سعد المصراتي مؤمن - ليبيا

المعجزة


"تعرض لإصابة ستفقده النطق." هذه العبارة قيلت بالأوكرانية وترجمها الطبيب المصري إلى العربية وسمعها أقاربه. كانوا عند رأسه في حجرة العناية البشرية، لكن أحدهما أسر أنه في يد العناية الإلهية. وجهر أحدهما بقوله: "ليتهم يعطوننا النتيجة النهائية لنحمله إلى تونس أو إلى جمهورية مصر العربية."

كل ذلك حدث وهو يسمعه ولا يستطيع الرد عليه، لكنه غير ممنوع من التخيل والتصور والتفكير فيما حدث. كان كعادته في شهر رمضان وقبل المغرب وبعد تلاوة بعض آيات من القرآن الكريم ينتظر صوت الأذان لإكمال صوم يومه. عندها أخبرته زوجته، المنشغلة دوماًَ بالطهي وإرضاع ابنتها حديثة الولادة، أن ثمة طرقا شديدا على الباب، فرح بذلك لأنه يعني أن ضيفاً سيحل عليه هذا اليوم ويشاركه مائدة الإفطار. لذلك هرول ناحية الخبط. وما أن فتح باب السور حتى فوجئ بسيارة تقف بمؤخرتها وبها ثلاثة رؤوس عدا السائق حاملين بنادق صيد. وبدون سابق إنذار سألوه في نفس واحدة: "هل أنت فلان؟"

وعندما أجاب بنعم انهال عليه البارود من كل مكان. الأذان يرتفع، والجيران يرفعونه في صندوق إحدى المركبات. والآن، بعدما سمع ما دار حوله من حديث بجميع اللغات، تأكد أن الإصابة تركزت في منطقة فقد معها النطق.

رغم هذا الخبر المؤلم وهذه النتيجة الطبية الشفهية المترجمة من خامس لغة حتى أذنيه، فان ذلك كله ليس بذي أهمية بالنسبة لما يود معرفته والتكهن به، وهو لماذا قام المعتدون بضربة على هذه الشاكلة. ومادام لا أحد يسمعه فليتكلم مع باطنه.

ليس له أعداء. فقد يكون هؤلاء مدسوسين من قبل مدينه الجزار أو الخضار حيث مضى زمن لم يمر قبالة دكانيهما. لكنه أبعد هذا التصور لمبررين: لطيبة قلب التاجر والجزار، ولأن المبالغ المستحقة عليه لا تبرر الاعتداء، وفكرة أخرى أنه ليس هو السبب في هذا التأخير: إنها المهـية وهو رجل كسول ينتظرها كل نهاية شهر وربما بداية الشهر الآخر. إذن لا يعقل أن يفعلاها.

ربما شهادة الحق التي أدلى بها أمام المجلس العرفي عندما استشهد به الحاضرون على من قام بسب الآخر ذلك النهار في غداء الفرح الذي حضره، حتى أنه بعدها اضرب عن حضور الأفراح والمعازي لأنها أصبحت مدعاة للخصام والفجور. لكنه استبعد ذلك لأن شهادته أيدت باعتراف المعتدي وتوجت بالتسامح وتقبيل الرؤوس.

ربما بجريرة الدعوى التي بينه وبين أحد أبناء عمومته والذي جار على أرضه التي تركها حين مغادرته للمدينة بسبب مواصلة تعليمه الذي هو سبب همه. لكن هذا أيضا استبعده لاعتبار أن الخصومة بين يدي العدالة ولم تبث فيها المحاكم وأن ابن عمه أستاذ في القانون وهو يصارعه بشتى ما درس وما عرف من القانون.

إذا لماذا ضربت بالبارود؟ وأحس بالرغبة في هرش رأسه لكنة لاحظ أن يديه مكبلتان بأربطة طبية ووسائل التغذية. وأمر آخر، وهو حتى لا يكذب التقرير الطبي الذي وصل إلى سمعه، ولذلك أخر الفكرة وصار إلى متابعة تخيله وتصوره فيما حدث له.

