عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 7: 72-83 » العدد 75 » تدوينات فيسبوك وتويتر رجع لعقليات متباينة

فراس حج محمد - فلسطين

تدوينات فيسبوك وتويتر رجع لعقليات متباينة


فراس حج محمدما زالت ظاهرة المواقع الاجتماعية، خاصة فيسبوك وتويتر، تثير الاهتمام، ويتسع تأثيرها يوما بعد يوم، وأصبحت هذه المواقع شبه مسيطرة على وسائط الاتصال الجماهيري الأخرى التقليدية وغير التقليدية، وشكل الحضور في تلك المواقع من ضمن استراتيجيات من يعمل في الحقول المعرفية المختلفة من سياسية وثقافية واجتماعية.

وقد برهنت هذه الظاهرة من الاهتمام خطورة ما تشكله من أثر وصناعة الرأي العام وجس نبض الوعي لدى جمهور تلك المواقع، من خلال ما ينشر من تغريدات على تويتر، أو تدوينات على فيسبوك.

لعلنا ما زلنا نتذكر كيف استفاد الرئيس الأميركي، باراك أوباما، من تلك المواقع الجماهيرية في الترويج لنفسه وحزبه وأفكاره في حملته الانتخابية في دورته الأولى، وها هي اليوم مراكز الأبحاث تتابع ما ينشره رواد فيسبوك وتويتر حول الانتخابات الأمريكية التي بدأ مشوارها عاصفا بين الحزبين الكبيرين الجمهوري والديمقراطي، لترصد تلك المراكز توجهات الناخب الأمريكي، متوصلة إلى نتيجة مفادها أن ما حصلت عليه من نتائج يشبه ويتوافق إلى حد بعيد مع ما تقوله استطلاعات الرأي حول هذا الموضوع.

يضاف إلى ذلك، دور فيسبوك وتويتر في ما عُرف بثورات الربيع العربي، فقد شكل الموقعان فضاء رحبا للتواصل من أجل تنسيق الفعاليات الجماهيرية، واتقاء شر النظام والتحذير من أشراكه، وخاصة ما يقوم به مؤخرا ناشطون في الثورة السورية، ناهيك عن حضور الفنانين والمثقفين، والناس أجمعين.

وبحسب ما تحدثت به تقارير إخبارية فقد تجاوز عدد مستخدمي تويتر مع نهاية شهر تموز/يوليو أكثر من نصف مليار شخص. إنه رقم يعني الكثير، وله من الدلالات ما يجعلني أقول: إن طغيان حضور فيسبوك وتويتر ظاهرة تستحق التأمل والتدبر مليا.
وأسعى في هذا المقال إلى أن أوازن بين هذين الموقعين الاجتماعيين، فيما يخص فقط حجم التدوينات المسموح بها في كل من فيسبوك وتويتر، وكيف أن طبيعة هذه التدوينات وحجمها تكشف عن العقلية المختلفة لرواد فيسبوك وتويتر.
لعلكم تدركون، إن كنتم ممن ينخرط في مجتمع تويتر، أنه لا يستوعبك بأكثر من (140) ضغطة على لوحة المفاتيح ما بين حرف ومسافة وضبط صرفي ونحوي وعلامة ترقيم، فكل تحرك محسوب عليك، وهذا يجعلك أكثر تقلصا مما أنت معتادٌ عليه في فيسبوك، أو قل إن شئت: "أكثر عمقا وأصلب طرحا".

