عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 7: 72-83 » العدد 75 » كلمة العدد 75: عن معايير حقوق الإنسان

عدلي الهواري

كلمة العدد 75: عن معايير حقوق الإنسان


عدلي الهواريثمة جدل في الأوساط الأكاديمية وغيرها حول معايير حقوق الإنسان، فهناك من يريدها عالمية، وآخرون يريدون أن يترك أمرها لكل بلد أو ثقافة.

ينطلق بعض مؤيدي التنوع في معايير الحقوق من رفضهم للهيمنة الثقافية، وتحديدا الغربية، والحرص على التنوع الثقافي في العالم. ويبدو هؤلاء محقين في وجهة نظرهم عندما تستخدم حقوق الإنسان كذريعة تبرر التدخل في شؤون الدول الأخرى، إلى حد التدخل العسكري وتغيير النظم الحاكمة، وفي الوقت نفسه يتم السكوت عن انتهاكات حقوق الإنسان بمقياسها العالمي والمحلي في الدول التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع مستغلي فكرة حقوق الإنسان.

على سبيل المثال، أثناء الحرب الباردة وقبل انهيار الاتحاد السوفييتي كانت الدول الغربية ترى انتهاكات حقوق الإنسان في الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية، ولا تراها في دكتاتوريات أميركا الجنوبية وغيرها.

ورغم الهالة التي تحاط بها المعايير العالمية لحقوق الإنسان، إلا أن تطبيقها منظم بقيود قانونية، تجعلها بلا قيمة فعلية لو سمح باستغلال القانون لإفراغ الحقوق من محتواها، وهذا ما يحدث فعلا حتى في الدول الديموقراطية، ولذا فإن المحاكم المختصة بالبت في انتهاكات الدول لحقوق الإنسان، كالمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان، تؤكد على أن الحالات التي تجعل القيود على ممارسة حقوق الإنسان ضرورية في المجتمع الديمقراطي حالات قليلة، وهي دائما أقل من الحالات التي تسعى فيها الحكومات إلى تقييد ممارسة الحقوق.

وثمة رأي يرى أن الدول عندما تقرر الانضمام إلى الأمم المتحدة، فهي توافق ضمنا، إن لم يكن صراحة، على احترام المعايير العالمية لحقوق الإنسان. ولكن في التطبيق العملي تلتزم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بالمعايير العالمية بالقدر الذي يناسبها، فمن الممارسات الشائعة في المعاهدات الدولية التحفظ على بند أو أكثر، كما الحال في سيداو، الميثاق المتعلق بمنع التمييز ضد المرأة.

بعد أن بينت أن المبدأ والممارسة لا يسيران جنبا إلى جنب، أود العودة إلى النقطة الجوهرية في الموضوع وهو المقياس: هل يجب أن يكون عالميا، أم مختلفا حسب البلد والثقافة؟ في رأيي أن من يعتقدون أن المعيار العالمي يعني هيمنة ثقافية مخطئون. وسوف أوضح أسباب اختلافي مع هذا الرأي.

للمنتمي إلى شعب أو ثقافة أو دين ما حقوق وواجبات، وبالتالي فإن احترام هذه الحقوق تبعا لهذه الانتماءات حق أصيل، ورغم ذلك يتم انتهاك هذه الحقوق بذريعة اختلاف الحقوق المحلية عن الحقوق العالمية.

لرفض الهيمنة الثقافية وجوه عديدة، منها السياسي والاقتصادي، وفي مقاومة الهيمنة في هذين المجالين ما يكفي للحفاظ على التنوع الثقافي المرغوب عالميا، فالتنوع الثقافي الذي يرحب بمطاعم ومقاه وأشياء أخرى كثيرة غربية ويتمسك بالعصبيات المختلفة تنوع ثقافي مزيف.

معايير احترام الحقوق اختلفت على مر الزمان. عندما بدأ طرد العرب والمسلمين واليهود من إسبانيا، اختار الكثير من اليهود العيش في العالم الإسلامي لأن معايير احترامه للحقوق كانت أفضل من معايير الدول الأوروبية آنذاك. أوروبا تقدمت، وتقدمت أيضا معاييرها. ولذا، ليس هناك ما يمنع تطور معايير الحقوق في الدول غير الأوروبية ودون أي ضغط من الخارج.

العالم هذه الأيام منفتح، ولا يستطيع أحد أن يغلق مجتمعه. في الماضي كان ذلك ممكنا، فما على نظام الحكم إلا أن يقيد السفر من البلد وإليه، ويظل المجتمع في حالة جمود مئات السنين. هذا غير ممكن حاليا، خاصة في عصر دخول التكنولوجيا في كل شيء.

