عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 7: 72-83 » العدد 76 » نزار قباني: نثره ومدى احترامه للمرأة

إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

نزار قباني: نثره ومدى احترامه للمرأة


نزار قباني: نثره ومدى احترامه للمرأة

"الشعر رقصٌ، والنثرُ غناء"

في العدد الماضي (75) كتبت مادونا عسكر مقالة عن الشعر ومفهومه لدى نزار قباني. وفي هذه المقالة، يقدم الكاتب إبراهيم يوسف وجهة نظر مختلفة في نزار قباني يظهر فيها جوانب إيجابية وسلبية.

أذاتَ الصليبِ اللؤلؤي تلفّتي؛

وراءَكِ هذا المؤمنُ المتطرفُ

فلا تمنعي أجري وأنتِ جميلةٌ

ولا تقطعي حَبْلي ودينُكِ يَنصفُ

على صدركِ المعتز، ينتحرُ الأسى

وتبرا جراحاتُ المسيحِ وتنشفُ

الشاعر نزار قباني

بضمير المؤنثِ الغائب؛ تَحَدَّثتْ عن الشاعر بمحبة وأريحية وحماس، فما الغريب أن تتحدث امرأةٌ بإعجاب عن شاعرٍ تيَّمه الهوى، فبذلَ حياتَه ورهنَ قلبَه؛ في الغزَلِ وإطراءِ النساء؟ ألا تقتضي الأمانةً والشغف أن تفيه بعضَ حقه؟ فما بالكَ حين يكون الشاعرُ نزار قباني؟ وتكون المتحدثة كاتبة حصيفة لبقة كمادونا عسكر المعنية بالإشارة إلى الضمير في مستهلِّ الكلام.

"أتساءل؛ وملف قضية الشعر العربي، "والأدب المستريح" بين يديّ، فهل يحق لي أن أمدَّ أصابعي إلى هذا الهرم المنحوت من ورق الورد، ورفيف الأحلام، أو ينبغي أن أبقى في المنطقة الحرام لا تحب ولا تكره؟ ما دامتْ أسطورة السلطة للأدباء "الملوك" قد انتهت من زمان، فتيجان المجد لن تعطى بعد اليوم إلاَّ لمستحقيها، ولن تُرفعَ إلاّ فوق هامات الرؤوس المتخمة بالعطايا والهبات"؟

نزار قبانيما دمتُ أحسنُ القراءةَ والكتابة وأهوى الشعر أيضاً، فينبغي للأمانة والإنصاف أن أشهدَ بلا إذنٍ أو سماح بأن نزار قباني أنشدَ شعراً جميلا في مقاماتٍ لا حصر لها. لم يُعْنَ بالمديح والحكمة ولا الرثاء. لكنّ الأدلة ساطعة وعديدة على ما قاله من الشعر البديع؛ ومن جميل الكلام.

هذا الشاعر غنيٌّ عن التعريف، غزا قلوبَ النساء؛ أو "الحريم" كما يحلو له أحياناً أن يقول، وأقامَ فيها بلا استئذان؛ فلا يحتاجُ أبداً إلى شهادتي. لكنه؛ لو عادَ إلى الدنيا مرة أخرى، لأنكرَ على نفسه الكثير مما كتبه أو غنّاه. فهل يصحُّ لمن نذرَ نفسه للمرأة، وهو الحريص على مشاعرها النبيلة؛ وعينيها الجميلتين، أن يقولَ فيها:

فَصَّلْتُ من جلدِ النساءِ عباءةً

وَبَنَيْتُ أهراماً من الحَلماتِ

وكتبتُ شعراً لا يشبه سحرُه

إلاّ كلام اللهِ في التوراةِ

مارستُ ألف عبادةٍ وعبادةٍ

فوجدتُ أفضلها عبادة ذاتي

هل أضع خطاً باللون الأحمر تحت صدر البيت الأول؟ أم أضع الخط تحت عجز البيت الأخير؟ ثم ماذا أفعل ما بين العجز والصدر؟ أي جنون ذاك الذي رَكِبَ "بجماليون" هذا المغرور الغاضب؛ المتردد بين "جالاتيا" الزوجة والصنم، ودفعه ليقول ما قال؟ أليست هذه سادية على المرأة وافتراء؟ المرأة التي ألهمته فأقامَ لها صنماً يعبده، ثم طالبها أن تعفِّرَ جبينها عند قدميه؟ أليس هو القائل بصيغة المتكلم؛ وعن سابق تصور وتصميم؟

"آمنتُ بالحسنِ الأجير فركلته، وذللته، ووطأته بدراهمي"