ولا يظن ظانّ أن الأمر يتعارض مع حرية التعبير ومساحتها الممنوحة لك، فقد كفل لك الموقعان حرية تعبير كما تريد، شريطة أن تلتزم بالقوانين التكنولوجية، وهذا ليس حدا أو قصرا لحرية التعبير كما يتوهم البعض، بل هو تقنية موقع له من الفعالية ما له، بل إن تويتر بهذه الكيفية، يجعلك أكثر تواصلا مع أصدقائك والناس أجمعين، بحكم أنك لن تملّ قراءة سطر له من الدلالات ما له، ولكنك بالتأكيد ستضيق ذرعا من مشاركة "فيسبوكية" تمتد إلى مائة كلمة مثلا، وبذلك يكون تويتر أكثر تأثيرا. لاحظوا شكّة الإبرة، كم تأخذ مساحة عندما تغرس في الجسم، ولكنها تخلف ألما حادا.

لقد علمتني التجربة في استخدام الموقعين كيف أكون متعاملا لبقا مع متطلبات النشر في كليهما، فأتمدد بروحي وبكلماتي وروابطي الإلكترونية وصوري التي لا تحصى في فيسبوك، وأتقلص بحيث لا أكاد أرى إلا كجملة ناصعة التأثير في تويتر. إنها عبقرية الاختلاف التكنولوجي.

لعلكم تدركون أيضا أن كلا الموقعين لم يكونا مصممين ليتعامل معهما العرب بثرثرات زائدة عن حد المنطق، فلم يصمما للنكت وصور الطبيخ والأكلات الشعبية، والكلام المنسوج بغبار النفس الملطخة بأوهام تكاد تقتلها. لقد اخترع الموقعان ليعبرا عن فكرة واحدة في التواصل السريع في عصر السرعة، فلماذا نريد أن نرجع العالم بطيئا يتقهقر في سرد كلام، أنت في غنى عنه قبل القارئ المسكين؟

وقد بدا لي أن توتير لا يتوافق معنا نحن العرب. ألأننا نحب أن نثرثر أكثر مما نبين باختصار وتكثيف؟ فمساحة توتير خاصة لمن له أفكار محددة وقاطعة لا غير، وهذا غير متوفر عند غالبية الجمهور العربي للأسف، فنلجأ إلى فيسبوك لأنه يمنحنا هذه الفرصة في إثارة شهية الثرثرة والكلام المطول الذي يمكن أن نختصره بجملة واحدة.

لقد أعجبتني مشاركة أحد الأصدقاء على فيسبوك يوازن فيها بين استخدامنا نحن العرب لفيسبوك واستخدام الأجانب له، ليكتشف ما يثير الوجع والسخرية، بأن الفارق كبير. أتدرون لماذا؟ لاختلاف في التفكير، وإليكم الآن بعض الأمارات على ما قدمتُ من اختلاف في التدوين الكاشف عن اختلاف في العقلية والتفكير.

وأقدم أولا مثالا من الشعر؛ فالشعر العربي مطولات وشرح وتفصيل في أغلب الأحيان، وقد كانت المطولات الشعرية أحد الأسس النقدية في النقد القديم، لتحكم على شاعرية الشاعر، ولم يكن الشعراء يعتدون بمن يكتب المقطعّات والنُتَف من البيتين والثلاثة أبيات، وقد استمر هذا التوجه النقدي إلى الآن، وبدا في وعي المثقفين والنقاد والجماهير العربية التي تحب أن تستمع للشعر بمنظومات تمتد قامتها لبضع صفحات، لتفتخر بعد ذلك بعدد الأبيات والأسطر الشعرية وليس بالكيف، فالذائقة ما زالت على حالها لم تتغير كثيرا.
وتجد بالمقابل أن الشعر الغربي مقتضب ومكثف في معظمه، ولقد كان شعراء الغرب أول من اصطنع فكرة القصيدة الومضة التي تبرق بكلمات محددة، تعجز عن استيعاب فكرتها – ربما- مطولة شعرية. ولحسن حظ بعض الشعراء العرب أنهم التفتوا لذلك فاستخدموا هذه التقنية الجميلة، وقدموا إبداعات ذات قيمة، ولكنها بقيت –في تصوري- ضمن التجربة الشعرية التي لم تنضج بعد.

