عدلي الهواري

كلمة العدد 89: هل عاد العالم للقطبية الثنائية؟

عدلي الهواري ناشر مجلة عود الند الثقافيةثمة جدل سياسي وأكاديمي حول دقة اعتبار الولايات المتحدة إمبراطورية، فحسب ما عرف عن الإمبراطوريات في الماضي، يكون لها عاصمة تدار منها شؤون المناطق التابعة للإمبراطورية.

ولكن غياب سمة الحكم المباشر ليس كافيا لنفي صفة الإمبراطورية، ففي العصور الحديثة توفرت وسائل أخرى لفرض الإرادة على الآخرين، من قبيل الأساطيل والقواعد الجوية (1). يضاف إلى ذلك في العصر الحالي وسائل النفوذ الناعمة كالإعلام والفنون.

وثمة آراء ترى جوانب حميدة للإمبراطوريات، وهي طبعا تتعرض للنقد (2). ولمس كثير من الأميركيين اكتساب الولايات المتحدة سمات الإمبراطوريات، وحذروا من مخاطر ذلك على الولايات المتحدة، ومنهم على سبيل المثال نوم شومسكي.

وسواء أقبل المرء وصف الإمبراطورية أم وجده مفتقرا إلى الدقة، لا خلاف على أن الولايات المتحدة أصبحت القوة العظمى الوحيدة في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991، ولم تتوان عن استغلال هذا الوضع الجديد، وفعلت ما كانت تتردد عن فعله في أيام وجود الاتحاد السوفييتي.

في أعقاب الاتفاق الروسي-الأميركي في شأن الأوضاع في سورية، وتحديدا ما تعلق بالأسلحة الكيماوية، كثرت المقالات والتحليلات التي أعلنت عودة روسيا كقوة عظمى استطاعت فرض إرادتها على الولايات المتحدة، وأن هذه اضطرت للتراجع، ولم تقبل الاتفاق بمحض إرادتها، وأن نجمها بدأ يأفل.

من الأمثلة على المبالغات التي كان منبر بعضها صحيفة "الأخبار" اللبنانية أن "القوات الروسية ستدخل بقوة في أي حرب تُشن ضد سوريا" (3)، وأن روسيا وضعت سورية تحت مظلتها النووية (4). ومن الأمثلة الأخرى مقالات نشرها محمد صادق الحسيني في صحيفة "القدس العربي"، خلاصة أحدها أن إيران أخافت الولايات المتحدة بما لديها من قدرات عسكرية (5).

مصير الإمبراطوريات هو الانحسار أو الاندثار. هذا قول يمكن أي إنسان أن يقوله، وليس ضروريا أن يكون محللا سياسيا أو أكاديميا، فهذه سنة الحياة. ولكن لا يستطيع أحد تحديد موعد دقيق لبدئه.

أما الرأي الذي يرى أن الاتفاق الروسي-الأميركي يشكل أساسا لإصدار حكم يعلن بدء التراجع الأميركي، فهو يتجاهل الأدلة المناقضة له، بما في ذلك الاتفاق نفسه، فما تحصل عليه دولة ما من غيرها طوعا، لا يستدعي شن حرب لتحقيقه.

لو افترضنا أن العالم عاد هذه الأيام إلى حالة القطبية الثنائية، هل هذا يعني وضعا عالميا أفضل؟ وماذا ستستفيد دول العالم من العودة إلى تصنيفها ضمن معسكر روسي وآخر أميركي؟

لقد أصابت الحرب الباردة في الماضي العالم بالاختناق، إذ تم التعامل مع التطورات في دول العالم من خلال ميزان الربح والخسارة لمعسكري القطبين. وليس هناك ما يدعو إلى الاطمئنان أو الافتخار عندما تصبح دولة ما أو أمة تحت مظلة أحد، وتقبل وعودا بالدفاع عنها بقوات مستوردة. على العكس من ذلك، القبول بهذا يعني الافتقار إلى احترام الذات كأمم أو دول ذات سيادة.

عدم تحبيذ القطبية الثنائية لا يعني تفضيل القطبية الأحادية. هناك من ينظـّر لعالم متعدد الأقطاب (6)، وهي صيغة لا أعتبرها أفضل من القطبية الثنائية. وفي رأيي أن الصيغة الأفضل لنظام عالمي جديد لم تتبلور بعد.

= = = =

الهوامش

(1) مايكل اغناتيف (Michael Ignatief). مؤلف كتاب "امباير لايت::Empire Lite" (الإمبراطورية الخفيفة). وله مقال يلخص فيه الآراء المطروحة في الكتاب، نشر في صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 5 كانون الثاني/يناير /2003 يمكن الاطلاع عليه على الرابط التالي (بالإنجليزية):

http://www.nytimes.com/2003/01/05/magazine/05EMPIRE.html

(2) على سبيل المثال، رد راهول راو على مايكل اغناتيف. ويمكن الاطلاع عليه على الرابط أدناه (بالإنجليزية):

Rahul Rao. 2004. The Empire Writes Back (to Michael Ignatief). Millennium: Journal of International Studies. Vol.33, No.1, pp. 145-166

http://eprints.soas.ac.uk/6263/1/PDF_version.pdf

(3) ايلي شلهوب، "الأسد: لدينا ما يعمي بصر إسرائيل في لــحظات"، الأخبار. 26 أيلول/سبتمبر 2013. نشر الموضوع على الرابط التالي:

http://www.al-akhbar.com/node/192061

(4) ناهض حتر، "سورية تحت مظلة النووي الروسي"، الأخبار، 11 أيلول/سبتمبر 2013. الموضوع نشر على الرابط التالي:

http://www.al-akhbar.com/node/191013

(5) محمد صادق الحسيني، القدس العربي، "القدر الامريكي المترنح على ضفاف الشام"، 8 أيلول/سبتمبر 2013. نشرت المقالة على الرابط التالي:

http://www.alquds.co.uk/?p=82237

(6) على سبيل المثال، شانتيل موف (Chantal Mouffe).

Mouffe, C. 2008. Which World Order: Cosmopolitan or Multipolar? Ethical Perspectives 15(4), pp. 453-467.


موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3366039

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC