أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 7: 72-83 » العدد 77 » كلمة العدد 77: الديموقراطية وفرضها بالقوة

عدلي الهواري

كلمة العدد 77: الديموقراطية وفرضها بالقوة


عدلي الهواريكل عام وأنتم بخير بمناسبة عيد الأضحى المبارك.

هناك سخرية من الديموقراطية في مقالات يكتبها بعض ذوي الميول اليسارية استنادا إلى ما جرى في أفغانستان والعراق وليبيا وما يجري حاليا في سوريا.

الساخرون من الديموقراطية لارتباطها في بعض الحالات بالتدخل العسكري الأجنبي يخلطون بين أمرين، هما فرض الديموقراطية بالقوة، والديموقراطية نفسها. محق مـن يسخر من فرض الديموقراطية، سواء أكانت محاولة فرضها بالقوة أم بالتمويل الأجنبي للمنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني (للمصطلحين إشكاليات طبعا).

فرض الديموقراطية أمر يناقض مفهوم الديموقراطية نفسه، واكتشاف ورفض هذا التناقض ليس أمرا جديدا. دانكوارت رستو (1967 ) توقف عند هذه المسألة وذكّر بأن الديموقراطية تعني حكم الشعب لنفسه (ص 236). وفي دراسة عن فرض الديموقراطية على العراق، يذكّر ديفيد بيثام (2009) بالأمر نفسه.

لا ينسى بـيـثام الإشارة إلى حالات فرضت فيها الديموقراطية بالقوة، وحصل على أثرها تحول ديموقراطي، وخاصة حالتي ألمانيا واليابان، فالأولى كان يحكمها النازيون والأخرى إمبراطور، وكلتاهما غزت دولا أخرى. ولكن بيثام يوضح الفرق بين هاتين الحالتين وحالة العراق، ففي الحرب العالمية الثانية لم تكن الغاية فرض الديموقراطية على ألمانيا واليابان، بل هزيمة البلدين عسكريا وحرمناهما من المقدرة على الاعتداء على الدول الأخرى في المستقبل (ص 450).

نقد بيثام لفكرة فرض الديموقراطية لا يـدفعه وأمثاله إلى السخرية من الديموقراطية نفسها، بل يؤكد على جدواها كنظام سياسي، وعلى ضرورة أن تكون النظم المسماة ديموقراطية حقا كذلك. ولذلك، طور وسيلة لتقييم مدى ديموقراطية بلد ما من خلال استبيان مفصل يتكون من مئة سؤال تقريبا.

أما تعريف الديموقراطية فمسألة تتحول إلى وسيلة لتمييع الحديث عنها، فهناك رأي يقول إن الديموقراطية مستحيلة التطبيق لأنه من غير الممكن أن يحكم شعب نفسه. وهناك من يعتبر إجراء انتخابات من حين لآخر دليلا على أن النظام ديموقراطي. وهناك من يصف أي شيء يراه الحكام مناسبا بأنه ديموقراطية بل وأفضل منها. وهناك رفض تام للديموقراطية بذريعة أنها تتعارض مع القيم أو الثقافات المحلية.

لا استغرب أن يختلف الأكاديميون على تعريف الديموقراطية، فهذه سمة من سمات الوسط الأكاديمي. ولكن حتى عندما يسرد المرء أكثر من تعريف للديموقراطية فإن ذلك ليس أكثر من كلمات مختلفة تعرف فكرة واحدة. ولذا سوف أكتفي بتعريف موجز للديموقراطية وهو لجون كين (1991) الذي يعرفها بأنها عملية إجرائية يتـقرر من خلالها من يخول بالحكم، وتنطوي على مجموعة من المبادئ منها المساواة وحق شامل في الانتخاب، وحكم أغلبية مع ضمانات للأقلية وسلطة القانون وضمانات دستورية بخصوص الحريات (ص 168).