ولا أنكر بحال من الأحوال أن هناك مطولات شعرية غربية، ولكنها مطولات قديمة، كانت ضمن سياقات تاريخية معينة انتهت حياتها بانتهاء ظروفها، على العكس من الشاعر العربي الذي ما زال يفتخر بمطولاته الشعرية المترهلة في أغلبها وذات أفكار مكررة، ولن تأتي بجديد بعد ثلاثة أسطر أو بضعة أبيات على أحسن تقدير، فنحن نحب الشرح والتوضيح، وكأننا لا نحترم فهم القارئ ليفهمنا من أول سطر، على الرغم من أننا أصحاب المقولة التي نحفظها جميعا "إن اللبيب بالإشارة يفهمُ".

لعل شعورنا بالاضطهاد والظلم السياسي والاجتماعي هو الذي يدفعنا للتطويل، أليست الضحية مغرمة بالنواح والبكاء وتأليف القصائد الطويلة ترجيعا لحزن طال ويطول فيطول معه نفَس الشاعر؟ ولكن النتيجة نص مترهل لا يجد له قارئا.

تنقلني المقارنة والموازنة إلى أبعد، لأعقدها ثانية بين المؤلفات الأجنبية والمؤلفات العربية؛ فقد قرأت كتبا مترجمة متعددة، وأدهش لصياغة الجملة في النصوص المترجمة، على الرغم من أن الترجمة قد تخون أحيانا، إلا أن اللغة وطبيعتها تظهر بنسبة كبيرة؛ عمق في الطرح، وتكثيف في العرض، وجمال في الأسلوب، في حين أن المؤلفات العربية الفكرية هي إعادة وتوضيح وتكرار وشرح، لذلك أنتجت العقلية العربية شروحات متعددة لكتب كثيرة، حتى وجدنا أحيانا شرحا للشرح وتوالد الشروحات، حتى أوشك النص الأصلي أن يضيع بين ركام التفسيرات والتأويلات.

وأخيرا: لقد جرفتني العقلية العربية في الشرح والتوضيح، وخوفا من الاستغراق في هذا الدرب أختم بقولي: إن فيسبوك وتوتير لا يستويان ولا يتساويان، نجحنا في تعريب فيسبوك، فلعلنا لن نفلح في ترويض تويتر.

D 25 آب (أغسطس) 2012     A فراس حج محمد     C 6 تعليقات

3 مشاركة منتدى

  • موضوع شيق وجذاب، فقد طرق الأخ فراس موضوعاً جديداً بلماحية عالية وفكرة واضحة ناضجة... ولفت انتباهنا إلى حقائق كنا عنها غافلين.. وأتفق معه فيما طرحه من أفكار وآراء.
    وأطمع من الأخ فراس أن يخصص مقالات أخرى لهذا الموضوع وما فيه من أفكار قيمة، فالأمر يستحق كثيراً من البحث والتمحيص والطرق.
    كل التحية لك.


    • الأستاذ موسى أبو رياش المحترم
      معك حق فالموضوع شائق وشائك، ويستحق وقفات وتحليلات من زوايا كثيرة، وهذا المقال هو المقال الثالث الذي أتناول فيه هذه الظاهرة الإلكترونية العجيبة، وقد سبق لعود الند مشكورة أن نشرت مقالا في أعدادها السابقة، وهو بعنوان الحروف عندما تخون ظاهرة، وتناولت فيه ظاهرة الكتابة الإبداعية في الفيس بوك، وكان المقال الثاني بعنوان حتى لا يفقد الفيس بوك بريقه وتناولت فيه فكرة الحوار والاختلاف في الرأي بين المرتادين وتصرف الأعضاء حيال ذلك.