ما هذا الكلام الغليظ الفاحش، وأي "بضاعة" يروِّجُ لها الشعراء؟ إن كان ما أشرتُ إليه قليلاً لا يكفي، فتعالوا معي إلى المزيد مما جاء في قصيدته؛ "إلى أجيرة"، ولن أتعداها إلى مطارحَ أخرى، لا تقلُّ عما يفيضُ فيها من أسباب اللوم وأشكال العتب:

"بدراهمي لا بالحديثِ الناعم

حطمتُ عزتك المنيعة كلها بدراهمي

ولهوتُ فيك، فما انتختْ شفتاكِ تحت جرائمي

والأرنبان الأبيضان، جبنا

فما شعرا بظلم الظالم

وأنا أصبُّ عليهما ناري ونار شتائمي

قد كان ثغرك مرة ربي؛ فأصبح خادمي.

ردي، فلستُ أطيقُ حسناً لا يردُّ شتائمي"

"وجالاتيا" حيَّرَها أمرُه، فسكتتْ على الإهانة، وآثرتِ الصمتَ على الكلام. ثم خانته عندما دبِّتِ الروحُ فيها. "يا هوه"، أليستْ هذه هي الخلاعة بعينها؟ وهل هذا شاعرٌ أم لحَّام؛ وشتّام؟ هل"يَتَمَرْجل" على مخلوقةٍ منكودة؟ فلا يمدُّ لها يد العون لتنجو من الغرق وهو الشاعر، أكثر ما يمسُّه ويستفزه مِحَنُ الآخرين وآلامهم؟

وهل أقارن "الأجيرة" بـ "الأطلال" مثلاً؟

"لستُ أنساك، وقد أغريتني بفمٍ عذبِ المناداة رقيقْ

ويدٍ تمتدُّ نحوي، كيدٍ من خلالِ الموجِ مُدَّتْ لغريق

وبريقٍ يظمأ الساري له، أين في عينيكَ ذياك البريق"

هل هناك أرقُّ وأحلى؛ من الحرير والقبل وعطر الزنابق؟ هل هناك أعذب من دمعة في القلب، ونشوة الخمرة في متاهة الروح؟

الشاعر إبراهيم ناجيإبراهيم ناجي، "وفي سياق الحديث عن الشعر"، لعله آخر الشعراء "الصعاليك". وهذه بلا ريب ليست إهانة، فالصعلكة في المفهوم الإيجابي للكلمة، ظاهرة إنسانية واجتماعية، في إطار التعريف عن موقف الفرد والجماعة.

وبعد؛ ألا يستوجب القول في هذه العجالة بتجرد صادق، بأن نزار قباني كان نرجسياً مدللاً، عاش حياته مرعوباً على صورته في عيون الآخرين، ممن عاصروه وزاحموه من الشعراء. نصَّبَ نفسه أمينا عاماً وقاضياً وحاكماً ليس على الشعر فحسب، بل على الأدب بصورة عامة. ولعله لو انصرف إلى النثر دون الشعر لحقق نجاحات أوسع، وجنى ثروة أوفر.

"سنمزق (الفرمانات) التي جعلت من هذا شاعر العرب. ومن ذاك شاعر الشام الأكبر. منذ عشرين عاماً تفتحت مداركنا الصغيرة على طبقة من الأدباء، كانوا يبيضون كل سنة بيضة واحدة على مدرج الجامعة السورية، أو في حديقة المنشية، أو على سور مقبرة الدحداح، فلا تتعدى نظم قصيدة في رثاء الموتى. تلفتنا إلى الأبطال الذين طالما ملأوا مخيلتنا بالرؤى والأحلام، فلم نجد إلا هياكل خشبية "وأقزاماً"، لها أشكال الفرسان، ولكنها لا تتحرك إلا بالنوابض والمسننات"، فهل تأملتم جيداً هذا الكلام؟

"نرسيس" لم يرَ إلاَّ صورته على صفحة البحيرة، فقدَ صوابه ونسي ثلة كبيرة من الشعراء الميامين ممن عاصروه، كالأخطل الصغير، وسعيد عقل، ومحمود درويش، وبولس سلامة، والجواهري، ومحمد الفيتوري، وعبد الله الفيصل، وصالح جودت، وجوزيف حرب، وعبد الوهاب البياتي، ومرسي جميل عزيز، ونازك الملائكة، وكامل الشناوي، وميشال طراد، والأخوين رحباني وأحمد فؤاد نجم، وأمل دنقل، وطلال حيدر، واللائحة تطول، تطول كثيراً ولا تنتهي.

لم يكتفِ نزار قباني بجلد المرأة، بل جلد أبناء جنسه من الرجال فاستخف بهم، واتهمهم بالخمول والغفلة والتواكل والهزيمة، واتهمهم بالباطل والهوان والخدر "والحشيش". والخنوع لما تسوقه لهم أقدارهم. لم يترك فينا ستراً مغطى إلاّ كشفه، فذاكرتي زاخرة بالكثير مما لا يتسع له كتاب أو مجلد.

