شفاء داود - سورية

دموع المطر


مثلك يعرف ماذا تعني أوّل اللّيالي، إنّها الواحدة والأربعون بعد خمسة آلافٍ وثمانمئة، كلّ ليلةٍ هانئةٍ مع من نحبّ هي ليلةٌ أولى، حتّى وإن مضى بعد الخمس عَشَرَة أُخرى، حتّى وإن اشتعل الرأسُ شيباً، يبقى الحبيب في عين المحبّ شبيباً.

إنه المطر أخيراً، هل تسمعه؟ هل تشمّ ما أشمّ؟

هل له صوتٌ أم أنّه أبكمٌ وما ذاك إلا صدى وَقْعِ قطراته على الأرض لا أكثر؟

هل له رائحةٌ أم أنّها التربةُ فاحت أَرَجاً أفشى أسرار حنين المشتاق لحظة العناق؟

هل يبكي مثلنا، أم يضحك؟

هل يدرك معجزةَ أنّه ماءٌ مجرّد ماءٍ لا طعم له ولا لون ولا رائحة كلّ شيءٍ منه حيّ؟

إن كان لهُ صوتٌ فهو لحن حياةٍ يبشّر الأحباب بأنّ الموعد اقترب؛ لا تسأل أين ولا متى. الروعةُ تكمن في المفاجأة، وسرّ حلاوة الدهشة في التفاصيل.

تأمّل الدنيا لحظة هطوله، تذكّر كم مرّةً وددتَ أن تنهار باكياً مثلها لكنّك لم تلق تربةً تحتوي غزير انهمارك بعد، مضت عجافا لم تبكِ فيها دمعةً إلا مِن ضَحِكْ، كنت المهرّج والبهلوان، وكانت الحفلة التنكريّة تمضي كما هو معدٌّ لها تماماً، لا أحد يستطيع رؤية ما خلف الأقنعة الذهبيّة. ابكِ ما شئت ما دامت الملامح تتوارى بقناع.

هل يبدو البكاء ضعفاً؟

لماذا حين نبكي نزداد قوّة؟

إلى أيّ حدٍّ يتقبّلُ الآخرون بكاءنا؟

هل يبكي الكبار؟

متى بكيت آخر مرة؟ ولماذا؟

هل عبرت بوتقة حزنك سريعاً واستطعت المضيّ دونما عبرات؟

هل ندمت لأنّك انهرت؟

هل سكنت قليلاً؟

كم كنت وحيداً؟

هل بكيت أمام شخصٍ تعرف أنّه في هذا الكون مرآتك ولا بأس من البكاء أمام توأم الروح إن لزم الأمر؟

«توأم الروح»!

هل ما زال في المعمورة من يسمّي أحدهم «توأم روحي»؟

هل تبدو تسميةً منطقية؟

من الذين نَصِفُهُم بذلك؟

قد تلتقي توأماً في عمرك أو أكبر منك بقليل، وربما أصغر، أصغر بكثير، من يدري؛ قد تحظى بتوأم روحٍ من دمك وقد تؤتى توأم روحٍ لم يسبق لك نُطق اسمه الفريد قبل معرفته قط. لديك توأمٌ غادر الحياة منذ زمنٍ بعيد؛ وتوأمٌ آخِرٌ سيتعرّف عليك بعد رحيلك من أثرك ويحبّك كما لو أنّكما التقيتما عُمراً مديداً، يدعو لك ويهفو إليك ويتخيّل اللقاء كلّ بكاءٍ ومع كلّ مطر، ويُدرك بسبب شوق الروح إلى شقيق الروح لماذا كان نعيم الجنّة أن نحيا فيها حياةً سرمديّة.

D 29 آب (أغسطس) 2021     A شفاء داود     C 2 تعليقات

2 مشاركة منتدى

كتابة تعليق عام
التعليقات تنشر بعد الاطلاع عليها.

لكي ينشر تعليقك، يجب أن تكتب اسمك وبلدك وعنوانك الإلكتروني. التعليق الجيد يخلق حوارا حول النص أو يساهم فيه. عند التعليق على نصوص الكاتبات ممنوع كتابة أنتي وكنتي ودمتي وابدعتي وما شابه. الصحيح هو: أنت؛ كنت؛ دمت، أحسنت؛ أبدعت.

من أنت؟
نص التعليق

في العدد نفسه

كلمة العدد الفصلي 22: حرية المطالبة بمصادرة الحرية

كتابة الرائحة للدكتور رضا الأبيض

زمن العزلة القادمة

الماء أمان: عرض كتاب

ومضات البرق + منبر الريش