إيمان يونس - مصر

هي: نصوص قصيرة

إيمان يونسفنانة

ورقة بيضاء، فرشاة، لون أسود. كل أدواتها في التعبير عن لوحاتها الكاريكاتورية. ساخرة ضاحكة أحيانا، وناقدة لاذعة في أحيان أخرى. ولأنها فنانة جزء من المجتمع والمجتمع جزء منها تتأثر به ويؤثر فيها، لم تستطع أن تنفصل عن قضاياه، اجتماعية كانت أو سياسية.

وكانت تعبر بجرأة من خلال ريشتها عن كل القضايا الشائكة، وتترك رسوماتها تبوح وتصرخ بدون كلمات، ولم تخش في الحق لومة لائم.

تواردت الأنباء عن تورط مسؤول كبير في أكبر قضية فساد. ما كان منها إلا رسمته خلف القضبان. في صباح اليوم التالي صورتها نُشرت بنفس المكان وهى خلف القضبان ولا زالت هناك.

كاتبة

تقرأ بنهم وشغف، تحتفظ ببعض العبارات التي تعجبها في خزانة خاصة برأسها، تكتب أفكارها الوليدة بأوراق صغيرة منمقة تعود إليها لاحقا بعد أن تكتمل الرؤية المجمعة لها في قصة أو رواية.

تبحث عن كل جديد وتميل للسبق بالتجديد، وإثارة الجدل حولها تسعدها وترضى غرورها، وأخذت من الأسطورة تلك المرآة السحرية التي تصحبها معها أينما ذهبت وحلت لتعكس لها كتاباتها وإبداعاتها مما جعلها تتمادى في المزيد من شطحاتها حتى إنها كتبت رواية كاملة بطريقة عكسية نهايتها هي الإهداء وبدايتها هي كلمة النهاية.

ولأنها لم تكن وحدها من وهبها الله موهبة الكتابة أظهرت مرآتها كُثرا غيرها لهن براع يرسم بالقلم ويكتب بالفرشاة، لم تصدق مرآتها فهشمتها وتناثرت شذورها، جثت على ركبتيها لتلملم بقايا غرورها .

زوجة

احتفلت بعيد ميلادها الأربعين وهى في منتهى السكينة والارتياح، لقد كان هذا الرقم يطاردها مثل أفعى سامة ويذكرها بأنها تأخرت في الزواج، أصغت لنصيحة من حولها وقَبِلت أنصاف الحلول من الفرص المتاحة لها وتغاضت عن الفوارق الاجتماعية والعلمية، عَمِلت بمقولة الأجداد "نحن نشترى الرجال".

كان همها أن تضع خاتم الزواج في أصبعها قبل هذا اليوم، أن تتغير حالتها الاجتماعية من آنسة أو الأصح عانسة إلى زوجة، لذا أنفقت ببذخ حتى تنال مرادها وكأنها تشترى اللقب من مزاد عام وتقيم له حفلا تتباهى به أمام المجتمع.

بعد أشهر من زواجها أُصيبت بإحباط أنثوى من شدة الشح العاطفي، وتألمت من الجرح الحميمي، غريزة الأمومة تلح عليها، تهرب من مواجهة ذاتها: إنها زوجة ولكن بلا مودة ولا رحمة. زوجة مع وقف التنفيذ.

طبيبة

أوشكت على الانتهاء من تدوين ملاحظاتها للمريضة التي غادرت حجرة الكشف، تنبهت لطرقات خفيفة على الباب للمريضة التالية، ما أن دخلت إلى الغرفة إلا وفاح عطرها في الأرجاء، انتعشت بعد ساعات من الإنصات والتدوين للمرضى والمريضات، سيدة أنيقة المظهر، تجيد إظهار إمكانياتها الجسدية والمادية معا، وبدأت شكواها قائلة:

رغم ما أبذله من جهدِ للاعتناء بمظهري ورشاقتي وأجدده باستمرار مسايرة للموضة تارة ومنساقة وراء ميولي تارة أخرى، إلا أني أشعر أني كم مهمل، مجرد جزء من ديكور البيت، مجرد زوجة على الورق وأمام المجتمع و... و...