ولكن: ولكن في مطرحٍ آخر؛ ينبغي للأمانة أن أشهد أيضاً بأنه احترم دائماً قناعاتِه، وعزّةُ نفسه كانت غالية عليه، فلم يتخلَ يوماً عن مواقفه أو يخنها. قال في السياسة كلاما منصفاً وجريئاً، ونأى بنفسه عن بعض الحكام؛ وعن ثروة أكبر كانت ممكنة لو لم "يَهْجُهمْ"، فلم يتزلف لهم أو يرأف بأحوالهم، وسدد ثمناً باهظاً مشكوراً عليه. الحق هو في هذا الجانب من أبناء العشائر وحسب.

بعد وقت قصير من مقتل زوجته العراقية بلقيس في تفجير مبنى السفارة العراقية في بيروت (1982)، وكان قد تجاوز من عمره الستين، امتنع عن مقابلة حدد موعدها بنفسه، لأنه كان يتوقع أن تجريها معه امرأة، حينما التبست عليه مسألة "الاسم". يقول الصحافي المكلف: "كنت منصرفاً إلى معاينة الأسئلة، فلم أره يدخل القاعة. لكنني تنبهت إلى حضوره بفعل العطر الذي سبقه إليّ. ثم غادر عارياً تماماً فلم يعتذر ولم يخجل".

"منذ أن امتدت يد أول إنسانٍ، إلى أول زهرة برية ليحملها إلى أنثاه، التي كانت تنتظره في غارٍ حجري، ليقول لها: لم أصطد اليوم شيئاً لطعامنا. لكنني حملتُ إليك هذا الكائن الجميل، الذي وجدته مختبئاً في شقوق صخرة هناك. إنه يشبه انفتاح فمك يا حبيبتي".

فتنةُ الكلمة في الشعر والنثر، هي السر في الوصول إلى عقل المرأة وعواطفها، إفريقية لؤلؤية الأسنان كانت، أو إسكندنافية يتجمع سحر الله في عينيها الملونتين. تبقى الكلمة هي المفتاح السحري إلى كل القلوب.

مارون عبودولكي أكون منصفاً مرة أخرى، ينبغي الاعتراف أن نزار قباني كان مخلصاً صادقاً وبارعاً، حين رَدَّ على مارون عبود في "جانين والوجودية"، وسلَّمَ بعبقرية الأديب الناقد؛ "تطهرت ريشته من سواد الحقد" في دنيا الأدب. يقول مارون عبود ("أبو محمد"):

"الشعر رقصٌ، والنثر غناء، فارقص لنصفق لك يا نزار".

تميز نزار قباني في رده على مارون عبود ببراعة الصياغة وطلاوتها، ببساطةٍ بلاغية وقدرةٍ مذهلة في حرفة النثر. لو كان يتسع المجال لأشرت أيضاً إلى نثرية رائعة، في رثاء الشاعرة ناديا التويني، زوجة الصحافي المغفور له غسان التويني. والكثير من سائر النثر الجميل، كالبنادق والعيون السود. يقول نزار في ردِّه على مارون عبود:

"يعتبر بعض الناس أنفسهم سعداء إذا وجدوا في امتداد زمني واحد مع واحد من هؤلاء العباقرة، الذين أعطوا الإنسانية تراثاً لا تزال الأرض تشرب منه وتسكر؛

الذين عاشوا في عصر بيتهوفن وموزارت وليست، والذين عاصروا تولستوي أو ليوناردو دافنشي أو غوغان أو رودان أو فان كوخ. كل هؤلاء يعتبرون أنفسهم من رفيعي الأقدار.

ويوم يجيء الدور إلينا ويسألنا سائل: وأنتم يا شعراء الفترة الممتدة من عام 1940 صعوداً إلى اليوم، من هو هذا الكبير الذي كان يقيِّم آثاركم، ويزن الريش النابت في أجنحتكم، ويدوزن الأنسجة الطرية في حناجركم؟

يوم يواجهنا سائل بمثل هذا السؤال سنقول له بلا تردد: "كتبنا شعراً في عصر مارون عبود. وعلى "محكّ هذه السنديانة الماردة برينا أقلامنا، وتركنا أسماءنا". السنديانة التي تفتحُ زنودها لمئات العصافير الزائرة، لا تبخل على واحدٍ منها، بخيمة أو ظل، أو سرير ورق أخضر، أو زوادة قش يحملها قبل أن يرحل".

