أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 7: 72-83 » العدد 81: 2013/03 » اللغة العربية وخطر الانقراض

دنيا فيضي - العراق

اللغة العربية وخطر الانقراض


يتكرر الحديث من حين لآخر عن احتمال انقراض اللغة العربية، فبعض اللغات انقرض مثلما انقرضت كائنات أخرى ولم تعد موجودة في عصرنا. الآراء المتحدثة عن احتمالات الانقراض تشير إلى ازدواجية بين الفصحى والعامية، وعدم تمكن اللغة العربية من مواكبة العصر والكثير من مصطلحاته التقنية. رأي آخر يبدي ثقة في بقاء اللغة العربية معتمدا على آية في القرآن الكريم تقول: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (سورة الحجر؛ الآية 9). ولكن هناك أيضا من يقول إن الذكر، أي القرآن الكريم، والآية تقتصر على القرآن، وليس كل اللغة العربية.

بداية كيف نشأت اللغة؟ كانت صدفة حين "نطق الإنسان القديم كلمة ربّما كان لها صدى غريب". ولم يكن عقل الإنسان سوى قوى غامضة، احتوتها كلمة كان لها سحرٌ أكيد. إنها الكلمة التي ولدت في زمن مضى، حين كان الإنسان مختلفا تماما، والحيوان قادرا على أن يصبح إنسانا، وكل ما تريده البشريّة كان سهل المنالْ. "ما كان الإنسان ينطق به يصبح حيـّا وسحرا كما حياته مع المخلوقات الغريبة والأرواح"، تمهيدا لولادة اللغة كوسيلة يحمي بها نفسه وسلالته في ظل علاقات إنسانية، ونحو غموض الحياة الكبير[1].

كلُّ ما ننطق به يصبح حيا، وجاريا كنهر سبيل لا حدود له، يصبُّ في محيط اللغة بتنوعاتها كما الأسماك الملّونة حين تزيّنُ جدول الحروف الصافي. اللغة هي التي خلقت الواقع، وما كان يرددّه الإنسان يصبح قيد الوجودْ الذي تفرّع وتنوع كشبكة العنكبوت يُحيك لغات شتّى وكلمات ليس لها حدودْ. إن مقاطعُ الكلام التي نستخدمها في حياتنا اليومية والتفكير بها هي وريثة كجزء من النشاطات الاجتماعية وبناء داخل قياسات شاملة لمعنى الواقع، أي أن "لغتنا هي وسيط لتجاربنا اكثر من أن تكون وصفا لأول ما يتذكره المرءْ"[2].

لقد ركّزت دراسات العصور المتوسطة على أصول اللغة من حيث توحدها دون الإشارة إلى استخدام أصوات الحيوان، وقد أشير إلى أصوات الطيور كوسيلة للتواصل أكثر من الماموثيات. واللغتين، لغة الحيوان والإنسان، تتفقا في أن لهما غرضا، يهدف إلى تغيير السلوك، وتراكيبية، أي لها تركيب ضمني، ومعلوماتية، بدءاً من نظريات إطلاق الأصوات بدائيا، حيث استخدم الإنسان أصواتا أشبه بنباح الكلاب من اجل الإشارة إلى الخطر، وانتهاء بأحدث طرق دراسة أصول اللغة، التي تتناول لغة الطفل والتي تعتمد على الاستماع بالطبع، بشكل أساسي من اجل الإحاطة اكثر بوسائل التواصل بداءة.

إن علم اللغويات في تطور مستمر، وأساس البحث بأصول اللغة يتناول التفريق ما بين تعلم اللغة عن طريق الصور، وتعلمها من خلال الأنظمة والقواعد، فمن غير المعقول أن يتم تعليم الطفل في شهوره الأولى بنفس النظم والقواعد التي يتعلمها الطفل الكبير، أي الاستيعاب الفطري، وجميع ما درس يصب بأن اللغة هي هبة للبشرية جمعاء، و"ما يتم اقتباسه فطريا هو هبة تعلم لغة الأم"[3]، ثم الإشارة إلى البحوث والدراسات التي تدعو إلى الغوص اكثر بتطورات اللغة حين يكون "تعلمها من غير اللسان الناطق باللغة الأم"، واثر ذلك على تغيرها وطريقة نطقها [4].

وتبعا لذلك، بزغت الحضارات وسنت الثقافات الأولى قوانينها وتشريعاتها بالكتابة الصورية والتي تطورت عبر العصور لتوثّق ما ينطق من كلام، ثم بزوغ الحضارة الإسلامية متوجة باللغة العربية السامية الأصل، التي تتفرع إلى لغة الشمال، أي الحجاز ولغة الجنوب أي اليمن، وهيمنة لغة قريش لأسباب اقتصادية ودينية وميّزات أخرى، كما أُرخّت في صفحات نشأة اللغة العربية لأحمد حسن الزيّات، بأرجحية قرب العربية إلى اللغة الأم، لأنها انعزلت عن العالم، وسلمت مما أصاب غيرها من التطور والتَغير بسبب البناء والعمران[5].

