د. رانيا كمال - مصر

ولكنه وطني


رانيا كمالفي ذلك الوقت المتأخر من الليل، كنتُ جالساً في أحد المطارات الأميركية الفخمة في انتظار الطائرة التي ستُقلني إلى موطني. لكم كنت مستمتعاً كثيراً بأناقة المطار ونظافته. وفي الوقت نفسه، كنتُ حزيناً لأني على وشك الرجوع إلى وطني، إلى مدينتي التي تقتل الأحلام العذرية. مدينة مذبوحة، ظمآنة، شبابٌ ضائعون يبيتون على الأرصفة. إنها مدينة ملوثة تملؤها المجاري ومخلفات المصانع وأشعة الشمس الباهتة.

ولكن ما كان يخفف عني، ويقلل من حزني، أنني بذلتُ مجهوداً أظنه عظيماً سوف يؤهلني لأنتقل لفرع الشركة هنا، في أميركا.

وبينما أنا غارقٌ في رحلة الفكر تلك، إذ جلس بجانبي رجلٌ في غاية الأناقة، يتكلم الإنجليزية بطلاقة لدرجة أنني ظننته أميركيا أو بريطانيا. وفجأةً التفت إليّ ووجه لي سؤالاً باللغة العربية قائلاً: "ملامحك عربية، هل أنت عربي؟" أجبته: "نعم".

بدأنا نتجاذب أطراف الحديث لحين وصول الطائرة، وما أثار انتباهي أنني لاحظتُ أنه برغم أناقته التي تدل على مقدرة مادية كبيرة، إلا أنني رأيتُ في عينيه مزيجاً من الحزن والألم، وبخاصة عندما بدأ يتكلم عن وطنه المذبوح فلسطين، وكيف أنه هاجر منه صغيراً، بعد مقتل الكثير من عائلته. لقد شرح لي بكل مرارة، كيف أنك تخرج في صباح يوم ثم تعود فلا تجد منزلك ولا أقاربك، أو أصدقاءك. تبحث وتفتش عنهم، وتتساءل أين ذهبوا؟ وترى الإجابة بنفسك تحت الأنقاض.

لقد كنتُ أشاهد كل ما يرويه لي على شاشات التلفاز. إلا أنني لأول مرة استمع إليه من شخص، فتأثرتُ بحديثة. كم كان صادقاً في كل ما قاله! وكان متأثراً جداً بتلك الأحداث. وبينما كنا نصعد إلى الطائرة قال لي: "إن أي شيء لا يساوي أن يفقد الإنسان وطنه حتى ولو امتلك الكثير والكثير من المال".

وعندما هبطت الطائرة على أرض وطني، نظرتُ إليه نظرةً أخرى، وجدتُ فيه أشياء كثيرة، رأيته جميلاً للمرة الأولى في حياتي.

وبعد أيامٍ قليلة استدعاني مدير الشركة مهنئاً، "لقد تحققتْ أمنيتكْ"، وأخبرني بكل سعادة: "سوف تكون مديراً لفرع الشركة بأميركا". ولكنه فوجئ بتغير موقفي. ردد لي مراراً ما كنتُ أقوله عن وطني وكيف أنني كنت متشائماً من تواجدي به، ومن حياتي العملية فيه. عندها نظرتُ إليه وقلتُ له بصوتٍ يملؤه الفخر: "ولكنه وطني".

D 25 حزيران (يونيو) 2013     A رانيا عبد العال     C 24 تعليقات

12 مشاركة منتدى

  • د. رانيا كمال-مصر

    لقد تراجعت الوطنية وحب الوطن في نفوس الأجيال، وكأن فيروسا اجتاح المشاعر فخربها. الكل يعدد النقائص الموجودة على أرض الوطن دون أن يحاسب أحد نفسه: ماذا قدمت أنا له؟ لا يدرك المرء قيمة الشيءإلا إذا فقده.

    نص فيه عبرة لمن لم يدرك بعد معنى أن يكون له وطن يضمه.


  • أشكركِ أختي رانيا على مشاعر القصة الممتلئة بالوطنية، ودعيني أقتبس منكِ "إن أي شيء لا يساوي أن يفقد الإنسان وطنه حتى ولو امتلك الكثير والكثير من المال"، رائعة في كلماتك الفياضة، وتشبيهاتك المؤثرة، أتمنى لكِ التوفيق دائماً.


  • رائع نصك يارانيــا , انه وطننا في كل الأحوال , مهما يقسو علينا فإن محبته في قلوبنا لا تنقص ابدا ويظهر حبنا له أكثر في وقت المحن و الشدئد ..سعيد انني اشاركك هذا العدد و نمثل مصر في عدد مميز و حافل بالمبدعين من مختلف البلدان العربية الشقيقــة , خالص دعواتي لكِ بالتوفيق


  • و لكنه وطني عنوان جميل لنص رائع ،معانيه واضحه سهل وجميل بوركت وسلمت يداك


  • رائع جدا وكنا محتاجينه ف التوقيت ده تحديدا مع كل الظروف الحالية ف مصر والمحزنة والمؤلمة ولكنه وطني فعلا


  • رائعٌ جداً أن يتحلى النص بكل تلك الروح الوطنيه، ويطرح قضية القضايا "فلسطين"، وطنناالمسلوب، إنها حقاً قصة ذات إبداع خاص، حافلة بضجيج الحياة الإنسانية. وفقكِ الله يا أختي، وبارك فيكِ.


  • كتب أحد الفلاسفة في مذكراته قائلآ :"أشعر أن العالم البشري هو

    موطني ،وكل إنسان يتحرك هنا وهناك هو أحد أفراد عائلتي ".

    أجل هذه هي فلسفة الحياة أن نعيش متقاربين لنا آراء وأفكار

    تصب في مصلحةالجميع ،لأن الأنانية تقتلنا وتجعلنا ريشة في

    مهب الريح،لذلك علينا القيام والإستيقاظ من سباتنا العميق

    ونقف وقفة إنسان واحد تجاه التحديات والظروف الصعبة ،لأن

    المستفيدالوحيد هو نحن أمام هذه العواصف الدهرية ..

    أشكرك صديقتي

    ولك مني ولأهل مصر الطيبين ألف تحية


  • نص انشائي رومانسي بعيد تماما عن الواقعية والمنطق السائد ، وللأسف فقد أثبتت تداعيات الربيع العربي البائسة والمرعبة أن فلسطين ليست أولوية لدى احد لا للطغاة ولا للبدلاء أدعياء الثورة و عاشقي الكراسي ولا للشعوب الهائجة التي تدخل الآن نفقا مرعبا من الفرقة والاقتتال المذهبي الطائفي ! الحقيقة قاسية احيانا ولكن يفضل عدم تجنبها!


    • أشكركِ على التعليق، لكنني أختلف معكِ في كون النص رومانسي، على العكس فإنني قد كتبتُ قصة تحمل بين طياتها معاني الإنتماء والوطنينة وذلك من خلال القضية الفلسطينية، وإن كانت القضية حبراً على ورق لدى بعض الناس، إلا أنها لدى آخرين تمثل أهم القضايا الإنسانية، ووجعٌ لا ينتهى بمرور الأيام، لذا فإنني أرجو منكِ سيدتي أن تعيدي قراءة القصة عدة مرات لتتعرفي على المغزى الحقيقس من وراء قصتي تلك، وإنني ليتبادر إلى ذهني مقولة لشاعرنا الفلسطيني الكبير محمود درويش "أريد قلبا طيّبا لا حشْوَ بُندقيّة"

  • "لكنه وطني" موضوع حافل بفيض من المشاعر النبيلة التي لم توظف جيدا، فبدا النص غير معافى ما يكفي، لأن التحول والتزام جانب الوطنية لا يتحقق بهذه الكيفية البسيطة
    كما لو أن المسألة تحدث بكبسة زر أو عملية تلقيح سريعة. لو كان التمهيد أطول والنقلة أبطأ وأبرع، والعاطفة أصدق، لاختلف الأمر كثيرا. سيرين عبود قالت عموماً كلاما منصفاً.
    شكرا لك على جهدك ياسيدتي وما قلته لم أقله إلاّ بفعل المحبة.