وهذه أيضاً مقتطفات يسيرة مما جاء في "البنادق والعيون السود"، أستدلُّ بها على ملكة الشاعر وقدرته في صياغة النثر:

"الآن تعودين من معسكر التدريب، وأنت كالراية المتعبة، كالزورق العائد من رحلة مجد. جلست أدخِّن، وأتأملك قطعة قطعة، كما لو كنت لا أعرفك من قبل.

جوربك الصوفي الخشن، راحتاك الملوثتان بشحم الزناد، حذاؤك الآكل من جبين الصخر يترك على أرض الحجرة قطعاً من طين يابس هي أثمن ما تضمهُ حجرتي من تحف.

أرأيت كيف تنتقل بلادي إليّ. كيف تتحول إلى ذرة غبار على قميص شجاع. قعدت أتأملك وأنت كزهرة اللوتس الوحشية. ليس على فمك شيء. ومع هذا فهو أروع من كل شيء. ذلك الثغر الراقد كنصف كرزة حمراء، لا يعرف من الطعام غير الهواء، والشمس، وجيرة العصافير.

كانت المرأة في بلادي قطعة من قطع الآثار، ليرة ذهبية ملفوفة بالقطن. تعويذة كتبها شيخ لا يعرف الكتابة. ثم انفكَّ السحر يا صديقي وخرجتِ من قطنك، من الصدفة الباردة المغلقة. وها أنت تجلسين أمامي أغنية بطولة تقرع نوافذ الشمس".

"الشعر نار الإنسان، ونار الإنسان لا تموت، ما دام في شرايين قلبه قطرة زيت، أو قطرة حب، ومن شاء أن يدخل منطقة الحريق بمحض إرادته، فعليه أن يحترق أيضاً".

في هذا المقتطف البسيط من كتاب "الشعر قنديل أخضر" وغيره من الآثار النثرية بين يديّ، تفوق نزار قباني في الغناء على الرقص، وفي نثره على شعره. وكم كان مفتوناً بنفسه، فعاش حياة أرستقراطية عارمة، فيها الكثير من أسباب الترف والتعالي، لا تكفيه غرفة واحدة في الفندق ويضيق عليه الجناح. قرأ "ذاكرة الجسد" (*) أمام بركة السباحة في فندق "السمرلند" في بيروت؛ كما يقول، فتولته وهو يقرأ الرواية حال من "التوتر والجنون، فكان اقتحامياً متوحشاً وشهوانيا شبقاً".

تربع في قلوب النساء، وحاشر عمر بن أبي ربيعة بل سبقه فاحتل قلوبهن، فَأُعْجِبَتْ به كلُّ امرأةٍ قرأتْ ولم تقرأ؛ كتبتْ ولم تكتبْ. سمعتْ ولم تسمعْ بنزار قباني. لم يعاشر أصناف "الغلابى" من الفقراء والمحرومين، لكنه نال حظوظاً في الشعر والمال ربما أكثر مما يستحق أو يتوقع.

وبعد؛ لم أظلمِ الشاعر أو أفْترِ عليه. وله أسوة بالمتنبي، حين قال باطلاً ولم يسلم من النقد والسؤال. وأما ما قلته، فإنما يصدرُ عن نية حسنة وقلب أبيض؛ وعن قناعة ليست نهائية، فالموضوعية الأدبية الخالصة والإنصاف تبقى كلها في النهاية من القضايا المستحيلة، كما يقول الشاعر في رده على مارون عبود، والقواعد العامة قد تكون صالحة في كل الأمور، إلاّ أنها ساقطة في النقد والتقويم. وفي الشأن الأدبي والفني الخالص يبقى القلب وحده المخول في الحكم على ماهية الأشياء: على بحيرة البجع، وعلى الجوكاندا، وعلى قفا نبك.

= = = = =

(*): عنوان رواية للروائية الجزائرية أحلام مستغانمي.

D 25 أيلول (سبتمبر) 2012     A إبراهيم يوسف     C 15 تعليقات

13 مشاركة منتدى

  • دراسة تحليلية خلابة وضع فيها الكاتب المبدع ابراهيم قاسم عدسة مجهرية بانوراميةذات بعد جمالي ، وسلطها ببراعة الجراح المقتدر على حياة وشعر نزار قباني ، واخرج لنا تحفة سردية لا تقل ابداعا عن روعة شعر نزار ! ومن قال أنه يجب تقديس الرواد والشعراء والادباء والفلاسفة ؟ فهؤلاء بشر أولا واخيرا ، ويملكون بمعظمهم ولطبيعة ابداعهم وتفردهم "أنا" نرجسية(فوقية) قد تكون أحيانا كاسحةوفريدةوبالغة الجرأة (وربما الوقاحة!).اراهن ان نزار نفسه كان سيعجب ويوافق على هذا الطرح الفريد اللافت ...


