عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

 
أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 60-120 » السنة 7: 72-83 » العدد 79 » كلمة العدد 79: عامان على محاولات التغيير في العالم العربي

عدلي الهواري

كلمة العدد 79: عامان على محاولات التغيير في العالم العربي


عدلي الهواري ناشر مجلة عود الند الثقافيةتمكن شعب تونس قبل عامين من الإطاحة بزين العابدين بن علي. وبعد ذلك بفترة وجيزة تمكن شعب مصر من خلع حسني مبارك. في الحالتين كانت الحركة الشعبية المطالبة بالتغيير سلمية إلى حد كبير.

نجاح التغيير في تونس ومصر ولّد وهما يتمثل في الظن بأن كل نظام عربي سوف يسقط بنفس الطريقة، وما يطلبه الأمر هو مظاهرات تستمر بضعة أسابيع، فيضطر الحاكم بعدها إلى التخلي عن حكمه.

ورافق هذا الوهم إفراط في النظرة الرومانسية لمحاولات التغيير في العالم العربي، فكثر استخدام مصطلحات تنتجها شركات العلاقات العامة من قبيل ثورة الياسمين والربيع العربي، وكثر المبشرون بالثورة، وراكبو موجاتها.

لكن الواقع جاء بكل قسوته عند محاولة التغيير في دول عربية أخرى، ففي البحرين أجهز على التحرك بالقوة، وفي ليبيا حدث تدخل عسكري خارجي، وفي اليمن انتهت المحاولة بالتفاوض مع الرئيس على حصانة من المقاضاة قبل نقل السلطة، وفي سوريا تحولت محاولة التغيير إلى صراع مسلح لا يزال مستمرا.

الآن، بعد مرور عامين على التغيير في تونس ومصر، ظهرت في البلدين مظاهر عدم الرضا عما أنجزته الأحزاب الجديدة في السلطة، وعن الأولويات في التغيير الذي تريد أحزاب السلطة الجديدة تحقيقه، فعادت إلى الشوارع والميادين المظاهرات والاعتصامات والاشتباكات بين أنصار التيارات المختلفة وأسفرت عن قتلى وجرحى. وفي ضوء عدم الرضا هذا، سيبقى الجدل مستمرا حول الديموقراطية والإسلام السياسي، لأنه أصبح لدى الجماعات الإسلامية ومعارضيها ما يؤكد وجهة نظر كل طرف.

منعت الحركات الإسلامية في مرحلة سابقة من المشاركة في العملية السياسية بذرائع مختلفة إحداها أنها ستغير طبيعة النظام الديموقراطي بعد الوصول إلى السلطة عن طريق الديموقراطية (علما بأن النظم لم تكن ديموقراطية). وأثناء استبعاد الإسلاميين، كانوا يقولون إنهم قبلوا بالديموقراطية لأنها لا تتعارض مع الإسلام.

بعد الحصول على فرصة إدارة الحكم، أظهرت الأحزاب الإسلامية أن تحديدها للأولويات مختل لصالح وضع أساس لمرجعية دينية للحكم، بدل الاهتمام ببرامج التغيير الاقتصادي والاجتماعي، وتحقيق تغيير يؤسس لواقع جديد مختلف عما كان سائدا في النظام التي أزيح رئيسه.

وفي ضوء المعارضة التي ووجهت بها الحركات والأحزاب الإسلامية، سوف تزداد قناعتها بأن القوى الأخرى من علمانية ووطنية ويسارية ترفض قبول نتائج الانتخابات عندما تأتي في غير صالحها، بدءا بتجربة جبهة الإنقاذ الإسلامي في الجزائر، ومرورا بحركة حماس في فلسطين، ثم النهضة في تونس، فالإخوان المسلمين في مصر.

في المقابل تتحمل القوى اليسارية والوطنية والقومية قدرا من المسؤولية لأنها أيضا تظهر أنها غير قادرة على تقبل عدم الفوز في الانتخابات، ولم تتعامل مع النتيجة على أساس أنها أمر يمكن تغييره بعد بضع سنوات من العمل السياسي والجماهيري، فالتأييد الشعبي للحركات الإسلامية في مرحلة ما كهذه ليس قدرا، بل ظاهرة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية واجتماعية يمكن أن تدرس وتفهم، ويجرى التعامل معها.

لا أحد يمتلك الدين، ولا أحد يستطيع أن يكون ناطقا وحيدا باسم الدين، وفي الوقت نفسه العلمانية يجب ألا تعني معاداة الدين والمتدينين والجماعات ذات الاتجاهات الدينية، فالذين بشروا بانتشار العلمانية على حساب الدين في الماضي اضطروا للتراجع عن تنظيراتهم بخصوص انتشار العلمانية، وعن ذلك كتب بيتر بيرغير، أحد هؤلاء المنظرين، عام 1999 "العالم اليوم، مع بعض الاستثناءات، متدين كما كان دائما، وفي بعض الحالات اشد تدينا"(1).