    • ربما كنتَ محقاً سيدي في كون القصة لا تمتلك التمهيد الأطول والنقلة الأبط في الأحداث، لكنك نسيت أن من أهم عناصر القصة القصيرة هو الأسلوب، والذي يميز كاتباً عن آخر، فلربما كان هنالك من يكتب القصة بإيجاز، لكنه في المقابل يجب أن يحقق فيها عنصر البناء وهو الطريقة التي يعتمدها الكاتب لنقل الأحداث بطريقته الخاصة المشوقة، كذلك الحال بالنسبة لباقي عناصر القصة القصيرة من الفكرة التي تدور فيها القصة، والأحداث التي تخدم تلك الفكرة، والأشخاص، والزمان والمكان، والصراع الذي يأخذ بالتضخم بين قوتين، سواءاً الإنسان والقدر، القديم والجديد، كذلك الحبكة القصصية التي يتسلسل بها الكاتب للوصول إلى النهاية، وعند إكتمال تلك العناصر تكون أمامنا قصة قصيرة.

    • بقية التعليق:
      أما بالنسبة إلى قولك: "التحول والتزام جانب الوطنية لا يتحقق بهذه الكيفية البسيطة كما لو أن المسألة تحدث بكبسة زر أو عملية تلقيح سريعة"، فقد حضر إلى ذهني مقولة لـ "ألبرت غريغوري" تقول: "ليس الاكتشاف سوى التقاء الصدفة بعقل متنبه جاهز"، فقد تحولت مشاعره الناقمة على وطنه إلى الإنتماء من خلال الصدفة، وإكتشف حقيقة مشاعره تجاه وطنه من خلال شخص آخر يعاني ألم الإبتعاد عن وطنه رغماً عنه. أشكر لك حضورك ومحبتك.

  • بصراحة لا تكفي النوايا الحسنة والحس الوطني الجارف لانشاء قصة قصيرة مقبولة ، يبدو السياق هنا بمجمله بعيدا تماما عن الواقعية المعهودة في حالات مماثلة ، بل أن الطرح يبدو ساذجا وخال من المتن الابداعي المتوقع الجاذب للقراءة . ومعذرة فقد اكون خاطئا .


    • ربما كنت محقاً سيدي في قولك بأن النوايا الحسنة والحس الوطني الجارف لا تكفي لانشاء قصة قصيرة، إلا أنني أود أن أخبرك بأن الأديب "أوجوستو مونتيرو" والحاصل على العديد من الجوائز العالمية كان صاحب أقصر قصة قصيرة في العالم والذي إمتاز أسلوبه عن غيره بكتابة نصوص ادبية موجزة الا انه كان يجعل من هذه النصوص على صغرها وقلتها تتفجر بالافكار والمعاني الكبيرة، كذلك الحال بالنسبة لقصص كليلة ودمنة، أتمنى سيدي أن تعيد القراءة جيداً في مجال الأدب، كما أرجو أيضاً أن تقرأ تعليقي على الأستاذ إبراهيم، والأستاذة سرين، فهو موجه أيضاً إليك، وشكرا على قراءتك.

  • د. رانيا كمال

    مبدعةجداً وصاحبة أسلوب بسيط ومميز تصلين به الى قلوب الجميع بسلاسة بعيدا عن المقدمات المملة التي تجعل القارئ يزهد في اكمال قراءته وايضا انتقالاتك المحبوكة والسريعة في منتهى الجمال تسلم الايادي


  • د. رانيا كمال

    مبدعة جدا والقصة رائعة وشيقة ووطنية تصل الى قلوب الجميع ببساطة مبتعدة عن المقدمات الطويلة والحشو الذي يجعل القارئ يزهد في اكمال قراءته كذلك النقلات القوية والسريعة محبوكة وغاية في الجمال تسلم الايادي


في العدد نفسه

كلمة العدد 85: ظاهرة اليساريين سابقا

مفهوم التناص: المصطلح والإشكالية

ابن المقفع وتجديد النثر العربي

التجريب في رواية المتشائل

الحقول الدلالية في قصيدة...

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  عود الند: الفئات العمرية

2.  الحركات والضمائر: بين الفونيم والمورفيم

3.  رحيل المناضل الفلسطيني المخضرم حيـدر عــبـد الـشافـي

4.  باديس فوغالي

5.  حوار مع الناقد عبد الله الفيفي