      وعلى الرغم من ذلك كله لا تكفي ثلاث مقالات لتقول كل ما في النفس فما زال في النفس شيء من حتى كما يقولون، بل أشياء كثيرة ومتعددة

      شكرا لك أخي وبارك الله فيك

  • أشكرك على إظهار جوانب هامة من هذا الموضوع الشائك ، وأود أن أرى ردك على تساؤلين إن أمكن:
    ١. أليست قضايا اللغة والتعبير المطروحة في هذه المواقع امتداد لنفس القضايا التي طرحت في الجرائد والمجلات سابقاً ، مثل قضية الكتابة بالعامية وغيرها ؟
    ٢. من الملاحظ في الأدب العالمي أن الكتابة في القرى والأرياف (وكذلك في البادية) فيها من التفصيل والإسهاب ما لا يوجد عادة في المدن ، وهذا أمر يشترك فيه العرب مع غيرهم . ألا ترى أن الشعر العربي يميل إلى الإطالة بسبب أصوله الأعرابية ؟


    • أخي أيمن:
      القضايا هي نفس القضايا لأن الكاتب إنسان يجسد فكره وقضاياه في كل وسيلة متاحة سواء أكانت جريدة أو موقع إلكتروني، ولكن المواقع تمتاز بإمكانية وسهولة النشر وإتاحته في كل حين لذلك تأتي الأفكار متفاوتة قوة وضعفا نضجا وسذاجة، وترى أن البوح في الموقع أصدق وألطف لأنك تكتب من فيض الروح مباشرة.

      أما بالنسبة للتطويل والتوضيح عند العرب فهو مما يلاحظ في كتابات أسلافنا وبعض المعاصرين وهذا أمر ناتج عن ثقافة تستدعي الشرح والاسهاب أكثر من الاختصار، وقد يكون لأصول العرب البدوية دخل في ذلك ولعلك تلاحظ معي أن العرب في حواضرهم بدأت تظهر عندهم المقطعات والمنظومات القصيرة. يبدو ذلك صحيحا إلى حد ما لكن للثقافة دور مهم أيضا، فما زلنا نحب في جزء كبير منا إلى الثرثرة وحب الحديث ولو كان عديم الفائدة.

  • أبدع الباحث فراس حج محمد حقا بكتابة هذا المقال النادر وخاصة برصده للمقارنة بين الفيسبوك وتويتر وبطريقة التعامل العربية مع "الفيسبوك "، وكان اسلوبه سلسا وانسيابيا مع القليل من النقد الهادف "الخفيف الظل"، والحق ان الفيسبوك قد ساعد على انتشار وتعزيز موهبة الكتابة في العالم حتى ارتفع عدد الكتاب الافتراضيين في عالمنا البائس لمليار كاتب! كما ساعد وعزز فكرة التوافق الفكري والصداقة الافتراضية مما ساهم (ربما) في حل مشاكل العزلة الفكرية والاحتقانات والتواترات النفسية الناتجة عن كبت الأفكار ومكنونات النفس. والأمر ربما يستدعي القيام بدراسات بحثية ميدانية-أكاديمية مستقبلية للالمام بكافة أوجه التأثيرات التي انتجتها هذه الشبكات وخاصة على مستويات الوعي السياسي والفكري والثقافي وصولا للتاثيرات الاجتماعية-النفسية. والغريب ان مارك زكربيرغ، أحد مؤسسيْ فيسبوك، كان انعزاليا ومتوحدا لحد ما، وقد ابتكره أساسا نكاية بصديقته التي نبذته لعزلته وتوحده، وكان يقصد التشهير بها وتعزيز عقدة التفوق لديه!


    • أخي الأستاذ مهند النابلسي
      تعزيزا لما أبدعت القول فيه فإنني أرى أن الفيس بوك ما زال متنفسا لمن لا يحب الاختلاط في الناس، وألاحظ أنه متنفس للمظلومين والمأزمين حتى أنني ألاحظ ذلك كثيرا في مشاركات النساء، فعادة يغلب عليها التشاؤم والشكوى بلطف مما يعانين من مشاكل في حياتهن الخاصة.
      شكرا لك على هذه الإطلالة المتميزة