وقد تمت الإشارة إلى أخطار انقراض اللغة العربية، في مؤتمر المجلس العربي للطفولة والتنمية، الذي عقد عام 2007، حيث شارك فيه اكثر من (500) باحث من ضمنهم الدكتور علي القاسمي الذي استشهدَ بانقراض اللغة العربية فعلا في ايران بعد أن "كانت لغة البلاد الرسمية والثقافة فيها"[6]، واحتمالية انقراضها فعلا مع بقاء القرآن الكريم.
وتتطرق المؤتمر لكتاب موت اللغة لـ(ديفيد كرستل) الذي يعتبر أن اللغة العربية "مشمولة" بالانقراض مع لغات أخرى، ويشير إلى ظهور الازدواجية اللغوية كنتيجة للاندماج الثقافي ما بين الأمم والشعوب.

وكان في المؤتمر وجهة نظر لا تتفق مع الرأي الذي يتحدث عن انقراض اللغة العربية، وتقبل برأي إدراجها ضمن اللغات المعرضة للخطر لا الانقراض، في المؤتمر الثالث عشر . وأشار الدكتور احمد ابو الخير رئيس قسم اللغة العربية في جامعة المنصورة في بحثه (صورة العربية داخل وطنها) إلى أن هناك اكثر من (300) مليون متحدث باللغة العربية وأنها تدرج كخامس لغة بعدد المتكلمين بها بعد الصينية والهندية.

إن حماية اللغة العربية من الذوبان والانكسار وهيمنة لغات أخرى يتم عبر التوعية وترغيب جيل النشء فيها والإسهام في انفتاحها على إلى اللغات الأخرى.

الهوامش والمراجع:

[1] Matthew C. Bronson, Lessons in the Old Language. http://www.globalonenessproject.org/people/matthew-c-bronson

[2] المصدر السابق، الدرس الأول: اللغة تخلق الواقع.

[3] Noam Chomsky. Language and Mind. Cambridge University Press, 2006, p. 88.

[4] المصدر السابق، ص 92.

[5] أحمد حسن الزيات. تاريخ الأدب العربي. دار المعرفة بيروت، لبنان 2000م.

[6] علي القاسمي. "انقراض اللغة العربية خلال القرن الحالي".البحث المشارك في المؤتمر العالمي الذي نظمه المجلس العربي للتنمية والطفولة في مقر جامعة الدول العربية، شبكة فولتير، 8 آذار 2007 http://www.voltairenet.org/article145997.html

D 25 شباط (فبراير) 2013     A دنيا فيضي     C 7 تعليقات

3 مشاركة منتدى

  • أشكر عود الند وتحديدا الدكتور الهواري على تنقيح مقدمة المقال الرائعة. لقد اعطيتم لعملي البسيط نورا من آيات الذكر الحكيم، وديباجة جميلة اكرر شكري واعتزازي بمجلتكم.


    • السلام عليكم,

      تعقثبا على ما جاء في الموضوع اعلاه, انا مع القائلين بضد انقراض اللغة العربية. لقد استطاع اجدادنا الاقدمون ان يحافظوا على اصالة وغزارة لغتنا لسبب اساسي وهو ان تعاملهم الحياتي بكل متطلبانه من تجارة وصناعة والى اخره من التداولات اليومية كان يتم باللغة العربية بالاضافة الى اللغات الشرقية الاخرى اللائي كن ضمن التداول في بلاد الشام ومصر كالسريانية والقبطية. ولأن كل هذه اللغات تنبع من أصل واحد وهو الارامية كانت النتيجة اثراءا للمفردات اللغوية صب في هذه اللغات أجمع.

      برأيي ان السبب في استخدام الكلمات العامية هو سلسلة الاحتلالات اللتي وقعت البلدان العربية ضحية لها وللمخططات الرامية لاحلال لغة البلد المحتل محل اللغة العربية مما أجبر الشعوب العربية على التحدث بالعربية خلسة, كما ومنعت الاصدارات العربية مما أدى الى ضمور كبير في جزالة اللغة.

      أما الان, فاننا نحن اللذين نسهم في القضاء على لغتنا من خلال تبني المصطلحات الاجنبية والتقاعس عن ايجاد مرادفات عربية لها لا لعجز في اللغة بل لقصور منا وظنا خطأ بتفوق الغرب, وهذه هي الكارثة التي يجب علينا التنبه اليها.

      وشكرا لكم

      جنان حنا سيبي

    • وعليكم السلام شكرا للأخت العزيزة جنان على التعليق الجدّي والممتع في آن واحد، ومؤكد ما أشرت له وهنا يبرز دور المجتمعات المثقفة في الحفاظ على اللغة من خلال انفتاحها على اللغات الأخرى وسيادة جو الإحترام للغات بدلا من فرض واحدة على اخرى. ولا ننسى دور مجلتنا العزيزة عود الند في متابعة كل ما يتقلق بإرتقاء لغتنا تحياتي

    • يخطئ الكثيرون في هذا ويظنون ان الشعوب بدأت باستخدام ما يسمونه الكلمات العامية، وما يسمّى لغويا اللغات المحكية بعد دخول الاستعمار الفرنسي والإنڨليزي لكن هذا قمة في الخطأ وفي التحايل على التاريخ.