  • ممتعة وشاملة إلى أقصى حد هذه الدراسة المبدعة والمصاغة بحرفية بالغة وبلغة ثرية، واضحة المعالم، قوية العبارة، عميقة الغور في أكنان منتجات الشاعر نزار قباني والبيئة المؤثرة في بنائه الشعري ومدرسته الحديثة واختراقه لحاجز التابو في الدوران حول المرأة وفضاءاتها، واختراقه عالم الفتنة والجمال والجاذبية فيها، فكانت ملهمته العظمى ومحركة بندول انجذابه نحو عالمها الفاتن، فالأديب الناقد يحمل بطبيعته القدرة والحق على ولوج دواخل النصوص وتشريحها وتحليل معناها وعرضه على ميزان التقابل والتناص والتفرد، لأنه يملك حقاً مشروعاً في التغلغل والتحليل والتبرير واكتشاف ما بين السطور والمعاني وردود الأفعال، والغوص بأريحية في التركة الابداعية للمبدع، والاستغراق في المعنى والمبتنى واستخراج الأبعاد اللغوية والنفسية التي وقع تحت طائلتها المبدع حين وضع مادة ابداعه .. ثبات الشاعر نزار عند مواقفه رغم حجم المهاجمين والمناوئين له مدلول قوي على تلك القناعة عند الشاعر بجديد منهجه وضرورة التجديد في الأدب وكسر حاجز المألوف والسائد بقدر يحدث حالة تغييرية مبدعة، والشاعر نزار ملك أدوات إبداعه بقدر امتلاكه لمنهج التحديث


  • أستاذ إبراهيم:
    ألتنقيب عن خفايا الجوانب السلبية,في حياةشاعر كنزار قباني خفقت له قلوب العذارى والنساء,أصابني بالدهشة وأنا أقرأ أن الشاعر لم يكن بريئآ من(دم المرأة),فهل كان يتزلف لها ويدعي أنه بجانبها ويمجدها ويعبدها..؟
    ألحقيقة أن المقالة موثقة بالدليل والإثبات,صيغت بإبداع وبأسلوب راق,ولكن لا يخلو من الحسد..!


  • ألأخ مهند النابلسي

    دعني أبح لك بسري..؟

    كتبت تعليقاً على مقالة مفهوم الشعر عند نزار قباني، ما نشرته الأستاذة مادونا عسكر في العدد الماضي..؟ فأعِيْدَ إلي التعليق بسرعة قياسية..؟ وفيه عتبٌ بالغ من الأستاذ عدلي يشير فيه أنني تسرعت كثيراً، ولم ينشر الرد..؟ ثم شرح لي الأسباب الموجبة التي اقتنعتُ بها فعلاً. ثم اقترح أن أكتب موضوعاً بديلاً عن الرد يتسم بالتجرد بعيداً عن التجني أو"الغضب"..؟ وهذا ما حدث.

    فإن كنتُ حقاً أحسنتُ الخطاب..؟ فالفضل إنما يعود إلى الأستاذ عدلي ومادونا صاحبة المقالة.. لكن الأستاذ عدلي وهو ممن يحملون قلوبهم بين أيديهم..! له أسراره أيضاً، ومن أسراره التي أعرفها..؟ أنه متيم بأسنان "اللولو" ولا يعجبه عصير المانغا الإفريقية.


  • إسمح سيّدي بداية أن اعبّر عن فخري واعتزازي بأن مقالتي عن الشعر ومفهومه لدى نزار قباني، استدعت أن تخصّها بدراسة مبدعة وراقية كردّ على المقال.
    وكنت أرجو من الأستاذ عدلي ألّا يمتنع عن نشر أيّ ردّ، فكل مقال له أفكاره الإيجابية والسّلبيّة، وقد يخطئ ايّ كاتب أو يصيب وبالتّالي عليه أن يقبل النّقد.

    لفتني سيّدي بادئ الأمر، ما تفضّلت به والذي هو محور الدّراسة، أنّ نزار غزا قلوب النّساء، وتربّع فيها ولا شكّ في رأيك الصّائب. ولعلّه مضمون ردّك، وأحترم كلّ الإحترام.

    إلّا أنّني لم أحدّث عن نزار قبّاني شاعر النّساء في مقالتي، بل كان محورها كيفيّة تحريك العقول والقلوب بالكلمة، بل تبديل العالم. ووجدت نزار قبّاني من خلال نصه النّثريّ، "اغتصاب العالم بالكلمات" يوقد نار الكلمة لتحرق العالم فتبدّله.

