أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 8: 84-95 » العدد 90: 2013/12 » كروان الفن وبلبله

أشواق مليباري - السعودية

كروان الفن وبلبله


انتهى يوم حافل بالنشاط، وهبط الظلام. كان الصغير يمص إصبعه ويسحب طرف ثوبها بيده الأخرى يطلب منها حمله، فيما أمسكت هي بكيس النفايات الأسود الممتلئ، حملته بيد واحدة ورفعته عن الأرض.

اتجهت صوب باب الشقة والصغير يتبعها متوسلا وقد بدأ بالبكاء، استوقفتها ابنتها الكبرى تشتكي من طول الواجب المنزلي، وعجزها عن إنجازه بمفردها.

في الغرفة تشابك بالأيدي وصراخ حول لعبة بين البنتين، حاولت الأم إنهاءَه مهددة من بعيد برفع اللعبة سبب النزاع. حملت الصغير من تحت إبطه بيدها الأخرى وسلمته لأخته الكبرى التي ما زالت تلح في طلبها ولم تُنْهِ شكواها بعد، وطلبت منها أن تنتظرها، وتضع الصغير في حجرها إلى أن تعود.

خرجت أخيرا من الشقة وأقفلت الباب خلفها تحمل الكيس إلى الفناء، اتجهت حيث الحاوية، وضعت الكيس بسرعة وقفلت راجعة، حين مرت من تحت عريش الياسمين، هبت نسيمات باردة أنعشتها وملأت رئتيها، عندها شعرت برغبة في البقاء وحدها لدقائق، فبعض الهواء النقي يخفف من حدة التوتر ويجلب لها السكينة.

القطة المشردة بفروها الأبيض ذي البقع العسلية والسوداء كانت تراقبها بعينيها الصفراوين اللتين تلمعان خلف الشجيرات، وتنتظر اللحظة المناسبة كعادتها كل ليلة، قفزت حين رأت المرأة سارحة في خيالها وقد سقط منديل شعرها دون أن تشعر به.

بدأت المسرحية الغنائية. اقتربت القطة من المرأة، أولا الذيل المتراقص مرحبا ومعبرا عن السعادة، ثم العيون تتسع وتومض كالنجوم بنظرات المسكنة والاستجداء، وأخيرا الغناء الذي قطع السكون. مواء متصل ومزعج تقول فيه:

آه، لم آكل منذ يومين.

ليس لدي مأوى لأنام.

المشاكسون الصغار يركلونني بأرجلهم.

انتبهت المرأة إليها وشعرت بالضجر، تذكرت أن هناك الكثير من الأعمال تنتظرها، وهذه القطة المتطفلة عكرت مزاجها كما تفعل كل ليلة، فهي تلح كابنتها الكبرى تماما، وتكاد لا تنقطع عن موائها المزعج.

أدارت لها ظهرها وقامت لتدخل إلى الشقة، وقبل أن تغلق الباب خلفها تذكرت صديقتها اللبنانية على فيسبوك، حينما حدثتها عن القطة التي تضايقها وتتبعها كل ليلة، فقالت الصديقة بلهجتها المحببة: "أعطها أكلاً، أعطها كرمال الله يحفظ ولادك".

ابتسمت وقالت في نفسها: لمَ لا؟

دخلت الشقة واتجهت إلى المطبخ، أخرجت من البراد قطعة دجاج من بقايا العشاء، وعادت إلى الخارج، وضعتها أمامها فحركت القطة ذيلها في فرح.

ضحكت المرأة في سرها، تذكرت أغنية قديمة لأنور وجدي وفيروز الصغيرة:

كروان الفنّ وبُلبُله

مش لاقي حد يؤكله

عادت إلى الداخل لتنهي ما عليها وتجهز الصغار للنوم.

هدأ البيت أخيرا، وحان وقت الاسترخاء والقراءة. حينها بدأت القطة تموء مرة أخرى بصوت مرتفع، أغنية جديدة تعبر عن شكرها للمرأة وإعجابها بطبخها، أغنية أفسدت عليها ساعة الاسترخاء، وأرّقتها فلم تستطع النوم إلا حين انتهت.

