محسن الغالبي - السويد

شيء من العذاب

محسن الغالبي"وحدهم الفقراء يستيقظون مبكرين قبل الجميع، حتى لا يسبقهم إلى العذاب أحد"

ربما كان الأمر كذلك كما قال محمد الماغوط، لكنني لست فقيرة، مع ذلك أشاركهم هذا العذاب في كل يوم.

الأمر ببساطة ، أنني طالبة جامعة. أهجر سريري في الخامسة فجرا وقد ألتقيه في الثانية صباحا .نوع من العذاب.

وأحمل معي فطوري لألتهمه في مطعم الجامعة أو على أحد المصاطب فيها ملفوفا بكيس من الورق أو النايلون، لا يهم، باردا على الأغلب، مع قدح من الشاي من أحد الأكشاك المهملة. هناك أتجرعه مجبرة. نوع آخر من العذاب.

أتصدقون أني أعيش هذه العذابات العذبة 365 مرة في العام؟ لقد أدمنت هذا كجندي أدمن خدمة العلم حتى صرت أستيقظ أيام عطلتي فزعة من أن يفوتني الباص رغم بقائي في البيت. في الأيام العادية يحدث هذا معي أحيانا. يفوتني الباص فأستقل تاكسي يكلفني مصروف أسبوع بأكمله. هذا ليس نوعا من العذاب. العذاب الحقيقي حينها يكمن في أني سأُجبَر على الاستماع إلى قصة حياة سائق التاكسي، أو أن أستجيب لأسئلته العديدة حول كل تفاصيل حياتي، ولا خيار ثالث لدي. إما حياته أو حياتي.

أتذكر مرة أردت أن أدعو صديقا. لم يكن صديقا بالمعنى المتعارف، معرفة فقط، عابر سبيل مر من هنا ثم غاب. أردت دعوته إلى فطور مرفّه قبل الوصول إلى الجامعة في مطعم ما كان يقدم وجبة فطور مبكرة. كانت الاختناقات المرورية في قمتها. اضطررت إلى المشي مسافة طويلة. وصلنا متأخرين يغمرني قلق حول محاضرتي الأولى. لم يكن الفطور بذلك البهاء الذي تخيلته. كنت أجلس طوال الوقت يأكلني القلق وأنا آكل فطوري. كنت ألاحظ روّاد المطعم الآخرين يجلسون يتلذذون بفطورهم غير عابئين بالوقت. غير أن فطوري تحول إلى نوع من العذاب.

أتساءل أحيانا حول المعادلات التي تحكم هذه الحياة. الكثير من الأمور اليومية تتحول إلى عذابات. فلم لا تتحول بعض العذابات إلى متع؟ تذكّرني هذه بالانتروبيا. ولكن، ربما الأمر عائد اليّ؟ هل يمكن للمرء أن يرى المتعة ويجدها في كل شيء؟ حتى في العذاب؟ ربما ، لكن لا أظن أنا، لأنني مجرد طالبة.

وأعود للبيت، ذلك العش الهادئ الذي أنفض فيه غبار تلك العذابات اليومية المتكررة. تكرارها في الواقع عذاب لا يطاق. قد يحدث معي أن أعيش عذابا لم أعشه من قبل. تمر الأيام وتتكفل الذاكرة بمسحه. لكنه حين يتكرر يغرز مساميره في ذاكرتي ليضاعف أثره.

عادة ما أعود إلى البيت منهكة تصمّ آذاني أصوات المدينة وضوضاؤها، ويغطي ملامحي غبار الشوارع الذي لا أدري من أين يولد.! حتى الأشجار في بلدي تنفض الغبار، والمطر حين يهطل يحمل معه الغبار، كل شيء هنا مطعّم بالغبار. وحين أدخل البيت لأغلقه عن كل شيء خارجه، يفاجئني الغبار في الداخل أيضا.