    نظرت إلى هذا الجانب في نزار وبلورت الأفكار بما تتناسب وفكري وبما لا يشوّه نصّ نزار قبّاني. إلّا أنني إذا أردت كتابة دراسة نقديّة عن شعره الموجّه إلى المرأة فلن اختلف مع حضرتك كثيراً إلّأ ببعض النّقاط.

    دراستك النّقديّة سيّدي تستحق كلّ الإحترام لأنّها صادقة وموضوعيّة.
    خالص محبّتي واحترامي أستاذي الكريم.


  • ألأستاذة مادونا عسكر- لبنان

    ربما كلامي كان يفتقر إلى الوضوح، حينما تحدثت عن الأستاذ عدلي وهو ينصحني كصديق..؟ لأنه لم يحجب التعليق إلا بناء لرغبتي وكان محقاُ فيما جرى..؟ لعل أكثر الأخطاء سوءاً إنما تقع لنا عند الانفعال أو "الوجع"، ويراها الآخرون بوضوح أكبر، فلا يصح مثلاً أن أصف الشاعر "بالنسونجي" عندما يكون معظم الرجال يعانون من هذا "المرض".

    ولكن؛ لا ينبغي يا سيدتي أن أتوخى "الدقة المصرفية" في علاقتي أو حديثي مع الآخرين، فالأمرُ متعب أن نتأبَّط "القانون" ونتوقف عند الفاصلة والنقطة. ولكي أكون موضوعياً ومنصفاً..؟ يجب الاعتراف أنه كان يقتضي أن أزنَ الكلام معكِ بدقة أكبر، وأنا علميُّ "الميل والهوى".. فلا أحشر مقالتكِ فيما كتبت، ليأتي ما قلتُه مستقلاً "وسليماً"، سليماً في حدود مسؤوليتي الأدبية.. مهما يكن الأمر فإنني أعترف بخلل الربط بين مقالتك وموضوعي، فإن كان الأمر يستدعي أسفاً..؟ فإنه لا يستأهل اعتذاراً لن أتردد فيه..


    • الأخ المبدع ابراهيم قاسم يوسف صراحتك رائعة وتزيد هذا الموقع الفريد قيمة وجاذبية ، كما أن دور الاستاذ عدلي استئناشي باداته التفاعلية الايجابية للحوارات ، واراهن أنه لا يوجد حسب علمي موقع أدبي-فكري عربي آخر يدار بهذه الطريقة الفذة التي تستقطب المشاركين والمطلعين !وأوافقك الرأي تماما بأن معظم الرجال الأسوياء هم "نسونجية" (بشكل أو بآخر)وهذا ليس عيبا اذا كان ضمن الحدود الاجتماعية المقبولة ، ومعظم النساء يعرفن ذلك وربما يحببن هذه اللعبة بالخفاء ، وأنا شخصيا كنت أعرف دونجوانا يتظاهر دوما بل ويتباهى بغزواته النسائية العديدة، ومع ذلك فقد كان هذا يزيد في كاريزميته للنساءوحبهن له !وربما صدق عالم الفيزياء الكونيةستيفن هوكنغ عندما صرح أخيرا بأن النساء هن من أكثرالكائنات غموضافي الكون !والأمر مفتوح للنقاش العلني ولابداء الرأي فربما كنت مخطئا !

    • أبداً سيّدي، لا داعي للإعتذار. حضرتك رددت على مقالتي وأنا احترمت ردّك.
      محبتي واحترامي

  • كما حدث معي في (القدود الحلبية) تطلب الأمر بحثا ممتعا، وقراءة.
    بعيدا عن الخطوط الحمراء، والتحفظات من قبلي. النص جميل، منصف، وشامل، بلغة بسيطة سهلة تحفز القارئ على الاستمرار في القراءة، ثم التوقف للتأمل. أسَرَني رد الشاعر على الأديب (مارون عبود)، ودفاعه عن حقه في كتابة الشعر الحديث، وفي نفس الوقت كان مهذبا متواضعا، واتسم رده بالكثير من الشاعريةوالبراعة،كماتفضلت.
    وأعجبني كثيرا، قوله عن الأديب (مارون عبود) في نهاية الرد: أما قلمك فهو أصبى من الصبا نفسه , وأحلى من دفقة العافية
    وفي الطريق تركت لنا عبارة (يقول مارون عبود أبو محمد) لأعود للبحث
    فصادفت قصيدة كتبها الأديب (أمين الريحاني)كرساله لمارون عبود بمناسبة ولادة ابنه الذي اسماه (محمداً) وأثار زوبعة من ردود الفعل المتباينة فيقول
    فهتفنا واسمُهُ محمدٌ أيها التاريخ لا تستغربِ
    خَفّفِ الدهشةَ واخشعْ إن رأيتَ ابنَ مارونٍ سميّاً للنبي
    والنبيُّ القرشيُّ المصطفى آية الشرق وفخر العربِ
    مره أخرى حين يرثي الشاعرة ناديا التويني يقول في وصفه : هي فراشة منقوشة بالشعر من رأسها حتى قدميها
    شكرا لك أستاذنا، كانت رحلة طويلة وجميلة.


