عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 

مريم أحمد - المغرب

سجل الأموات


لم يكن يعلم أن أحلامه ستنتهي إلى قبر مسيج بالصمت والنسيان، ربما هو وهم الحياة الذي يحول الأشياء إلى أحلام تسكنه في الصباح، لكن سرعان ما كانت تغادره إلى أجساد تحمل أسماء متعددة.

الأحلام والأوهام تأخذ مسارا واحدا: أن يحلم أو يتوهم، يحيا أو يموت لا فرق. أحلامه أوهامه، حياته مماته.

يستقل الحافلة وفي قلب المدينة النابض، يترك الشاحنات وراءه. يتابع السير بمحاذاة المتاجر التي لم تعد تغريه بالنظر إلى سلعها المعروضة كما في السابق، يسابق الزمن وبالقرب من المصرف ينحرف يسارا. يصعد درج النقابة وفي تلك الغرفة الباردة يلقي التحية ثم يبحث عن كرسي لا زال يحتفظ بساقيه. يجلس ويخلص قدميه من الحذاء الذي حرص على تلميعه ككل اثنين غير آبه بنظرات الاستهجان.

ها هو ينظر، يستمع، يتابع الزعيم وهو يرفع يديه يرغي و يزبد. تختلط الكلمات. تصبح صراخا ثم آهات. ترتسم الحسرة على الوجوه. هنا في هذه الغرفة يظل الصراخ حبيس الأفواه والجدران.

حتى حين يضيق صدره يتململ عن كرسيه. يكور كفه. تهتز الطاولة. يعلو صراخه. تتفحصه العيون. تخرج الكلمات متشنجة مصحوبة برذاذ لم يفلح في إخفائه وهو يمسد على شفتيه، يواصل الصراخ بأعلى صوته:

"المأزق أننا هنا لعبة الصمت. أنظروا كيف صيرونا اشباحا مهزومة تتجرع الرطوبة والغبار، الكل يراهن على لعبة الصمت. هم يردوننا أمواتا. أعرف أن ما أقوله سينتهي في هذه الغرفة الأشبه بعلبة سوداء، لن تسمع إلا بنهايتنا".

ككل مرة يأتي فيها إلى هذا المكان، كان يبدو مثل بهلوان لم يستطع أن يزرع بذرة أمل في العيون التي كان تلاحق حركاته، غادر الغرفة ثم توجه إلى هامش المدينة.

عندما لفظته الحافلة كان بداخل مكتبه بقبو الإدارة وسجل الوفيات مفتوح أمامه: تواريخ تعلن عن نهاية أسماء كانت للتو تتنفس معه هواء المدينة المتعفن، كان كل شيء في مكتبه بطعم الموت: اسماء الموتى، العبارات التي كان يدونها يوميا. حتى زائراته كان الموت يطل من ثيابهن البيضاء.

شعر بالاختناق ولم يستطع مقاومة نوبة السعال التي انتابته. كان وجهه محتقنا عندما انتبه على صوت امرأة أقرب إلى الصراخ تذكره: "من فضلك..."

نظر إلى المرأة. ملابسها البيضاء حزمة ضوء أبرقت في وجهه. أغمض عينيه وإذا بيد تسحبه إلى مكان لم يتبين شكله، وفي الأقصى لمح المرأة ممدة بثوبها الأبيض وقد أخفت وجهها بين كفيها كأنها تمنع تسرب الضوء إلى ملامحها.

اقترب منها وإذا بصوت هائل يرج المكان. الجثث تقفز هاربة من سجل الوفيات: رجال. نساء. أطفال.

الكل يحدق. أحس بنظراتهم تحتل مسام جسده. همهماتهم جمدت حواسه المتحفزة. رائحة الموت تجرفه إلى العالم السفلي. أيقن أن موته لم يكن وهما فهذه الوجوه التي تركت نعوشها واندست في ملامحه تهوي به إلى حفرة عميقة. تجذبه إلى الأسفل.

تغوص قدماه. تتملكه رغبة في الصعود إلى أعلى. تنبجس دمعة من عينيه. تنحدر ببطء. يلثمها بشفتيه. طعمها المالح خذل إحساسه بتوقف الزمن.