وبناء على ذلك، السخرية من الديموقراطية لأنها استخدمت كذريعة للتدخل العسكري فيها خلط بين أمرين ليس من الحكمة الخلط بينهما، فرفض التدخل الخارجي مبدأ صحيح، ولكن رفض الديموقراطية موقف غير سليم حتى عندما يكون الرفض نابعا من نية حسنة، كالحرص على العدالة الاجتماعية، فمن الممكن إقامة نظام يجمع بين الديموقراطية والعدالة الاجتماعية.

من يصور الديموقراطية كحل سحري لا يحترم عقول الآخرين، فالديموقراطية ليست حلا سحريا للمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لأن الدول الديموقراطية تعاني من مشكلات في هذه المجالات، وعندما تحاول تطبيق حلول لها تنجح في بعضها وتفشل في أخرى، ولكن الصادق مع نفسه في تحليل الأمور لا يستطيع إنكار أن الديموقراطية تعطي فرصة للتغير السلمي كل بضع سنوات، ولذا عندما يسئ حزب إدارة شؤون البلاد والشعب، يمكن استبداله وتحقيق التغيير دون ثورة ولجوء إلى العنف ومن ثم إعادة إنتاج الدكتاتورية والفساد.

مع أطيب التحيات

عدلي الهواري


مراجع للاستزادة

Beetham, David (2009). "The contradictions of democratization by force: the case of Iraq", Democratization, 16:3, 443-454.

Keane, John (1991). The Media and Democracy. Cambridge: Polity Press.

Rustow, Dankwart (1967). A World of Nations. Washington, DC: The Brookings Institution.

D 25 تشرين الأول (أكتوبر) 2012     A عدلي الهواري     C 6 تعليقات

4 مشاركة منتدى

  • إن فرض أي نظام لا يحقق المراد من هذا النظام ولو كان الإسلام نفسه، لأن الإجبار يصنع عبيداً ولا يصنع حياة محترمة.
    من السهل أن نحكم على تجربة بالفشل وربطها بعقيدة أو مبدأ معين، ومثال ذلك تجربة طالبان في أفغانستان... فطالبان طبقت الإسلام حسب فهمها.. ولو حكمنا على الإسلام من خلال هذه التجربة لظلمنا الإسلام... ولذا وجب أن نفرق بين النظام وظروف تطبيقه... وأي نظام ليس مسؤولاً عن خطأ التطبيق.
    بالنسبة للديمقراطية أعجبني قول فوكوياما الذي يخلص إلى القول (إلى ضرورة توافر عناصر ثلاثة لا تقوم الديمقراطية إلا بها مجتمعة، وهي هيبة الدولة وسلطة القانون ومسؤولية الحاكم أمام الشعب. وفي غياب أحدها يفقد نظام الحكم طبيعته الديمقراطية، ويُخل بالعقد الاجتماعي الذي يربطه بمواطنيه، ويُدخل البلاد في وضع مضطرب قد تكون عواقبه وخيمة كما نشهد اليوم في أنحاء كثيرة من العالم.) وذلك في كتابه (بداية التاريخ).
    كل الشكر للدكتور عدلي الهواري على هذه الإضاءة.


  • شكرا للدكتور عدلي الهواري إذ يمد الحوار بيننا عبر أطراف الأرض فنلتقي من أجل حوار فكري ثقافي هادف، وشكرا على الموضوع الذي أثرتموه حول معنى الديموقراطية. الديمقراطية تعني في الأصل حكم الشعب لنفسه، وهناك علاقة للديموقراطية باللبيرالية وارتباطها بالسياسي، فهل ما رأيناه من ديمقراطية الغرب في التعامل مع الشعب الفلسطيني بل في قضايا كثيرة للعالم العربي وغيره من الأمم المستضعفة وفي طرائق التعامل معها يمكن استيعابه؟ وما علائقه بديموقراطية الغرب؟

    أما ما أشار إليه الأخ موسى "إن فرض أي نظام لا يحقق المراد من هذا النظام ولو كان الإسلام نفسه، لأن الإجبار يصنع عبيداً ولا يصنع حياة محترمة ". الإسلام سوى بين البشر دون إكراه، ونتذكر بلال الحبشي، وزياد بن أبيه وزواجه من سيدة من سادات قريش، هي زينب، من أجل العدل وعدم الفصل بين الطبقات الاجتماعية. أليس العيش على الأرض بتساو وسلام أقوى من ديموقراطيتهم الملتبسة؟


    • الأخت الفاضلة زهرة زيراوي - المغرب

      شكرا على تعليقك، والإشارة فيه إلى تعليقي. أتفق معك، فلم يكن الإسلام يوماً نظاماً ديكتاتورياً ... ولم يطبق على الناس دون رضاهم... وبالنسبة لي فأنا أتمنى اليوم قبل الغد أن يطبق الإسلام على الأرض قاطبة... ولكن ليس أي إسلام... وإنما إسلام محمد صلى الله عليه وسلم... الذي توارى خلف المذاهب والطوائف والملل والفرق.

  • مقالة تضع النقاط على الحروف وتلخض مزايا الديمقراطية التي لا يمكن انكارها والتي تمثل أرقى نظام بشري للحكموتداول السلطة ، بعيدا عن الأنظمة الدكتاتورية والفاشية والاتوقراطية والدينية والتي اذاقت البشرية وما زالت الويلات والأهوال ، وخصوصا مع دخول الانتهازيين والمتعصبين بفئاتهم وتجار العقائد والأوطان لحلبة السباق على السلطة وكراسي الحكم ، للتحكم بالخلق والعباد واحتكار الحق والصواب ! يكفي الديموقراطية قدرتها على اصلاح ذاتهاوتجديد انطلاقتها ...


  • قرات المقالة وانا كمن يتصيد الاخطاء وعين على الكلمة وعين تقف في اخر السطر لتفكر . انا بالطبع ضد الديمقراطية لاني ذقتها عمليا لسنوات وكون دولتين نجحت فيهما الديمقراطية وطُبقت فيهمابطريقة بعيدة كل البعد عن تطبيقها عندنا فهذا لايعني ان الحل ينفع للجميع .حتى لو اتفقت مع الاستاذ عدلي الهواري بان اختيار الحاكم يجب ان يتم بطريقة ديمقراطية وان هذا من حق الشعوب الا ان مابعد اختيار الحاكم ماذا يكون ؟؟ كيف يبقى الحاكم في كرسيه ؟ الحكم الديمقراطي يمثل تشتت في الراي و العرب امتع ماعلى قلوبهم مخالفة الاخر . لم اجد نظاما ديمقراطياَ ناحجا وسلمت بلاده من الثورات سواء اكانت بحق ثورة ضد الظلم ام مجرد فقاعات لشباب عاطل ام تنظيم خارجي لزعزعة امن الشعوب . اكبر حجة على فشل الديمقراطية هي ان ياتي بها محتل من الخارج ..ومادم هذا المحتل يريد ان يفرض الديمقراطية فاعرف انها لامحالة بداية طريق لاستزاف دم الشباب العربي و موارد ذاك البلد والهاء اهله عن قضية اكبر كانت ستشغله لو رضي بحاكم واحد ويد واحدة تقبض على الحكم بدل ان يتمزق البساط من كثرة ايدي الاحزاب المشاركة في الحكم ولايجد مواطن ذاك البلد سوى الارض ليفترشها.


    • الديموقراطية يجب ان لا تستورد وان لا تفرض بالقوة العسكرية والهيمنة الاحتلالية كما الحال في العراق ، كما أنها لا تصلح للتطبيق في ظل الفرقة والانقسام والطائفية والتخلف والجهل والامية ، كما لا تصلح في اجواء الاحتقان الديني والفرقة المذهبية !الديموقراطية هي ارقى نظام سياسي توصلت اليه البشرية ، ولكن يجب تطبيقها بشروط معينة وفي ظل معطيات نضج سياسي ، وكلامي يتفق ضمنا ومجازا مع رأي الكاتبة هدى الدهان فلها كل الود والاحترام .

في العدد نفسه

تهنئة بعيد الأضحى

عن مبدع الغلاف

كتاب: المناهج التربوية بين الأصالة والمعاصرة

آسيا جبار: سردية القصة والفيلم

عندما تكون الكتابة بديلا عن الموت