  • هيام ضمرة وهي تتحدث عن الشعر لا تحكي.. بل تغرد كما العندليب في الصباحات البهية.. تفتش عن المفردة المناسبة وتهتدي إليها كما "يهتدي الرضيع إلى ثدي أمه".. قدري أن أكون منحازاً لهذه المخلوقة الجميلة. "من أتقن صناعة الشعر..؟ استطاع أن يزحزح الصخرة المسحورة، ويصل إلى صناديق اللؤلؤ والمرجان، وإلى مقصورات الحور في الفردوس" هذا ما يقوله نزار، ويزيدني إصراراً أنه تفوق في حرفة النثر.. نزار مقلع أردني واسع الثراء بأبهى رخام الكلام.

    ألحق أن نزار قباني تعرض طيلة حياته لحملات لم تنقطع، منها ما هو حق ومنها ماهو باطل وحسدٌ وافتراء.. كما اتهمتني صديقة في رسالة خاصة تعليقا على ماجاء في مقالتي، قالت فيها: إنني لم أجد في كل ما نظمه نزار قباني إلا قصيدة أو اثنتين للتشهير..! وأقسمتْ أنني لستُ بريئاً.. ولم ترغب أن تنشر كلامها في العلن..؟ فأشرت عليها بقصيدة "خبز وحشيش وقمر"، وحتى مرثيتة لزوجته تستدعي ألف سؤال وسؤال.. أحسستُ بالحرج نيابة عنه وأنا أقرأ المرثية وأشعر بالنقمةعلى ما كتب.. لكنني عذرته أن يقول باطلاً وهو في أشد حالات الحزن والحسرة والانفعال.. فهو إنسان وشاعر مفجوع.


  • رد على تعليق مهند النابلسي

    ماهي الحدود الاجتماعية المقبولة وأين تكون؟ ومبدأ "النسونجية" هل يتوقف عند هاتيك الحدود؟ ومن يقول أن "النسونجية" مسألة مشروعة ما دامت تقتصر على المشاعر؟ وإذا كانت "النسونجية" ليست عيباً فأين يكون العيب، هل هو دائماً في ذلك المكان القصي البعيد في مستودع الخير والشر؟ وهل الصداقة المجردة بين الذكر والأنثى قائمة أو متاحة، لكنها تستوطن كوكباً آخر، أم هي مجرد أوهام وطلاسم؟

    ألم تكن ألخيانة محرمة في الممارسة، وليست مباحة حتى في المخيلة والتفكير، ألم ينهنا السيد المسيح بقوله لا تشتهِ امرأة قريبك ومقتنى غيرك! والاشتهاء إن لم يقترن بالممارسة ألا يشكل البداية لها.. أليس من يقبل زوجته بلا ميل واشتهاء إنما يمارس بحقها فعل الخيانة؟

    لوكانت الدنيا "فلتانة" تحكمها النزوات كحارة "غوّار"، أو كنا على كوكب تحكمه الملائكة والصداقة المجردة، لحسمنا المسألة واتفقنا أو اختلفنا وانتهى الأمر!؟ ولكنني بلغتُ من العمر عمراً يا صديقي؟ وما زلتُ أجهل ماذا أريد، وأين أقف .. كيف سأهتدي أو متى الله يهديني؟

    يا قابل الأعـــــذار فئنا الى ظلك

    فاقــبل توبة التائبين


  • أشواق مليباري

    شكراً لما تبذلين من الجهد في التفتيش المميز على طريق المعرفة، هذه "عمادة " المبتدئين وسمة الأدباء المحترفين، خاصة عندما يكون المستهدفون بالمعرفة من شعراء الشام وأدبائه المهجريين.. أمثال إيليا أبو ماضي، ورشيد أيوب، ونسيب عريضة وغيرهم بالإضافة ألى نعيمة وجبران.. ومارون عبود كان "علمانياً"ربما لهذا السبب أطلق على ابنه اسم النبي الكريم، ولم يعبأ بالزوبعة المثارة حوله.

