمر وجفناتِ العنب، وتحوَّلَ ما كان مورقا وأخضر إلى مقالعَ وكسارات، ونقود مصرفية في حسابات الفاسدين..

      لكنه الأمل يستمرُّ ما استمرتِ الحياة عينها، فالإنسان سيدعو إلى المحبة من جديد، فيزرع ما انقطع؛ ويعيد بفكره وقلبه ما تهدم، ويحطم بيديه آلة القتل والدمار.. ألحياة عقيمة وجافة وموحشة عندما تفيض بالقسوة والدماء، وتخلو من الرحمة والمحبة.. ستشرق الشمس من جديد يا هيام بلا دماء أو دموع، ويعود النحل يجني عسله من جديد .. وتعود معه أحلى المهرجانات.

  • أستاذي الفاضل:
    مادامت الطريق ليست بعيده من بيروت والدامور؟وأنا واثقه أننا سنلتقي يومآ في القدس في زهره المدائن,تعانق الكنائس القديمه وتمسح الحزن عن المساجد
    القدود الحلبيه باقه ملونه بعبق التاريخ والتراث والسياسه.بالشعر والغناء والإناره الخلابه من خلال الصور المرفقه بالموضوع...
    آلمني يا صديقي كما ألمك ما يحدث لسوريا ..سوريا دمعه في العين ,وجرح نازف في القلب ,آثاره باديه على الوجه وفي اليدين , أما لهذا النزف أن يتوقف ..؟أما آن لله أن يتدخل ..؟
    أشكرك


    • مريم من القدس

      لم أتناول طعاما كافياً بالأمس وتقيأتُ ما أكلت، ولم أبكِ ولم أتمكن من متابعة الأخبار بعد المجزرة الرهيبة..

      سيتوقف النزف يوما بعد زوال الأسباب.. لكن المشكلة الأكبر ستنحصر فيمن ارتكب المجازر بهذا الحقد والوحشية.. كيف سيجد لنفسه مكانا بين الناس الأوادم..!؟ أو لعله يتحول إلى مكان آمن آخر ليمارس هواية الذبح من جديد..! ألله خلقنا يا سيدتي ويحاسبنا ولن يتدخل.. ويبقى أضعف الإيمان الكلام.