أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 3: 25-36 » العدد 25: 2008/06 » الأسماء المتغيرة

مختارات: أحمد ولد عبد القادر - موريتانيا

الأسماء المتغيرة


اندلعت نيران الحرب العالمية الثانية لتنسي جميع شعوب المعمورة كل أنواع الحروب السابقة. وانعكست أسوأ انعكاس على الصحراء الموريتانية. هلكت الأبقار، وكثير من الغنم والإبل. وهجر الناس مرابعهم، وأجدبت مراعيهم. وانتشرت المجاعة، وحصد مرض (انطير عليك) الشبيه بالكوليرا الآلاف والآلاف من الناس حول بحيرة (الركيز) وما جاورها. وأخطر من كل ذلك أن ماتت الأسواق، وانقرضت البضائع الضرورية، وخاصة قماش اللباس. لبس قسم كبير من الناس جلود الضأن. وانزوى بعض الأسر بين الأشجار مختفيا بعريه عن الأنظار.

واتجهت القوافل إلى غامبيا المستعمرة البريطانية التي بقيت فيها أسواق تبيع القماش. ولكن رجال الجمرك الفرنسي كانوا لهم بالمرصاد، فصادروا كل ما وجدوا، وسجنوا كل من ضبطوا، وقتلوا المئات من محاولي الإفلات من قبضتهم. وزاد الأمر تعقيدا استخدام الديغوليين لغامبيا منطلقا للغارات ضد السلطات الفرنسية في السنغال، الموالية للجنرال (باتيه) المصالح للنازيين.

* * *

وعبرت نهر السنغال بالقرب من مدينة دفانة جلابة صغيرة: ستة رجال تعارفوا في الطريق، يسوقون مئة من الأغنام وحميرا تحمل زادهم وقرب شرابهم. وسأل عبداتي بن عبد الله، وكان آخر من انضم إلى الرفقة:

"هل سمعتم أن هذه (الشدة) خفت في السنغال؟ إن المسلمين في وضع لا يطاق."

"في السنغال نزلت الأمطار بغزارة. ومحصول الفستق جيد هذه السنة. وتبعا له ترتفع أثمان الغنم المجلوبة والتي كانت قد ندرت السنة الماضية في الأسواق. غير أن المشكلة هي أننا إذا بعنا بالربح لا نستطيع شراء اللباس لأهلنا والنقود بلا فائدة في حد ذاتها."

"إن حروب الروم الأخيرة مشؤومة. وأصحابنا الفرنسيون ليسوا أشجعهم ولا أقواهم. لم تبق لديهم بضائع للبيع، ويصادرون السلع المستوردة من (الهنفليين)."

"يقال إن (هتلير) سيغلب الجميع ويقسم الدنيا إلى دولتين: دولة الألمان، ودولة للعرب الذين يعترف لهم بالشجاعة والحرية."

"ولكن فرنسا تذكرنا بمثل الرجل الذي يقول ’الناس يغلبونني وأنا أغلب ربة بيتي‘."

ويطرح الشيخ عبداتي سؤاله الآخر:

"يا ترى هل هناك من أمل في تمكننا من جلب اللباس إلى أسرنا؟ تركت الأهل في حالة لا يمكن وصفها من الاحتياج إلى القماش، وأبلغ ما يمكن نعتها به هو أنهم بحاجة إلى فرج الله وعونه."

"وهذا يا أخانا هو أغلب حال المسلمين."

"هناك مجازفون يحملون الأقمشة من (بانجول) ولم يعتقلوا أو اعتقل بعضهم ونجح الآخرون في تهريب الملابس. مثلا: قوافل النواحي الشرقية راوغت وقاتلت في غابات السنغال الشرقية حتى عبرت النهر جنوب (فيدي ماغا)."

"ولكن البطولة الرائعة هي ما فعله ذلك الجكني الذي قتل أربعة من الجمارك بخنجره وكانوا يسوقونه إلى مخفر لهم بأرض (سيني سالم). في السنغال. وقد كثرت الحكايات عن قصة إيصاله اللباس إلى بنات عمه في أرض (الرقيبة) بعد رحلة شاقة."

"لله أبوه وأمه. وقبل أسبوع أيضا وصلت (القوارب) قافلة من الحاجبين، نجت بأعجوبة من قوات الجمارك. وقد وزعوا القماش ببيعه سرا على كثير من المحتاجين له."

ويتكلم واحد من الرجال وقد فتحت أنباء سلامة بعض المهربين آماله في الحصول على مرامه:

"ونحن أيضا سنجرب حظنا بالذهاب إلى (بانجول) والمجازفة مسلك لا محيد عنه: ’ما خلق الله الرجال إلا للتعب والموت. وطرق السلامة أكثر‘ كما يقول المثل."

* * *

فكر عبداتي باستفاضة في الأزمة المتعلقة به وبسفره، فليس من المناسب إطلاقا أن يرجع إلى حيه بدون أقمشة. قال لنفسه وهو يستمع إلى حديث مرافقيه: ولكني شيخ ضعيف، والمغامرة والمجازفة هما بالضبط ما أودى بحياة ابن عمي وحبيبي عبد الصمد بن عبد الله، الذي انتهى به المطاف غرقا في مياه (شمامة) تاركا لأهله متاعب ومصائب لا تنسى جروحها.

وأخيرا تعب من التفكير وتضاعف ارتباكه، فاستل سبحة من جيب دراعته القديمة:

"سبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله. يا رشيد. يا هادي. اللهم فرج كروب أمة محمد. اللهم أدر الضرع، وأنبت الزرع."

تابع المجموعة سيرها وتجوالها بائعة أغنامها قسطا، قسطا لقرى الفلاحين السنغاليين المشتغلين بجمع حاصلات الفستق الجيدة في تلك السنة.

وانتهى السفر بالقوم حين سوقوا آخر رأس من ماشيتهم في الأطراف الشرقية من (سبنس سالم)، حيث أصبحت غامبيا قريبة لمن يريد الذهاب إليها.

طاب البيع وجمعت النقود في الأكياس الصغيرة. ووضعت بعناية في مؤخرات العياب. ولكن المعركة تبدأ من الآن:

"نستودعك الله يا عبداتي. نحن ذاهبون إلى بانجول وعلى بركة الله. أدع لنا الله بالسلامة."

"وفقكم الله وحفظكم. أما أنا فسأعود إلى وطني. وددت لو كان لدي من قوة البدن ما يساعدني على الذهاب معكم."

* * *

سار الشيخ عبداتي وحيدا حزينا آفلا إلى وطنه ومشاعر الفشل والحرمان والعجز تعذب فؤاده المهموم. لقد ذهب عن أقاربه لجلب اللباس وها هو يعود صفر اليدين. مر بعشرات القرى سائلا عن القماش ولم يجد بغيته عينا ولا أثرا.

= = =

مقطع من رواية بعنوان الأسماء المتغيرة. المؤلف: أحمد ولد عبد القادر (موريتانيا). الناشر: دار الباحث، لبنان (1981).

JPEG - 30.4 كيلوبايت
غلاف: الأسماء المتغيرة
D 1 حزيران (يونيو) 2008     A عود الند: مختارات     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  ذات الرداء الكرستالي

2.  الجواهري: جمال الطرح والقدرة الشعرية

3.  مقابلة ج2: الفنان علي الرفاعي

4.  هدية لعود الند: الفردوس البعيد

5.  عود الند في الصحافة


القائمة البريدية