    وإذا كانت لنزار قباني فراشته..؟ فعود الند حافلة بفيض من النحل النشيط والفراش الملون..؟ فراشاتٌ من كل قطر ودار، واحدة من مملكة النحل والفراش في ينبع، وفراشة أخرى بلون الورد من مصر تتسلح بجناحيين فتيين يقاومان هبوب الرياح الخمسينية في الجنوب، وفراشة سكرى بأحلام المساء تستعير أغنية ووهماً تدور به حول مهد الحبيب، تحمله على جناحيها وتلقي به على حوافي السواقي المزهرة.. وفراشة حزينة تنوح على الحبيب تغطي وجهه بجدائلها وتبكيه، ورابعة.. وخامسة تظهر ثم تغيب وتختفي، القائمة تتجدد؛ تطول ولا تنتهي، وأبهى الفراش ما يأتي من الأرض المغتصبة في فلسطين.


  • ملاك- فلسطين

    بل أنا هو الأصوليُّ "المؤمنُ المتطرفُ" يا سيدتي، الذي لا يقتله الحسد من عمر بن أبي ربيعة ومن نزار قباني فحسب..! بل يعتقد أنَّ من كان خلافهما فليس رجلاً سوياً..! وعن المرأة الحق أقول، بأنني أحب المرأة وأدللها، إن لم يكن أكثر..؟ فليس أقل مما فعل نزار..! أحترمها كثيراً ومؤمن أيضاً، بأن المرأة التي لم تحظَ برجل يقبِّلُ قدميها ويعبدُها..! لهي امرأة مطعونٌ في أنوثتها.


  • لا أدري أأعجب من روعة مقال أستاذنا إبراهيم أم من جمال ردوده أم من طول باعه وعميق فكره أم من لطيف إحساسه وشعوره أم من تنوع ثقافته وثراء معلوماته أم ....؟؟!!
    كلما قرأت لشيخنا إبراهيم أزداد قناعة أنه قامة شامخة لا زالت مجهولة لم تكتشف بالقدر الذي يليق بها، ومع كل تقديري لعود الند ودورها الكبير في إبراز بعض درره وجواهره، إلا أنها تضيق على هذا الرائع، ففيضه المتدفق يتطلب أعواداً لا عوداً ... ونداً ومسكاً وشهداً.
    لا أجامل إذا قلت أنني كلما قرأت لإبراهيم الكبير أطرب بما أقرأ، وازداد متعة ولذة واستمتاعاً.
    عودة إلى المقالة الفاتنة، فيكفي أن إبراهيم الرائع امتلك الجرأة الأدبية لانتقاد شاعر كبير يقدسه البعض ويضغه فوق النقد، وهذه الجرأة تستند إلى أدلة وبراهين وليست خبط عشواء أو مجرد افتراء... ولإبراهيم أسلوبه وطريقته الفذة التي تحول النقد إلى نص قائم بذاته لا يقل روعة إن لم يتفوق على النص... بل أزعم أن نصوص إبراهيم النقدية قائمة بذاتها، باسقة بأغصانها، وارفة بظلالها.
    ولعل جرأة إبراهيم الفذ تفتح الباب لنقد آخرين بلغوا درجة الألوهية في نظر البعض، وبعضهم توهم في نفسه هذه المنزلة، فترفع واستعلى.


  • ألاخ أبو رياش: ربِّي ولا تفضحني بما اطلعتَ عليه من خَفيِّ أمري!؟ يا ألله على نبلِ خطابكَ يا صديقي، وعلى الكلمة التي تأمرها فتأتي صاغرة إليك. تعرَّقَ جبيني وأكاد أذوب في "هدومي" خجلاً منك ومن عود الند فأنا أسيرُك وأسيرُ عود الند، التي لم تقصرْ أو تفرط في حقِّ الجميع. أنا مصرٌ من وجهة نظري، أن عودَ الند هي الوسيلةُ الفضلى لأنشرَ فيها ما أكتب، ومتمسكٌ بقناعتي وإخلاصي للدار التي رعتني منذ البدايات، وِشرَّفتني بالتعرف إلى كتَّاب وأصدقاء.. كموسى أبو رياش وهيام ضمرة ومهند النابلسي وغيرهم.. في قائمة تطول ولا تنتهي. "فلا خيرَ فيمنْ تُؤوِهِ دارٌ فيجحدُ فضلَها".."ولا في حليفِ الحبِّ، إن لم يُتَيَّمِ". فضلُ "الدار" في قلبي وعلى رأسي ولساني.

    وبعد فسبحانَ من لاعيبَ فيه ألعادلُ المطلق.. وكل ما عداه يبقى في المُنْخلِ أو فوق الغربال. حتى ألمتنبي والمعري وطاغور لم يسلموا من النقد وبعضهم لم يسلمْ من التجريح، وأما ما قلتُه بقناعةٍ عن نزار؟ فعن طويةٍ سليمة، لأنني بحق معجبٌ به. ولو أنه في اعتقادي تورط في ومضاتٍ من الغفلةِ والتخلي فقالَ في المرأةِ ما قالَ من البهتان