في الصباح ركضت الصغيرة إلى أمها آتية من الفناء: "ماما، القطة لديها صديقة. تعالي وانظري".

خرجت المرأة لتجد الفنانة تتمشى بين الشجيرات وبرفقتها قط يشبه النمر. برتقالي ضخم يموء بصوت أجش ويحرك ذيله بخيلاء.

قالت متهكمة: "أجل أغنية الأمس استقطبت المعجبين بالتأكيد".

استمرت الحفلات بعدها ليال أخرى بمشاركة الموسيقار النمر، فمواويله الحزينة كانت فقرة تسبق أداء الفنانة، وغدت كل مهدئات الصيدلية عديمة النفع مع الصداع الذي رافق المرأة.

وفجأة اختفى الصداع باختفاء المواء المزعج، وعاد الهدوء يعم أرجاء الفناء ليلا.

بعد عدة أسابيع، وبينما المرأة تقترب من حاوية النفايات، وإذا بها تسمع مواء خفيفا من خلفها، تنهدت وهزت رأسها، لا بد أن الفنانة عادت من جديد.

جلست قليلا في الفناء، لكن الفضول تملكها حيث أن القطة لم تظهر، عادت واستدارت حول الحاوية لتجدها ملقاة على الأرض. حين انتبهت القطة لوجود المرأة رفعت رأسها وحركت ذيلها وبدأت بالمواء مجدد ولكن بلهجة أخرى:

ساعديني. ليس لدي مكان ألجأ إليه. وأنا، وأنا مثقلة بحملي.

تسمرت عينا المرأة ببطن القطة المنتفخ، وشعرت بالحزن والشفقة على حالها.

هرعت إلى صندوق قديم في إحدى زوايا الفناء، حملته ودفعت القطة للدخول فيه، ثم وضعته في زاوية بعيدة، تركته وعادت بعد دقائق ببقايا طعام العشاء، قربتها من القطة التي امتنعت عن أكلها واستلقت منهكة خائرة القوى.

لم تسمع الموسيقى تلك الليلة، لكن الغريب أن المرأة لم تنم جيدا وغزتها هواجس وأحلام لذكريات مؤلمة قضتها بين الألم والانتظار، والدعاء وفرج يأتي مكللا بالدموع مع صراخ طفل صغير.

استيقظت في الصباح، وما أن ودعت الصغار المغادرين إلى مدارسهم حتى تذكرت الصندوق فأسرعت إليه، وكانت المفاجأة.

لقد رزقت الفنانة بثلاث هريرات يتزاحمن على حضنها وهي تلعقهم بحنان، ابتسمت المرأة وتجمعت الشفقة والرأفة في قلبها فأحضرت المزيد من الطعام، ووسادة قديمة لتنام القطة وصغارها عليها، وغطت فتحة الصندوق بحرام قديم لتمنع عنها تيارات الهواء البارد.

قطةلكن تلك الشفقة والعناية كانت غلطة؛ غلطة بالتأكيد، فبعد عدة أسابيع بدأت الحفلات المسائية تأخذ طابعا مختلفا. تحوَّلت إلى فقرات متتالية من المواويل والغناء الأوبرالي وبعض الموشحات إلى أغاني البوب وحتى الغناء "الحلمنتيشي".

حينها، اكتشفت المرأة أن الهريرات الصغيرات اللطيفات ما هي إلا امتداد لموهبة الأم الفنانة، والأب الموسيقار.

D 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013     A أشواق مليباري     C 21 تعليقات

11 مشاركة منتدى

  • مسالنور الجميع وكروان اشواق ميلباري الذي يجعلنا نغني كما براءة الاطفال مواويل اللقاء وعود الند،
    مسالنور اشواق ميلباري وحكاياتك المنمة عن تغريدات التلميح نحو حنو الدنيا ومسؤوليات الحياة،تقديماتك تناسب " ثقافة الاجيال ـ الطفل " تسردي بتناغمية تراتبية يومات لشخوصليست خيالية وما هي افتراضية، عل هناك " و " اتمنى " ان تتخذها الامهات، المربيات، المعلمات، حواتيت وحكايات تفتح ثغر الطفل متابعا مستأنسا متشوقا، فكثير العفوي فيها والنمطي الواقعي،يستقطب الروح من سلاسة وعدم تكلف، سلمت اناملك اشواق ميلباري وقد حملتي بحروفي لترافق موضوعك بكل ود وامتنان، للجميع دعواتي ولعود الند سلامي وتمنياتي
    مكارم المختار


  • أشواق / السعودية

    والله عبرت بصدق عن المعاناة في بعض الأحيان من إزعاج القطط الضالة في الساعات المتأخرة من الليل.. كابوس حقيقي.. إلا أني أرى أصواتها المزعجة وشكواها أقرب إلى النواح منها إلى الغناء.. وعلى ذكر الطبوع الغنائية، فإن قططي أنا تنوح بأغاني "الراي" و "الراب" الحزينة.
    أما نصيحة الصديقة اللبنانية فنعم هي، فالدال على الخير كفاعله، وقد قال نبينا الكريم:"في كل كبد رطبة أجر"، وخاصة إن كانت هذه الكبد أو القطة نفساء ومرضع..
    تمتعت بالقراءة لك.. قصة لا تخلو من روح الفكاهة..


  • اشواق مليباري
    نطقت كلماتك صدقا بان المراة ماهي الا عطاءا تجسد في شكل امراة
    كلماتك ببساطتها ، انسيابيتها ،عفويتها وكانك تودعي تحت كل حرف صوتا مسموعا او لمحة او حركة ، يحِسُ بها القاريء لتُكَوِنُ جملها مشهدا نسمعه بأعيننا.
    بالتوفيق
    هدى الكناني


  • أختي العزيزة ..
    لا ازال اذكر حكاياتك المثيرة لنا ونحن صغار .. وها أنت تواكبين الأجيال الجديدة بأسلوب يناسب عصرهم .. ربما لن يعرف الصغار اغنية كروان الفن .. الا انهم سيستمتعون بالقصة بكل تأكيد ..

    دمت مبدعة ..


  • ابدعتي يا اشواق ،فحروفك سلسه ورائعة تفوح منها رائحة الرقة والرحمة ،فنحن وان كرهنا لا نقسو ،تعلمنا منها الكثير ،وعبرتي عن معانة حقيقية نعيشها مع القطط.

    دمت ودام قلمك الرائع


  • نص جميل جميل جميل .اسلوب سلس جعلني استمتع و انا اقرا كل كلمه خاصه و ان النص يحكي عن الحيوان الاليف المفضل عندي .... القطه.
    جزاك الله خيرا لاهتمامك بالقطه الام و صغارها و شكرا للصديقه اللبنانيه التي اشفقت على القطه من بعيد.


  • الاستاذة أشواق...
    ما كتبته تعيشه كل أسرة في عالمنا العربي، فنحن والقطط يجمعنا مصير مشترك ونعاني ما نعاني سويا. وحكاياتنا مع هذه المخلوقات لا تنتهي.

    نص ظريف لطيف، فيه عبرة بسيطة وفائدة جميلة.


  • أشواق مليباري

    أخبرتني سيدة شابة عن جدتها، وكانت تربي القطط في حديقة منزلها في بلدة صغيرة في ريف ألمانيا. قالت لي: تكاثرت القطط بشكل تجاوز حدود السيطرة عليها، الأمر الذي دفع البلدية إلى إعدام مئآت القطط في ساعة من الزمان.

    أما الصديقة التي نصحتك الرفق بالقطة..؟ ألا تبادلينها النصيحة لتوليَ أفضليتها للإنسان الذي لم تنتهِ مشاكله على اتساع رقعة الأرض. فتؤجل الرفق بالحيوان وتنصرف إلى العناية والرفق بالإنسان.. خاصة وأن فيضاً من الناس من المهجرين في بلادها، ممن يحتاجون إلى الحد الأدنى من الرفق بهم ومساعدتهم ونحن في فصل الشتاء..؟

    وعندما تنتهي مشاكل البشر في بلدها على الأقل، ستنصرف بنفس راضية إلى العناية بسائر المخلوقات.. وحينئذٍ فلتطعمِ القططَ.. الحبشَ المدخن والكاڤيار.


    • أنا معك أن هذا ليس وقت الرفق بالحيوان، فهناك آلاف البشر في حاجة إلى المساعدة، لكن يا أستاذي الفتاة الرحيمة حثت صديقتها على إطعام قطة مشردة من بقايا طعامهم، طمعا في الأجر.ثم ألست معي أن الشخص ربما يقوم بتربية حيوان والعناية به بحثا عن الصحبة والوفاء والإمتنان والحب الذي يأتيه من هذا الحيوان الضعيف و لا يجده في بني البشر؟!

  • أشواق ملباري .. وأنا أقرأ كنت اضحك .. من العمق من أبعد ما تتخيلي من ذاكرة قديمة عن قطه في بيتي القديم الذي تركته وأنا ما بين الصحو والنوم .. وأتذكر القطه التي ولدت وخرمشتني لأني حاولت التعرف على صغيرتها .. أعجبتني فكرة الصوت في هذه المقطوعة أنهيت نصك بطريقة فريدة جمعت فيها كل ما يمكن أن يقال عن نص أدبي جميل .. أهم ما فيه الصوت .. انا إستمعت للأصوات بنصك وكأني أعيشه بشكل حي


  • الكاتبة الرائعة اشواق..راق لي نصك جدا..جذبني من البداية وحتى اخر كلمة..موضوع طريف..وانتي احسنتي في الوصف والتشبيهات..شعرت اني شاهدته كفيلم قصير..وصفك لمعاناة الام وطلبات اولادها..وفي خضام احداث يومها المليئة بالمشاكل.. لم تبخل على القطة بالطعام....ارادت ان تفعل خيرا عسى ان يرده لها الله في اولادها..كذلك تشبيهاتك لمواء القطط كان لطيفا..دام قلمك


  • نص مشوّق لنسأل وماذا بعد الى ان نكتشف اننا بتساهلنا قد ساهمنا في انتاج قبيلة قطط ومطربين ..ذكرتني قصتك بقطة على سطح المنزل نفخت في وجه ابني واكتشفت فيما بعد انها كانت تبعده عن صغيرها فاصريت ان ترفع من السطح مكان لعب ابني المفضل ولاادري اين ذهبت بعد ان رفعت الصندوق الذي كانت تختبي فيه . ويوما سمعت صوت مواءها وحشرجة شيء واكتشفنا ان ضغيرها انحشر في الماسورة النازلة من السطح الى المرآب واحسست بالذنب وبجهد كبير استطعنا سحبه للاسفل واخراجه قبل ان يختنق ..لملمت كرامتي واعدت لها الصندوق والاكثر من هذا بت اصعد للسطح كل يوم بصحن طعام لحضرتها وابنها واخذ ابني بعيدا الى ان كبر هذا الصغير وتركوا السطح لنا اخيرا بعد شهور ..رائع انها تفتقد لموهبة الغناء كقطتك


في العدد نفسه

كلمة العدد 90: الكوميديا الجديدة والشبابية في عصر يوتيوب

الرّمزي والصّوفي في مأساة الحلاج

الحركات والضمائر: بين الفونيم والمورفيم

قراءة في رواية صمت الفراشات

جين آيير: كتاب ماثل بالذاكرة

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  عود الند: الفئات العمرية

2.  الحركات والضمائر: بين الفونيم والمورفيم

3.  رحيل المناضل الفلسطيني المخضرم حيـدر عــبـد الـشافـي

4.  باديس فوغالي

5.  حوار مع الناقد عبد الله الفيفي