ترجمة: هل مات الأدب؟

هل مات الأدب؟ أو كيف تقرأ الكتب في العصر الرقمي

الموضوع ادناه ترجمة لمقالة نشرت في صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" الأميركية في 2014/7/11. كتبها مايكل هلتزك. انظر/ي المعلومات في ختام الترجمة.

مايكل هلتزأشارت بضع مقالات نشرت في الآونة الأخيرة إلى مسألتين ساخنتين متعلقتين بقراءة الكتب في هذا العصر المزدحم كثيرا: لماذا يشتري الناس كتبا لا ينوون قراءاتها؟ وكيف يمكن المرء أن يجد وقتا لقراءة كل هذه الكتب؟

السؤال الأول أثاره جوردان النبرغ، وهو عالم رياضيات في جامعة ويسكونسن، الذي يدعي أنه توصل إلى مقياس "الكتب التي لم تقرأ في الصيف، أي الكتب التي تتناولها، ممتلئا بالطموح، في بداية حزيران/يونيو، ثم تضعها جانبا مع حلول عطلة عيد العمال [أيلول/سبتمبر] وداخلها الآن وإلى الأبد في منتصف الفصل الأول علامة [ورقة/خيط] تحديد الصفحة التي وصلتها".

الفائز الذي يبرز في هذه الفئة، وربما بطلها الدائم، هو كتاب "رأس المال في القرن الحادي والعشرين" لتوما بيكاتي.

يقول النبرغ، إذا قرأت ما قاله بصورة صحيحة، إن مقياسه يشير إلى أن القارئ العادي قرأ 2.8% من الكتاب [أقل من ثلاثة في المئة]. هذا يتفوق بسهولة على حامل كأس أكثر كتاب لم يقرأ: "تاريخ موجز للزمن" لستيفن هوكنز.

غلاف كتاب رأس المال في القرن 21يعتمد مؤشر النبرغ على أكثر الفقرات التي ميزت/ظللت في النسخ الإلكترونية التي تُقرأ باستخدام جهاز كندل، ومكان ظهورها في الكتاب—وبالنسبة للكتب غير المقروءة تتجمع هذه الفقرات في الصفحات الأولى. وينبه النبرغ إلى أن طريقته "ليست علمية بالمرة، وغايتها الترفيه فقط"، وهذا قول منصف.

لا يمكن اعتبار المقياس حسابا منطقيا فهو يعتمد جزئيا على القراء الذي فعّلوا خاصية تمييز الفقرات في أجهزتهم، واطلعوا بقية العالم على الفقرات المميزة (هذا الخيار غير مفعّل في جهازي).

تتعلق مقالة النبرغ بشكل غير مباشر بمقالين عن مسألة كيفية إيجاد الوقت لقراءة جادة وسط كل هذه المطالب من وقت الإنسان. في دورية نيويورك ريفيو أوف بوكس، يفكر الروائي البريطاني تيم باركس في كيف سيتأقلم الأدب القصصي المعاصر مع "الأحوال التي نقرأ فيها اليوم".

وكتب: "كل لحظة قراءة جادة يجب أن يُقاتل من أجلها ويُخطط لها" لأننا "معرضون لإغراءات البريد الإلكتروني والرسائل وسكايب ومواقع الأخبار التي يتم تحديثها باستمرار، وكل هذا على الآلة التي تستخدمها للعمل".

كل القراء المخلصين لديهم استراتيجيات للتعامل مع هذا التحدي. كوري روبن، أستاذ العلوم السياسية في جامعة مدينة نيويورك، الذي يكتب في "كروكيد تيمبر" يقول: "سبب صعوبة أن أقرأ هذه الأيام، التي أصبحت سنوات الآن، هو الإنترنت". وهو يقرأ في قطارات الأنفاق في نيويورك، حيث يستقل القطارات ثلاث أو أربع ساعات يوميا، ويحمل كتابا وقلما فقط (ليضع ملاحظات على الصفحات).

ويتوقع باركس أن الاجتياح الكبير للنثر الذي كتب بعناية سيكون عنصر الكتابة الأدبية الذي سينحسر. "الرواية ذات النثر الأنيق المميز للغاية، وذات المفاهيم الرفيعة والصيغة اللغوية المعقدة، سوف تنحو نحو تقسيم نفسها إلى أقسام أقصر فأقصر، وتقديم المزيد من الوقفات التي يمكننا عندها الاستراحة".

