محسن الغالبي - السويد

قـصــاصــة ورق


ثلاثون مدينة أو أكثر. عذرا فهذا الصداع الذي ينتابني كل يوم منذ ما يقرب ألف عام أو يزيد يفقدني التركيز على ضرورة البدء بالمرفوع. ثلاثون مدينة أو أكثر، تلك بعض المدن التي جبتها خلال الأيام المنصرمة. الأيام، الأسابيع، أو لعلها الشهور، لكنها من المؤكد ليست بالسنين. أمقت العد بالسنوات فهو يختصر العمر ويختزله في رقم صغير حقير، وأنا ما زلت طفلا في الأربعين وما بي رغبة البتة للنضوج أو للشعور بذلك قط.

كنت أجوب المدن هذه بحثا عن صديق، بل قل رفيق درب قد نحت به الأيام وتقاذفته الأمواج وتقاذفتني، فلم تجمعنا طاولة واحدة، في مقهى ناء نأي العشق أو الوطن، لا فرق، مقهى يقبع في زاوية داكنة ميتة من زوايا شارع عتيق هرم في طرف نسي من المدينة القديمة، هل كانت بيروت أم بغداد، أو لعلها دمشق الشام، أو روما، عذرا إنها المدينة القديمة في قلب ستوكهولم مع يقيني بأن هذه المدينة لا قلب لها. إنها هي بالتأكيد فقد تذكرت البرد القارص قبل أن ألج المقهى، والثلج الذي كان يدفعني لألعن بعض أجدا....، عذرا، ذلك أنهم أنجبوني ورموني إلى هذه البلاد الباردة. كان الثلج يتساقط فيخترق قلوب المارّة ويستقر بعض منه فيها قبل أن يعانق أحجار الأزقة هناك.

في الحقيقة لست على يقين من أنها هي المدينة التي اجتمعت به فيها إلى فنجان قهوة، فقد عادت المدن كلها مسوخا بلا ملامح تماما كهؤلاء الذين التقيهم الآن وأحاول اِستدراجهم علّني أفوز بإجابة أو بعض إجابة عن هذا الصديق اللعين، عذرا اِنه الصداع يعاودني كرة أخرى. هذا الصديق الذي رحل ولم يترك سوى توقا إلى اللقاء وقصاصة ورق كتب عليه اِسمه الذي تبخرت كل حروفه، وعنوانه الذي لم يبق منه سوى "المدينة القديمة في قلب...".

لم يسعفني حدسي الكسول ولا ذاكرتي الهرمة في الوصول إلى قلب أي مدينة كان! وهل للمدن قلوب؟ كنت أظن ذلك في البدء حتى ذقت قسوتها فأنكرت.

قصاصة ورق فقط هي التي دفعتني إلى هذا الرحيل في مدن لم تطأها قدمي من قبل، بحثا عن قلب إحداها، بحثا عن الأزقة القديمة في قلبها، بحثا عن صديق قديم قذفت به الأيام خارج مدني وعجزت عن أن تقذف به خارج ذاكرتي المهترئة.

قصاصة ورق لم تنجدني في اِلتقاط ملامح مدينة ما، أم لعلها هي المدن عادت كلها بلا ملامح، ليست مدنا بل هي أشباح مدن، أجسادا ملساء بلا تفاصيل، متشابهات حد القرف، تماما كالنساء اللواتي يأتين بعد العشق الأول، حتى ما عدت أكاد ألج مدينة إلا عازما على الرحيل منها سراعا. والعشق الأول، ما الذي يمنحه هذا الحق في المكوث وفي القرار في قعر الذاكرة حتى صارت لا تقر إلا به؟ صار مجدا قد ركز قناته رافعا رايته يتحدى كل القادمين بلا ريبة في الانتصار، كذلك عادت النساء، عذرا أقصد المدن ولكنه الصداع تارة أخرى، عادت المدن كالأغاني، موسيقى بلا حس، فوضى تلامس الذاكرة ولا تستقر فيها، بل ولا تجرؤ على الدخول إليها، عذرا يخامرني سؤال عرضي الآن، ما الفرق بين الأغاني والفوضى؟ أواه أنه الصداع يعاود.

أخيرا قد اِنتابني التعب حد الهجوع على قارعة الطريق بلا مبالاة. لست أدري تماما كم استغرق ترحالي بين المدن، لم يعد بمقدوري الآن أن أعد الأيام فهي الأخرى عادت كالمدن بلا ملامح يتداخل بعضها في بعض هكذا دونما حدود واضحة، أو معنى، أتساءل أحيانا ما الذي يدفع الناس إلى العد بالأيام مع أنها يشابه بعضها بعضا، تتداخل فيما بينها، ينسخ بعضها بعضا، ويمحو بعضها الآخر.

الآن فقط بدأت أشعر بالتعب، لعله الصداع هو الذي يشعرني بذلك. بدأ الخواء يتسرب إلى كل مفاصل روحي قبل جسدي. أيعقل أن قد أصاب الصداع روحي أيضا؟

في الغد أنا عائد إلى بيتي. وأي بيت؟ إن هو إلا غرفة واحدة بنافذة تطل على لا شيء. بيتي الذي لا أملك فيه سوى قدح القهوة.

أنا عائد إلى بيتي غدا لالتصق بنافذتي حاملا قدحي من جديد، ولن أحدث أحدا عن رحلتي هذه وعن هذه المدن الضباب.

لن أحدث أحدا عن رحلتي ولن أتفوه بشيء أبدا، ليس هو ديدني في الصمت هذه المرة أيضا، ولكنها خيبتي، أو خشيتي من البوح، فحينما رفع الصداع يده عن ذاكرتي هذا الصباح، أدركت أنه لم يكن مكتوبا على قصاصة الورق هذه سوى عنواني أنا، أنا لا غير.

D 1 آب (أغسطس) 2007     A محسن الغالبي     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  عن لوحة الغلاف

2.  الــغائــب

3.  مواعيد للعدد القادم، 26

4.  سمير درويش: ديوان جديد

5.  مجلة الآداب: عدد جديد


القائمة البريدية