ربما قُبلة من خالتي تمسح عني آثار كل تلك العذابات اليومية وتنسيني خدوشها وجروحها. فما أفتأ أن أجلس معها نتجاذب أطراف الحديث حول يومها حتى أجد أن أحدهم كان قد حمل لها نوعا آخر من العذاب أفسد عليها يومها. عادة ما يكون أمرا تافها بلا معنى. أقبّل رأسها وأصعد إلى غرفتي لاعتزل العالم كله.

لكنه مجرد وهم. كيف لي أن أعتزل العالم وهو يدخل غرفتي، كما الغبار، من بابها، من كل نوافذها، من شقوق جدرانها، من المسامات اللامرئية في أحجارها، ومن هاتفي، نافذتي على العالم.

لا تمر سوى بضع ساعات حتى يطرق علي ّ الباب من يفسد عزلتي ويعود بي داخل البيت إلى ما يشبه خارجه. أحاديث بلا فحوى، مشاكل الآخرين الذين ضاق ذرعهم بها فجاؤوا يبحثون عمن يشاركهم حملها، أخبار البلاد التي لا تهوى الهدوء ولا تهوى الاستقرار ولا تهوى الاستراحة، ولا تهوى العزلة. اللصوص الذين حولوا حياتي وحياة الآخرين، بل الأخريات فلا شأن لي بالآخرين، إلى مسلسل يومي ساذج من العذابات المتكررة المجّة.

وقبل أن أرمي بنفسي على فراشي عند الثانية صباحا، أجلس أستعرض هذا المسلسل اليومي من العذابات، ربما لست الوحيدة. أفكر أن تمكنَت أحداهن من الخروج سالمة من هذا المسلسل الممتلئ الفارغ دون أن تصاب بلوثة عقلية أو عقدة يصعب الشفاء منها. وكيف؟

لا أظن أن كلهن قد أستسلمن له دون مقاومة. ربما حاولت أحداهن أن تجد طريقا ما لإيقاف هذا المسلسل، أو وجدت من يعينها على ذلك. ربما أسعفها الحظ فألهمها حلا لم تكن لتفكر فيه، أو كانت أكثر حظا فوجدت من يحمل لها الحل والخلاص على طبق من ذهب أو فضة أو حتى صفيح، لا يهم.

وعندما تقترب الثانية صباحا ، الساعة التي يشير مستوى الطاقة فيها عندي نحو الصفر وتتعطل فيها كل حواسي، أترك قلبي ورئتي تعملان على مهل، يصاحبهما جزء من دماغي لا يود النوم. وأرقد مستسلمة لقدري وللمسلسل اليومي الذي يبدو أنه بلا نهاية تماما مثل مسلسل تركي سمج. وأنّى لي أن أغير كل هذا العالم حولي؟ فأنا بالكاد رقم، مجرد رقم، في هذا العالم العدائي، مجرد رقم.

ربما تكررت هذه الليلة وهذا الاستسلام والخنوع ألفي مرة. فمنذ أكثر من خمس سنين والحال ذاته، والعذابات هي هي. لكن ما يحدث الليلة معي شيء آخر، شيء مغاير تماما ، شيء لم أعهده من قبل.

مرت الساعة الثانية صباحا وجفنايّ لم يستسلما للنوم. أرى الساعة تقترب من الثالثة. تعبرها بدقائق. ما زلت في قمة صحوي رغم التعب اليومي المعتاد. شيء ما يدفعني إلى الرفض، إلى الثورة ربما، لكنها ليست بثورة، فالسكينة التي تنعم بها روحي لم أنعم بها من قبل.

أرى أشياء كثيرة تتهشم أمام مرأى العين. أحسها وأدركها بيقين. أشعر بخفة مثل طائر لا يعبأ بكل قوانين الجاذبية، بل ولا حتى بأسوأ أحوال الجو. أشعر أني أعرف بالضبط ما أريد.

ليس الوقت وقت الشرح والحديث عما يجول بخاطري. ربما فيما بعد. وربما لا حاجة إلى قول شيء. يكفيني أنني أنا أعرف ما أريد. وأن العذابات اليومية عند الفجر القادم ستستحيل إلى فقاعات ليس أكثر.

عود الند: تصميم خاص بالعدد الفصلي الرابع

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3223515

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC