أنت في : الغلاف » الأعداد الفصلية » العدد الفصلي 18: خريف 2020 » أنقذونا من هذا الشعر

مختارات: محمود درويش - فلسطين

أنقذونا من هذا الشعر


أدناه مقتطف من مقالة للشاعر الفلسطيني الراحل، محمد درويش، منشورة في العدد السادس (1982/10) من مجلة "الكرمل" الفصلية.

.

إنني لا أعرف ما هو الشعر. ولكنني بقدر ما أجهل هذه الماهية أعرف تمام المعرفة ما ليس شعرا. ما ليس شعرا، بالنسبة لي، هو ما لا يغيّرني؛ ما لا يأخذ مني شيئا ولا يعطيني لوعة أو فرحا؛ هو ما لا يقدم لي أحد مبررات وجودي وإقامتي على هذه الأرض؛ هو ما لا يبرهن جدواي وقدرتي على الخلق؛ هو ما لا يقدم لي الوجود في كأس ماء ينكسر في اختصار؛ إن إدراكي لما ليس شعرا هو طريقتي في الاقتراب من إدراك الشعر، لأننا بالواضح نفسر الغامض، وليس العكس.

من هنا نصرخ: ماذا جرى للشعر؟ ماذا؟

إن ما نقرؤه، منذ سنين، بتدفقه الكمي المتهور ليس شعرا. ليس شعرا إلى حد يجعل واحدا مثلي، متورطا في الشعر، منذ ربع قرن، مضطرا لإعلان ضيقه بالشعر. وأكثر من ذلك يمقته، يزدريه، ولا يفهمه.

إن العقاب الذي نتعرض له يوميا، من جراء هذا اللعب الطائش بالشعر، يدفعنا أحيانا إلى قبول التهمة الموجهة إلى الشعر العربي الحديث. ولكن هل يكفي أن يتبرأ كل شاعر، بطريقته الخاصة، لينجو من الاتهام العام؟ ماذا يفيد التبرؤ مما ليس يشبهك إلى درجة تشبهك؟ وهل جرّب أحد أن يرى أعضاءه في أجساد الآخرين، دون أن يتحمل المسؤولية عن سهولة تفكيك جسده؟

على الشعراء، والنقاد إن وجدو، أن يدخلوا في عملية حساب النفس العسير، فهذه هي فترة النقد الذاتي، إذ كيف تسنى لهذا اللعب العدمي أن يوصل إلى إعادة النظر والتشكيك بكامل حركة الشعر العربي الحديث، ويغرّبها عن وجدان الناس إلى درجة تحولت فيها إلى سخرية؟

إن تجريبية هذا الشعر قد اتسعت بشكل فضفاض، حتى سادت ظاهرة ما ليس شعرا على الشعر، واستولت الطفيليات على الجوهر لتعطي الظاهرة الشعرية الحديثة سمات اللعب، والركاكة، والغموض، وقتل الأحلام، والتشابه الذي يشوش رؤية الفارق بين ما هو شعر وما ليس شعرا.

قد نهدئ من روع الناس بالإشارة إلى أن تاريخ الشعر حافل بالتطاول والادعاء، لولا أن تراكم الركاكة، واللاشيء، وضياع المفاهيم الخاصة بالشعر الحديث قد أضاعت من الناس مفاتيح القراءة والتمييز، وبخاصة أن الشعر العربي الحديث لم يحقق، بعد، شرعيته الشعبية، إذا جاز التعبير، ورسوخه في الوجدان العام، وثباته في تاريخ التذوق، مما يجعل هيمنة نماذجه الرديئة مدخلا لإعادة النظر في التجربة كلها.

[...]

قلت لناقد كبير: لماذا لا تتدخل؟ لماذا لا تكرس طاقتك النقدية الكبيرة لدراسة الشعر الحديث في محاولة لاستنباط بعض القواعد والضوابط، فتساهم في وضع حد لهذه الفوضى؟ قال: لا أفهم. ولا أستطيع القول إن معظم هذا الشعر، من الرواد إلى النقباء إلى الأنفار، ليس شعرا. وأخشى التعرض لتهمة المحافظة من النقاد الجدد، الذين يدرسون القصيدة الغامضة بمقال أشد غموضا، لأني لا أؤمن بالبنيوية بخاصة، ولا أتقن تخطيط أسهمها وأقواسها وخرائطها.

ماذا جرى للشعر، إذا، ماذا جرى؟

إن سيلا جارفا من الصبيانية يجتاح حياتنا ولا أحد يجرؤ على التساؤل: هل هذا شعر؟

نحن في حاجة للدفاع ليس فقط عن قيمنا الشعرية، بل عن "سمعة" الشعر الحديث الذي انبثق من تلك القيم ليطورها لا ليكسرها، حتى شمل التكسير، بدافع الإدراك أو الجهل، اللغة ذاتها. فكيف تطور الحداثة الشعر بلا لغة، وهي حقل عمل الشاعر وأدواته؟

هل شرح لنا الذين لا يعرفون لغتهم ماذا يعنون بالمصطلح الدارج "تفجير اللغة"؟ وهل أوضحوا لنا مفهوم "الموسيقى الداخلية" في إصرارهم على احتقار الإيقاع؟

ولماذا لا تأتي الموسيقى الداخلية إلا من النثر؟ لماذا تعجز ثروة الشعر العربي الإيقاعية عن إنتاج موسيقى داخلية؟ وقبل ذلك ما هي، بالضبط، الموسيقى الداخلية، وما هي الموسيقى الخارجية؟

= = =

رابط للاطلاع على المقالة كاملة:

https://archive.alsharekh.org/Articles/28/2950/88959/10

JPEG - 29.5 كيلوبايت
أنقذونا من هذا الشعر
D 29 آب (أغسطس) 2020     A عود الند: مختارات     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  من أندريه مالرو إلى غادة السمان

2.  مقتطف من تقرير اسكوا

3.  إيمان يونس: مجموعة قصصية

4.  الإبداع التربوي: دورة

5.  إدارة شؤون موقع