ماتت الضحكة على شفتيه. جال ببصره في أرجاء القبو. تسمرت عيناه على المرأة. هالته نظرتها التي كانت تقبض على ملامحه وهي تذكره:

"من فضلك، شهادة وفاة المرحوم هذه. ساعة وأنا انتظر".

D 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012     A مريم أحمد     C 5 تعليقات

4 مشاركة منتدى

  • "وشَبِيهٌ صَوْتُ النَّعِيِّ إذا قيسَ بِصوّتِ البَشيرِ في كُلِّ نادِ"

    لأن التشاؤم والتفاؤل عاملان يتماثلان ((Symétrique، ولكلٍ طقوسه..؟ فقد أكملت قراءة النص بمحض إرادتي وإن بحماس فاتر..!؟ فوجدت فيه لغة متقنة تتميز بالعفوية والبساطة. ولو استفزني المضمون وأثار حنقي..؟ فهذا يعني أن النص ناجح بثير الحفيظة بمقياس من يتوسل نظارة سوداء، ليحجب نور النهار بدلاً من أن يحمي عينيه من الغبار..؟ أو لكأنّه "هاديس" تسلل من مملكته متخفياً بقبعته، لينشر أفكاره في فكبر الكاتبة ومفرداتها..؟ لكن ثمة أمل معقود على بياض ثوب الأرملة، وعلى حرصه البالغ في تلميع حذائه.


    • أَبَـكَتْ تِـلْكُمُ الـحَمَامَةُ أمْ غَنْ نَـت عَـلى فَـرْعِ غُصْنِها المَيّادِ
      بالفعل الاستاذ ابراهيم يوسف الاشتغال على تيمة الموت بالشكل والطرح الذي تناولته القصة هو مافرض حضور "هاديس" بشكل مريع لدرجة جعل السخصية الرئسية تعيش موتها كتعبير عن عبث و خواءفكرة الحياة لأن حياة مجردة من الحلم هي حياة تشي بالانسكار والانهزام,

  • سجل الأموات- مريم أحمد من المغرب

    من يستعرض (سجل الأموات) في قراءة سريعة؟ يجد نفسه مدفوعا للعودة إلى الماضي في تفاصيل وتحليل مقالة مادونا عسكر: بين الماضي والحاضر.. التي تناولت فيها مراحل الخلق والولادة والتربية والعوامل المؤثرة، في محاولة لاستعادة جمال اللحظة وعذوبتها لكي لا تضيع من قلوبنا معاني الفرح، فتخطف منها الألم، وتتوازن حياتنا بالوداعة والتفاؤل والسلام.
    _لك مني كل الشكر


  • هذا ما اسميه حقا بالكتابة الابداعية الحقيقية التي تخلط الواقع بالحياة بطريقة مميزة ، وتتطرق لموضوع سرمدي استعصى على التوضيح وبقي محافظا على اسراره المهيبة عبر الزمان ، ويذكرني هذا الطرح اللافت بفيلم سينمائي فريد اسمه : بعد الحياة ، ويتطرق باسلوب درامي -روحاني شيق للحظات الموت :وقد لفت نظري وجود اطروحتين هامتين تستحق ربما التامل والمتابعة العملية : أولهما يتعلق بموهبة الاتصال بالموتى ، فهل توجد حقا خاصية روحانية مماثلة أم مجرد محض خيال قصصي-سينمائي ؟ وان كانت توجد حقا ، فكيف يمكن الاستفادة من خاصية نادرة كهذه ، والتي يمكن في ظروف معينة أن تنقلب للعنة ، كما يمكن تخيل مدى الاستفادة العملية من هذه الموهبة الروحانية بالكشف عن أسرار الموتى الخفية وخاصة في الحالات الجنائية . أما الطرح الثاني اللافت فيكمن في تناوله الغير مسبوق لثيمتي الموت الظاهري والدفن حيا ، حيث تظهر لنا الفتاة المسكينة في الفيلم وكأنها كانت ما زالت تتنفس مما يدل على وجود رمق حياة فيها ، ولكن متعهد الدفن ولأسباب سيكلوجية غامضة وشريرة يصر على اعتبارها ميتة ويجهزها للدفن ! روعة هذا النوع من الكتابة يكمن بالجرأة والتجديد


  • استهلال رائع لثيمة غامضة ولكن الكاتبة لم تعطي المجال لخيالها لكي يغوص فأنهت القصة بشكل انشائي وشبه خطابي!