بناء على ما سبق، من الأفضل لمن يرفض المعيار العالمي الحالي لحقوق الإنسان أن يقدم للعالم معيارا أفضل، فيصبح المعيار الجديد هو المعيار العالمي، فتصبح الدول الغربية مطالبة باحترامه، وعندئذ ستكون حجتها واهية إذا رفضت بذريعة الاختلاف الثقافي.

مع أطيب التحيات

عدلي الهواري


مراجع للاستزادة

Beetham, D. 2004. Democratic Quality: Freedom and Rights
http://iis-db.stanford.edu/pubs/20433/Freedom_and_Rights.pdf

Humana, C. 1987. World Human Rights Guide. London: Pan Books.

Mouffe, C. 2008. Which World Order: Cosmopolitan or Multipolar? Ethical Perspectives 15(4), pp. 453-467.

Klug, F., Starmer, K., and Weir, S. 1996. The Three Pillars of Liberty: Political Rights and Freedoms in the United Kingdom. New York: Routledge.

D 25 آب (أغسطس) 2012     A عدلي الهواري     C 6 تعليقات

6 مشاركة منتدى

  • ألأستاذ عدلي الهواري

    هذا عالمٌ؛ ألحقُّ فيه للقوة.. وللضعيفِ الرسن


  • كيف يكون لكل بلد حقوق إنسان خاصة به ذات معيار مختلف ؟ أليس الإنسان هو نفسه في كل العالم ؟ لا يجب اغتصابه أو ضربه في السجون او تركه بدون علاج .ربما يكون الاختلاف فقط في عقوبة الإعدام فيما إذا كانت تطبق أم لا وبالأساس هذه العقوبة اُعدت لشخص لم يحترم حقوق الإنسان أصلاً وتراهم حتى هذا الشخص يدافعون عنه وتخضع حياته لجدلية البقاء او الموت.في الفترة الأخيرة تمت مراعاة حقوق الإنسان حتى في طريقة الإعدام سواء بالكرسي الكهربائي ام بغيره . وبرأيي مهما بلغ تطرف الغرب في هذه الناحية إلا إنهم أفضل من العرب الذين آخر ما يفكرون فيه هو حقوق الإنسان وفي حال تطبيقها فان الهم الأوحد هو من منظمات الإنسان وليس من المواطن نفسه في ذاك البلد.
    واتفق مع الأستاذ عدلي الهواري في انه لايمكن عزل الدولة الآن بوجود التكنولوجيا و أقول انه أيضاً قل الاعتداء على حقوق الإنسان بسبب التكنولوجيا ففي ثوان يعلم العالم كله ماجرى في إحدى المدارس من ضرب للأطفال بسببه تم إحالة المسئولين عن المدرسة الى التحقيق ...واتخذ الآخرون الحيطة ولو لحين .
    أما كون هذه المنظمات تتخذ حقوق الإنسان ذريعة للتدخل في شؤون دولة اخرى فهذا صحيح ولكن بشكل نسبي فهي إذا أرادت التدخل هناك ألف حجة وذريعة غير حقوق الإنسان ،فالحرب على العراق قامت بسبب فرضية وجود أسلحة جرثومية وبايولوجية وتبين بعد سنوات ان لا أساس لها من الصحة .ففي جعبتهم الكثير من الحجج غير الإنسان والحيوان لو شاءوا التدخل .ولكن يبقى تطبيقهم لحقوق الإنسان والطفل أفضل بكثير من أنظمة الدول العربية التي غالبا ما تضع للعرف أولوية على حقوق الإنسان حتى لو أدى هذا إلى إزهاق روحه أو روحها بحجة خروجهما عن الدين والأعراف المتبعة وكلاهما هي وهو بالنهاية ..إنسان.


  • الأصل أن لا اختلاف بين المعايير العالمية والوطنية لحقوق الإنسان، وتبقى هناك خصوصيات لكل دولة بحكم العادات والتقاليد.
    وكما تفضل أستاذنا فإن المبدأ والممارسة لا يسيران جنباً إلى جنب، فهناك مصالح وغايات وصفقات، فأميركا تغض الطرف عن دول تنتهك فيها حقوق الإنسان علانية مراعاة لمصالحها، وفي المقابل تدب الصوت لانتهاكات بسيطة هنا وهناك.
    وحقوق الإنسان تنتهك من أميركا نفسها بصورة صارخة، فلا تطبق بشكلها المطلوب إلا على بعض مواطنيها، بينما ترعرع العنصرية والتمييز فيها وإن بشكل خفي، بينما لا وجود لأي حق إنساني لمن تعاديه، فحقوق الإنسان اختفت على يد المحتل الأميركي في العراق وفي أفغانستان وغيرها.
    للأسف أن حقوق الإنسان توظف توظيفاً سياسياً قذراً، والدول التي تنادي بها لا تفعل ذلك إلا لتحقيق مصالحها فقط.
    ويبقى أننا وفي كل الأحوال يجب أن نطالب بحقوق الإنسان لكل إنسان في كل مكان مهما كان جنسه أو لونه أو معتقده، وقبل ذلك وبعده يفترض أن تصدق سلوكياتنا أقوالنا وإلا استوينا وإدعياء حقوق الإنسان.
    كل الشكر للدكتور عدلي إثارة هذا الموضوع المهم.