شعرت الطبيبة إنها تنسل الخنجر من صدرها لترشقه في ذاكرتها من جديد ولم تجد غير تجربتها لتداويها بها من الجلسة الأولى. غادرتها بعد أن تركتها حائرة من الذى عالج من؟

أنثى

وجهها ليس فيه جمال المقاييس المعروفة، أما عيناها ففيهما السحر والعجب، والسر لونهما كالعسل المصفى محاط بلون أخضر داكن، أهدابها طويلة تكاد تتشابك من فرط طولها.

مدت يدها لتصافح العريس المنتظر، بتثاقل وتكلف ساذج ينفرج ثغرها: "تشرفنا"، تصلح من وضع الفراء حول عنقها متعمدة إظهار خاتمها الماسي، تضع ساقا على ساق وكأنها تشهر كل أسلحتها الأنثوية تباعا لتحظى بالقبول.

رمقها بنظرة حانية من مخمصِ قدميها المحشورتين في حذاء أنيق ذي كعب لا يقل عن عشرةِ سنتيمترات إلى شعرها اللامع بلونه المستمد من دجى الليل وقال: "الشرف لي" وأخد كفها في راحته وطبع عليه قبلة سريعة، أشعلت الحمرة في وجنتيها،

أدرك أنفه عطر الخجل الذى فاح منها، انفرجت شفتاها بابتسامة هادئة وأهدته نظرة ساحرة فتقبلها ومضت ساعات المقابلة دون أن تشعر بملل، خرجت منها مظفرة بالنجاح.

مطربة

تربت في أحضان الموسيقى العربية، ترعرعت على النغم الأصيل ودربت صوتها على التنقل من مقام إلى مقام صعودا مع السلم الموسيقى متمنية أن يصعد بها إلى سلم المجد والشهرة، محافظة على نفسها وإحساسها بالكلمات في آن واحدِ متيقنة من أنا صدق أداءها سيصل إلى قلوب الناس،

وعقب حفلة التخرج هاتفها مدير أكبر شركة إنتاج التي تمتلك عدة قنوات فضائية، ارتبكت من شدة فرحتها وذهبت في الموعد المحدد للقاء، قابلها بحفاوة وأشعرها إنها نجمة تمشى على الأرض،

مدح عذوبة صوتها وصدق إحساسها، وقبل أن يعرض عليها تفاصيل تعاقدها مع شركته أعطاها ألبومين من الصور، الأول لأصوات نسائية مميزة ولكن غبن عن الساحة الفنية الراهنة وفى سرها تقول كل واحدة فيهن تملك حنجرة ماسية وقامة فنية هن بالنسبة لنا القدوة والمدرسة التي تعلمنا منها، والألبوم الثاني لمن يتصدرن الساحة الآن،

فهمت مغزى الألبومين وكأنه يخيرها، ملمحا أن فرصة التعاقد مع شركة مثل شركته لا تأتى كل يوم وأنهى معها المقابلة قاطعا حيرتها وحازما، وبنظرة اخترقت جسدها: أراك غدا تكون الإجراءات الروتينية للعقد انتهت، ويتم توقيعك عليه.

عادت إليه بعد أن ارتدت ثوب الأغراء، وقّعت العقد هنأها على ذكائها ومظهرها الجديد، وبدأ التحضير لأول أغانيها المصورة التي تصاحب تسجيل أول ألبوماتها الغنائية .

وبعد أشهر من العمل المتواصل، حلمها أصبح حقيقة وأغانيها المصورة تذاع تباعا على قنوات الشركة المنتجة. وانتقلت إلى القنوات الفضائية الأخرى.

عبر النشرات الفنية أُعلن أن صفحتها عبر التواصل الاجتماعي حصدت مليون معجب خلال أول ثمان وأربعين ساعة من إذاعة أغانيها.

حلقت في السماء من فرط سعادتها، ودفعها فضولها لقراءة تعليقات معجبيها لمزيد من التواصل معهم.

صُدمت أن الغالبية العظمى للتعليقات تتحدث عن فساتينها المثيرة وتصف مفاتنها وتناسوا صوتها، كلمات أغانيها وألحانها، أفاقت وهى تردد: "لا. لا. لا".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3149034

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC