جعفر أمان - السعودية

إنها أمل


بعد تسعة أشهر من زواجهما السعيد رزقا بأحمد. رافقتهما السعادة طيلة عامين كاملين. كانت بشائر الخير تهل عليهما كالمطر الغزير. منح راتباً ثابتاً في الوظيفة المسائية بدل المكافأة المتأرجحة. حصل على منصب أرفع في عمله الرسمي الصباحي، بات معه وجيهاً في مجتمعه. وفق في شراء أرض سكنية. حصلا على الاستقرار الذي ينشده كل أحد.

بعد السنتين فكرا في إنجاب طفل آخر يؤنس وحشة أحمد. امتنعت سناء عن تعاطي أقراص منع الحمل. انتظرا قرابة العام. لم يحدث شيء. لجآ إلى المستشفى، فحص تلو الآخر، وعلاج يلي علاج. وبدأ نزف النقود كما ينزف جرح المصاب بداء السكري. استفاقا بعد أربع سنوات من العلاج ليفاجآ بأنهما تخطيا حاجز خمسة وثلاثين ألف ريال ودون فائدة، مع تأكيد بأنه لا عائق يمنع الحمل. أوقفا الأدوية وانقطعا عن زيارة المستشفى.

بعد فترة زمنية ليست بالقصيرة جرّبا الطبابة الشعبية. نفذا ما طلب منهما بالحرف. وعزفا على أوتار الألم تقاسيم الأمل. لكن سراب الأمل كان هو الحقيقة الواضحة.

استسلما لقضاء الله وقدره، وخنقا ما تبقى من الأمل ورمياه خلفهما ومارسا حياتهما.

مرت سنتان. كانت الغصة تخنق فرحتهما بأي مولود جديد في العائلة.

في المقابل كان أحمد هو النور الذي يضيء لهما دربهما المظلم، شديد العتمة. هو النعمة العظمى التي تُذكرهما دوماً بشكر المنعم.

ذات مساء وبعد مشاركتهما في إحدى الحفلات الخيرية، أحست سناء بألم في بطنها ورغبة في القيء، كذبت نفسها، لم ترد أن تخبر جابر حتى تتأكد. فجر ذلك اليوم هرولت مندفعة نحو حبيبها بعد أن رسم شريط اختبار الحمل خطين أحمرين:

"جابر، جابر."

أفاق مفزوعاً.

"ما بك يا سناء؟"

"لن تصدق."

"أصدق، أصدق ماذا؟"

"أنا، أنا، أ..."

"أنت ماذا؟ أتشكين من شيء؟"

كشفت ابتسامة ثغرها عن لؤلؤ ناصع، وامتزجت حمرة خديها بخجل حالم.

"لا، لا أشتكي من شيء. أنا حامل."

ارتبك، تشابكت مشاعره، ضحك وبكى، لفها بيديه وضمها إليه، بارك لها ولنفسه. توضأ وصلى ركعتي شكر لله، ثم قال:

"سبحان الله، إنها إرادتك يا رب. ست سنوات من العلاج، وثماني سنوات من الانتظار دون نتيجة، ولكنك عندما أردت كانت مشيئتك: ’وما تشاءون إلا أن يشاء الله.‘ فالحمد لك يا رب على نعمتك."

مرت الأشهر السبعة بشكل طبيعي، وفي الشهر الثامن كانت الصدمة. أبلغتها الطبيبة المعالجة:

"أنت بحاجة للراحة التامة. الطفل غير مستقر، وربما لن يكمل شهره التاسع، وفي هذا خطر عليك وعليه."

"ما العمل أيتها الطبيبة؟"

"الراحة التامة والعلاج كما هو مطلوب. ونبقى على أمل أن يستضيف رحمك الطفل ولو يوماً واحداً فقط من الشهر التاسع."

مرت الأيام عليهما أبطأ من سير السلحفاة، حتى حانت ساعة الولادة. غاب هو عن محيطه. كان يصارع الألم كما هي، حتى طربت أذناه بسماع أجمل صوت رغم أنه بكاء. تهادى إلى سمعه صراخ طفله. سأل عن سناء. قيل له:

"إنها بخير."

"الحمد لله." سجد لله شكراً. "بم رزقنا؟" سأل الممرضة.

"طفلة جميلة."

دون تردد قال: "إنها الأمل الذي كدنا نفقده. إنها أمل."

توجه على الفور إلى غرفة زوجته:

"حمداً لله على سلامتك،" قال وهو يناولها الصغيرة. "لقد أسميتها أمل."

كانت مجهدة ولونها شاحب. جاهدت نفسها كثيرا كي تجيبه. لم تستطع. فاكتفت بابتسامة ساحرة. ثم رفعت عيناها نحو الأعلى وتمتمت بصوت يكاد يسمع: "أمل، أمل، الحمد لله."

D 1 تموز (يوليو) 2007     A جعفر أمان     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  كلمات على جبين البؤس

2.  زهرة زيراوي: تكريم في المغرب

3.  وديع والقديسة ميلادة وآخرون

4.  "نفس أمارة بالعشق" لسناء شعلان

5.  الدعاء الأخير


القائمة البريدية