  • أولا شكرا للدكتور عدلي على ما أثاره لقد أحالني على ما قاله يوما أنطونيو غالا صاحب العمل الروائي الباذخ الذي يستعيد حياة العرب في الأندلس " المخطوط القرمزي" جاء في مقدمة الرواية حوار صحافي أجري معه عن الثقافي ، قال : كان في العالم سيدة و خادمتان السيدة هي الثقافة و الخادمتان هما السياسة و الاقتصاد ، و قد استولت الخادمتان على كرسي السيدة الثقافة .و وظيفتنا نحن المثقفين اليوم هي أن نعيد السيدة الثقافة إلى الكرسي و الخادمتين إلى عملهما
    يبقى سؤالي : أية سياسة واضحة المعالم في العالم العربي يمكن التصدي لها ؟؟... و هل هناك فعلا اقتصاد وطني ؟؟ أم أن القضية قضية أسواق و أحزاب عائلية أسرية بالأساس ، لا يعنيها الشأن الثقافي ، و حتى المؤسسات اتحادات أو غيرها عندما تتبنى الثقافي ، فإنها تتبناه لغرض ما ، أعتقد أن المثقف الحقيقي في العالم العربي لا يمكن أن تغيب عليه أسماء معينة تنكبتها مؤسساتنا " الثقافية " عنوة في المغرب العالم المستقبلي الدكتور المهدي المنجرة و الفيلسوف الأديب الروائي الشاعر الدكتور محمد عزيز لحبابي صاحب من الكائن إلى الشخص و الذي يعمل أدباء كبار اليوم في ألمانيا على ترجمة أعماله إلى الألمانية ، أين نحن من إنصاف الحق الثقافي و نزعه من يد السوق الحزبي السياسي بعالمنا العربي ؟؟ ...


  • مقال رائع بليغ يعبر عن الواقع الأخلاقي المتردي الذي وصل له عالمنا المسكين المنكوب بالنفاق والازدواجية وكافة أنواع الصراعات الحضارية والاثنية والعرقية والدينية وحتى الاستعمارية الخفية !الغرب وامريكا تحديدا استخدمت مقولة حقوق الانسان لكي تهاجم منظومة دول المعسكر الاشتراكي سابقا في القرن الفائت ، ونجحت في فضح كثير من الممارسات القمعية وفي ابتزاز هذه الدول ، بل وفي حدوث انشقاقات خطيرة لمبدعين ومفكرين وسياسيين ساعدت تدريجيا مع عوامل اخرى جوهرية على انهيار هذا المعسكر في تسعينات القرن الماضي !مازال الغرب اللأخلاقي المنافق يستخدم هذه الحجة ضد خصومه السياسيين وبانتقائية فاضحة مكشوفة ، والفرق هنا أصبح جليا في وعي الشعوب المتنامي وفي وسائل الاتصالات والدور الهائل للانترنت والفضائيات ، وأصبحت اللعبة مكشوفة وفاضحة تتمثل في ازدواجية المعايير ، والسكوت على ممارسات الدول الصديقة والحليفة وفضح الدول المارقة !يكفي السكوت على ممارسات الدولة المغتصبة اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني كمثال جلي معبر !


  • مع الاحترام البالغ للسيد عدلي الهواري صديقا عزيزا وكاتبا متمرسا، إلا أنني أرى عكس ما ترى في هذا الموضوع بالذات، فلو فتشنا عن الأسس التي وضعت لاحترام حقوق الإنسان والفلسفة التي يقوم عليها سيكون واضحا أنها كما ألمحت وقلت ذريعة للتدخل في شؤون الدول السياسية والاجتماعية وحتى الثقافية، وقد جرت على العالم وليس العربي والإسلامي وحسب مصاعب وعراقيل جمة، حتى أن تركيا اشترط عليها جملة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومنها ما يتعلق بفزاعة حقوق الإنسان، فالدول الاستعمارية الكبرى وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا، ما زالتا تستخدمان هذه الحقوق من أجل السيطرة والتدخل، فالعيب ليس بتلك المعايير والحقوق بصفة عامة العيب فيمن نصب نفسه راعيا لها، وهو أول من ينتهكها!!
    دمت بود د. عدلي