بعد حرب عام 1967 ظهرت حركات المقاومة الفلسطينية، ولم تكن بينها منظمات إسلامية، وكانت حركات المقاومة من وطنية ويسارية تتمتع بتأييد جماهيري فلسطيني (وعربي وعالمي). ولكن بعد فترة من الزمن بدأ التأييد لهذه الحركات ينحسر لصالح الحركات الإسلامية. الشعب في الحالتين نفسه: أيد الوطنيين واليساريين في مرحلة، ثم أيد الإسلاميين في مرحلة ثانية، ويمكن أن يوجه تأييده إلى غير الإسلاميين مرة أخرى في حال قيام اليساريين والقوميين والوطنيين بخدمة مصالح الجماهير بشكل أفضل من الإسلاميين.

بعد مرور عامين على بدء محاولات التغيير في العالم العربي تبدو صورة الأوضاع قاتمة، فحيث ينقسم المجتمع، وتسيل دماء كثيرة، لا يمكن بناء نظم ديموقراطية، وسيعيد الاستبداد إنتاج نفسه بذرائع قديمة-جديدة.

مفتاح الحل هو العيش في القرن الواحد وعشرين بعقليته، وقبول الإسلاميين وغيرهم من التيارات العلمانية والوطنية والقومية واليسارية بأن يكون التنافس على الوصول إلى الحكم تنافسا مفتوحا ديموقراطيا شريفا، لا تنافسا أيديولوجيا من عصر الحرب الباردة، يؤدي إلى تجدد النزاعات الأهلية، ويؤدي ولو بعد حين إلى الفشل في تطبيق البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

مع أطيب التحيات

عدلي الهواري

(1) Berger, P. L. ed. 1999. The Desecularization of the World: Resurgent Religion and World Politics. Washington, D.C.: Ethics and Public Policy Centre; and Grand Rapids, Michigan: William B. Eerdmans Publishing Company, p. 2.

D 25 كانون الأول (ديسمبر) 2012     A عدلي الهواري     C 13 تعليقات

9 مشاركة منتدى

  • يمضي عامان واربعة ولكن الشعوب لا تتعظ ..هذا هو العجيب ..لاينفع لا دواء الكي بالبارود ولا بالتهجير ولابالسجون..كان ربيعاً عربياً فاضحوا ينادون بفجر اسلامي و النتيجة مذابح ومجازر لا تطال لاابن الحزبي ولاابن الاسلامي ..تسحق فقط من شارك بالاحداث بالقتال على الرصيف ومن تابعها على القنوات الاخبارية .
    الدين للمساجد والقضاء بين الناس و غيره انما هو تشويه لصورته التي ترقى عن دنيويته من انتخابات و اغلبية ودفة حكم لشعوب بالملايين ومن مختلف الاعراق و الملل .
    انا مع البيت القائل :
    فطوبى لنفس أولعت قعر دارها ... مغلقة الأبواب مرخى حجابها
    للامام الشافعي ..فالبيت اولى بأبنائه احياء لاشهداء في حال كان دم الشهيد يسفك لاجل ان يرتقي حاكم مكان حاكم و البلد تطحن مابين اسلامي وعلماني و لسنوات في حلقة مليئة بالدماء والجثث مفرغة من الحلول الدينية والدنيوية.


  • الاستاذ عدلي،
    في البداية اشكرك على طرح الموضوع بهذه الحيادية التي تشخص الحالة الراهنة.
    من اهم المصادرالتي افسدتها الانظمة الديكتاتورية: الانسان. فالانسان العربي اصبح خائفا من ان يقوده احد ثم ينتهي بإستعباده كما حصل فيما سمي ثورات من قبل. الانسان العربي لا زال يتلمس طريقة نحو الديمقراطية وفهمها. الانظمة "الاسلامية" واليسارية والعلمانية كلها كانت اما ممنوعة من الظهور او منضوية تحت الحاكم الاوحد ولم تعرف طوال سني ممارستها العمل السياسي بوجود الرأي الآخر الذي ينتقد بهدف تحسين البلد، فقد كان الرأي الآخر اما لقلب نظام الحكم او لتعزيز الفساد!
    الشعوب العربية لا تزال بحاجة لكثير من العمل الشاق والمجهد والمكلف نحو بناء نظم عادلة وبرأيي الثورات اولى الخطوات على الطريق واهم ما انجزته هو كسر حاجز الخوف.


  • أخي أستاذ عدلي: نتفق معك في كثير من بنود المقال ولعل بعضها يمكن الاعتماد علية لما فيه من التبصر المحايد والرؤية الغيورة على حال الأمة وهي تعبر الطريق المعبد بالشوك. لا أخفيك انني مسكون بالهواجس أكثر من الأمل والحال على ما هو عليه الآن، فالحالة لا تحتاج إلى رومانسية وكلمات مواساة بقد ما تحتاج إلى عقل راجح وأيد تتشابك لصنع غد جديد يبدأ ..الآن. تقبل مروري
    عبد الهادي شلا - كندا


  • الأستاذ عدلي

    أن يكونَ الحاكمُ مستبداً وظالماً..؟ خيرٌ من أن تكونَ الفوضى هي الحاكم.. هذا زمنُ البحث عن أهونِ الشرين.


    • هذا بالضبط ما اضحت الشعوب العربية تقوله ...انه لو بقينا تحت رحمة والد قاس ظالم لايحس برأفة تجاه ابناء وطنه افضل من ان نصبح تحت رحمة اكثر من مستبد ومتناحر و من تدخلات و فتوى كل من له حاكم لايستطيع ان يقول له "لا" على صفحة جريدة ..فياتي الى هذه الارض المتناحرة ليزيد النار اضراماً فيها.

  • تحليل عقلاني شامل لوضع امتنا العربية البائس، وخاصة فيما يتعلق برفض مختلف التيارات السياسية والعقائدية وحتى الدينية لبعضها البعض واحت، وقد حولت أحلام الربيع العربي لخريف وشتاء ، ناهيك عن القتل واستباحة الدماء وتعميم الفوضى اللاخلاقة. والغريب هنا هو الغياب الشبه كامل للحكماء والعقلاء مع سيادة التعصب والفكر التكفيري. وفيما تبني الامم الاخرى مستقبلها وحضارتها يدمر العرب أوطانهم بايديهم ويستبدلون طغاة فاسدين بطغاة أتقياء متعصبين ، وانظمة قمعية بأنظمة شمولية عميلة!


  • لست من أنصار نظرية المؤامرة... ولكن ما يحدث يجعلنا نشك أن هناك لعبة في الخفاء... وأيد عابثة تحرك الخيوط.
    لا يراد لهذه الأمة أن تنهض بأي صورة من الصور... سواء على يد الإسلاميين أو غيرهم... بل يراد لها أن تبقى متأرجحة تشتكي جراحها وآلامها دون أن يسمح لها بتناول الدواء.
    يسمح للشعوب أن تتنفس ولكن بقدر لكي لا تذهب إلى نهاية الشوط.. وكل ما حدث من ثورات وانتفاضات لم يمس مصالح الغرب بل عززها... وتأخر الحسم في سوريا مثلاً لأحد الطرفين هو اختلاف بين القوى العالمية على المصالح ومناطق النفوذ، ولو كان هناك اتفاق لانتهى الأمر من أمد بعيد.
    وعودة إلى المقال المهم ... فإن قابلية القبول بالآخر غير موجودة عند العقلية العربية.. فالخاسر لا يعترف بالهزيمة... والفائز لا يرى إلا نفسه ويمارس سياسة الإقصاء.. لأن العقلية العربية تعودت على ذلك... ومن المستحيل أن تتغير بين ليلة وضحاها... الأمر يحتاج إلى فترة قد تطول وتطول لنصل إلى أول سلم الديمقراطية.
    كل الشكر للدكتور عدلي على هذا المقال المنصف.


    • لقد أصاب الباحث موسى أبو رياش يتشخيصه الدقيق لما يخدث في المنطقة العربية واضاف قيمة استثنائية للمقال الأصلي ...أجل انها نظرية المؤامرة بشكل او بآخر ، ولا مجال لاخفاء الحقائق التي اصبحت واضحة للجميع، كما انه أصاب كبد الحقيقة بتحليله للعقلية العربية التي ترفض قبول الآخر وترفض التعددية وتعشق السلطان والنفوذ ، وتنحاز تلقائياللفئوية والشللية لكي لا أقول الطائفية والاقليمية والجهوية.

  • فهنا ياسيدي أن ربيع الشعوب العربية ضد الأنظمة ،ولكن ما لا نفهمه ربيع الأنظمة ضد الشعب الفلسطيني..؟


  • الغرابة تكمن في العقل العربي الذي وطن نفسه على اتخاذ الطرق التي يسبقه إليها غيره، مسكون بثقافة التقليد، يشحن نفسه بالحركة حين يتحرك غيره، ويصمت حين يغلب الصمت على السواد الأعظم، وكأن ديدنه الانصياع على ما ينصاع عليه الجميع، فإما أغلبية صامتة أو أغلبية ثائرة.. ينام على أنظمة الفساد دهراً ثم يصحو على الاصلاح يريده أن يجري في طرفة عين، على نظام كن فيكون، ينام عن الفساد نصف قرن حتى يقفر الوطن ثم يأتي يريد حصد الاصلاح بسرعة بعد الخراب الكبير.. العربي يظل يعيش حالة تجريب مستمر لأنه ينسى موقع دوره في العملية التغييرية ولذلك سيظل يتقلب باعتماده على الحركات والنظريات المتغيرة ولا يعلم سوى الله متى يتوقف عن ذلك ويلعب دوره الفاعل في إصلاح ذاته أولاً ومعرفة أنه شريك في الاصلاح وإحداث التغيير


  • تحليل شامل ذكي وموضوعي وصائب لحد بعيد ...ويحذر من تداعيات الربيع العربي التي كادت أن تتحول لخريف وشتاء، مما يعزز المقولة المشهورة "لا تطبيق ناجح بلا نظرية"! فلا يكفي تنفيس الاحتقانات الشعبية العارمة، ليحقق شروط الثورة الشعبية الناجحة في أوساط شعبية تعج بالامية والوعي السياسي الاجتماعي الفقير والاتكالي.