من اليقين أن هذه القوة الهجومية كان مخططا لها تخطيطا رهيب، وأن أسبابها جد قوية. بالتأكيد أن منفذيها ما هم إلا جنود يقومون بتنفيذ الأوامر، وأنها حدثت ليلة غزوة بدر. فهل من قبيل الصدفة أم أنها ضمن تخطيط مسبق؟

إذا لن يسعفه تصوره مهما تصور إلى الأسباب وراء هذه الغزوة لأن السبب وراء المسبب الذي اختار زمن ومكان الموقعة. أما هو فليس لديه يقين بذلك، ولا يعرف عناصرها وأشخاصها، ولماذا قاموا بذلك، ولماذا اختاروه هو بالذات.

طاف على ما بقي عنده من فصوص مخه التي لم تستكملها الضربة، وعبر كل الأسباب والمبررات وعقد مشابه فيما حدث في شهر رمضان، ربما يلقى الإجابة، ولكن ذلك لينتظر المعجزة لأنه لا يستطيع إحصاء ما حدث في سبع عشرة ليلة من شهر رمضان. ولكن ليجرب.

سمع أن شخصاً طعن بموس ظهر اليوم الأول من شهر رمضان بسبب مشادة لسانية بينه وآخر عند الكوشة.

وسمع في اليوم الخامس بعد صلاة التراويح أن فئتين تراشقتا بالحجارة عقبها تراشق بالبارود بسبب دوري رمضان، ولكن الله سلم في هاتين الحادثتين.

سمع في اليوم العاشر أن شخصاً نقل إلى المستشفى الذي هو فيه الآن إثر ضربة بليغة بواسطة سيف قبل أذان المغرب بعشر دقائق (وهو ذات التوقيت الذي غدر فيه) بسبب تزاحم سيارتين عند الإشارات الضوئية غير المحترمة. وقد يكون هو مرافقه في حجرة العناية.

وفي اليوم الثالث عشر ...، والرابع عشر...، والخامس عشر...، والسادس عشر.

أما في اليوم السابع عشر فقد انفرد هو بالبطولة، ولكنه لا يعرف. نتيجة لذلك قرر الضحك داخل نفسه والاكتفاء بأنه بطل ليلة السابع عشر ولا يكلف نفسه العناء بمتابعة بقية الشهر، فكم من أبطال وضحايا ينتظرون أدوارهم ليلعبوها!

"غداً العيد أو بعد غد والناس بدؤوا يبعثون تأسفهم بما حدث واعترافهم بذنب أولادهم"، قال أحد أقاربه، فرد عليه الآخر: "نحن عقال يجب أن نقبل اعتذارهم والتسوية معهم. ولكن كيف نحصل على تنازل من رجل فاقد الذاكرة؟"

يتابع هو. ليس هذا المهم. لكنه لم يذكر السبب، ويبدو أنه استعجل الإجابة فما أن أكمل أحدهم كلامه حتى همس في أذن الآخر بقوله: "هل تعرف أن الأولاد أخطأوا في ابننا؟ إنهم كانوا يريدون ضرب جاره المسمى باسمه، لأن ابنه ضرب ابنهم."

وفجأة يصرخ صرخة قوية وكأنه يسمع من في القبور. "الحمد لله. الحمد لله. عرفت السبب. كما أنه ليس لي ابن. أنا لي ابنة عمرها ثلاثة أشهر وأيام."

D 1 نيسان (أبريل) 2009     A سعد المصراتي مؤمن     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  ذات الرداء الكرستالي

2.  الجواهري: جمال الطرح والقدرة الشعرية

3.  مقابلة ج2: الفنان علي الرفاعي

4.  هدية لعود الند: الفردوس البعيد

5.  عود الند في الصحافة


القائمة البريدية