      قبل انتشار العربية، كانت هناك لغات محكية في الدول التي غزتها العربية لاحقا، وسآخذ كمثال تونس، حيث كانت اللغات المستعملة هي اللغات الأمازيغية واللغة القرطاجية واللغة اللاتينية القديمة، ومع غزو مشال إفريقيا، أصبح التونسيون القدماء مجبرين على التحدث بلغة المُحتل كونه أتى بدين جديد أيضا.

      وهكذا، طبق القدماء طريقة نطق لغتهم وكلماتهم وحروفهم على العربية، وهكذا نشأت التونسية المحكية الأولى، ثم أتى الاستعمار العثماني ثم الفرنسي، فدخلت كلمات من كلتا اللغتين، وبسبب القرب الجغرافي لإيطاليا وبسبب وفود الأندلسيين دخلت كلمات إيطالية وفرنسية. واليوم بسبب العولمة، بدأت كلمات إنڨليزية بالدخول.

      إذن هو أمر طبيعي.

  • ربما تضعف اللغة للأسباب الواردة في سياق المقال ، ولكني لا أعتقد انها ستنقرض هكذا ببساطة ، وربما ساعدت هجمة العولمة والانفتاح الحضاري وانتشار الانترنت والتلفون الخلوي والتفجر المعرفي على انصهار عالمي تمهيدا ربما لنشؤ نمط انساني جديد من التفكير والاتصال ، حيث يوجد لهذه الظاهرة تاثيرات ايجابية وسلبية ولكنها لن تصل بالتأكيد لحد انقراض بعض اللغات ومنها العربية ، وخاصة أن القرآن الكريم قد نزل مكتوبا بها ، وأنا بصراحة انبهر عندما اسمع ايرانيين واتراك بل أحيانا بعض الروس يتحدثون بها وبطلاقة ، حيث اشعر بأنها لغة عالمية مهما لاقت من اهمال وتعسف ولامبالاة ...ويكفي للدلالة على ذلك ذلك الكم الكبير من الصحف والمجلات والمواقع الألكترونية وعدد الكتاب المبدعبن ، ولنأخذ مجلة عود الند الرائعة كمثال حي متطور ابداعي ،وكمنبر أصيل لجودة الكتابة بالعربية وفي مختلف المجالات السردية والبحثية ، ناهيك عن الكم الكبير من الكليات والمعاهد الجامعية التي تدرس العربية في طول الوطن العربي وعرضه... لاالعربية لن تنقرض وستبقى أبد الزمان وسيتكفل القرآن بحفظها وكذلك الناطقين بالضاد !


    • شكرا استاذ مهند للتعليق والمشاركة وحتما تحفظ اللغة العربية مقامها ومقام قرآنها المجيد، وبحضور عود الند اكيد، ولكن تجدر الاشارة الى جيل الشباب الجديد الذي يهمل الكتابة والتحدث بالعربية وهو ما نلمسه في ابسط صور المحادثات عبر المواقع الاجتماعية، على سبيل المثال تواصلهم عبر كتابة alsalamu 3laikum بدلا من العربية رغم توفر الواح باللغة العربية ولاحظ ادخال ارقام للتعبير عن الحروف مثل الـ 3 لحرف العين، والـ 7 لحرف الحاء وهكذا.. وقد اشرت لهذا الموضوع في موقعي في (linkedin) وخطر انتشاره، وربما انوي كتابة مقال عنه قريبا.. تقرقبوا مع فائق شكري وتقديري لمتابعتكم.

  • ليس الشباب هو المسؤول بالدرجة الأولى عن تراجع اللغة العربية،بل المسؤولية ملقاة بالجزء المهم منها على القمة والدوائر الحكومية المسؤولة. هناك تراجع في الادارات والشركات والمطارات والمؤتمرات و المحافل الدولية. اوراق المعاملات والصفقات تحرر بلغة اجنبية في كثير من الدول. المحاضرات و الخطب في المؤتمرات و الهيئات الأممية خارج الاوطان العربية تلقى بلغة أجنبية. لا احد يبادر للحديث بالعربية حتى رؤساء الدول لا يفرضون لغتهم وكأن بها قصور. أما الوافدون إلينا نكرمهم بالحديث إليهم بلغتهم وإلا فبلغة اجنبية اخرى يفهمونها. شكرا لك استاذة دنيا على إثارة هذا الموضوع المهم والحيوي و المصيري


في العدد نفسه

عن مبدع الغلاف

كلمة العدد 81: الفيلم الصامت والنشر الورقي

تأثر العبرية بالعربية

تعليم الشعر الجاهلي للناشئة

تأثير الشخصيات الكرتونية على الأطفال

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  ترجمة: ترمب ووقف تمويل أونروا

2.  فيصل عبد الحسن: رواية

3.  كلمة العدد 45: عن الغناء والأدب والجماهير

4.  مختارات: الأدب والتكنولوجيا

5.  ثقافة الصورة: من الاستعراض الاجتماعي إلى البكاء الجماعي


القائمة البريدية