استراتيجيتي هي القراءة من أجل المتعة في السرير، وتخصيص ساعة أو اثنتين في نهاية اليوم مع جهازي، كندل. الحاسوب مغلق، والحاسوب اللوحي آيباد والهاتف آيفون متروكان في الطابق السفلي [بعض البيوت تتألف من طابقين].

بالنسبة لأجهزة القارئ الإلكتروني، أجهزة شركة أمازون المسماة كندل مثالية (جهازي بيبروايت-2): تجربة القراءة تغمر أحاسيسك، والجهاز غير ملائم للبريد الإلكتروني وتصفح مواقع الإنترنت. بعبارة أخرى، لا يوجد ما يشتت انتباهك.

قارئ الكتروني وكتبوالجهاز، في الواقع، يصلح لنوع الكتب التي يعتقد باركس أن مصيرها محكوم بالفشل. قرأت في الأشهر القليلة الماضية "مدلمارش" لجورج اليوت (اكتشاف)، و"نور في آب/أغسطس" لفولكنر (أعدت قراءتها بعد حوالي 40 سنة)، و"الحرب والسلام" [لتولستوي] (إعادة قراءة للمرة السابعة، ولا يزال لها أثر باهر). ويحمل جهازي في أحشائه الرقمية، في انتظار استدعائي، الأعمال الكاملة لجوزيف كونراد، والمجموعة الكاملة من شيرلوك هولمز، وكل أعمال ديكنز.

ولكن السؤال الحقيقي الذي أثاره النبرغ وباركس وروبن هو ما إذا كانت هذه التحديات للقراءة الجادة جديدة فعلا. ظاهرة الكتاب الأكثر مبيعا الذي اشتري كشيء مقدس، وترك على طاولة القهوة دون أن يقرأ، ظاهرة معروفة منذ أطول فترة يمكنني أن اذكرها.

في سنوات التشكيل بعد إكمال الدراسة الجامعية، أشهر الأمثلة على ذلك كتاب "الأفضل والأذكى" لديفيد هالبرستام، الذي تألف من حوالي 700 صفحة عن الفترة التي سبقت حرب فيتنام، والذي يبدو عندما يقرأ أنه لم يخضع للمسة قلم من محرر.

في تلك الأيام التي سبقت جهاز كندل، كان يمكنك أن تعرف عدد الصفحات التي قرأت من خلال ملاحظة مكان علامة تحديد الصفحة. أما إذا كان غلاف الكتاب ورقيا، فكان ذلك ممكنا من خلال ملاحظة علامات الاستخدام على ظهر الكتاب.

كتاب "الأفضل والأذكى" كان موجودا على رف كل فرد من أفراد وسطي الفكري/الاجتماعي. وكانت التجعدات في ظهر الكتاب لا تتجاوز ثلث صفحاته.

سخر غاري ترودو [رسام الكاريكاتير] من إنتاج هالبرستام كتبا ثقيلة لا تقرأ في مجموعة من الرسمات الكاريكاتيرية في سلسلة "دونزبيري" في عام 1979، وذلك عندما جعل هالبرستام يتفاخر بأنه يكتب "كتبا ضخمة، كبيرة، كبيرة جدا، كتبا هائلة أكثر مبيعا ... مثل الكتب التي يود الرجال أن يقولوا «أنا املكها»".

وتنافست الروايات التافهة مع الجهود الأدبية الجادة على انتباه القراء فترة أطول. المستوى المقلق الأدنى من الأدبي للرواية النموذجة الأكثر مبيعا ليس ظاهرة جديدة بالتأكيد، أليس كذلك؟ مثال على ذلك اليوم رواية "الحسون" لدونا تارت. (إفصاح كامل: أنا لست ضمن الجمهور المستهدف لهذا الكتاب).

غلافة رواية الحسونتعرضت رواية "الحسون" إلى الانتقاد على نطاق واسع كجهد أدبي. ورأت فرانسين بروز في دورية نيويورك رفيو أن صياغتها ركيكة، ما دفعها إلى التساؤل: "ألم يعد أحد يهتم بكيفية كتابة شيء؟" ولكن ذلك لم يمنع الرواية من أن تكون من الروايات الأكثر مبيعا، وأن تفوز بجائزة بولتزر. (هذا لا يعني أن بولتزر ضمانة معصومة من الخطأ للتميز الأدبي).

حتى المؤلفون الأعظم حاولوا تحقيق التوازن بين الذوق الشعبي والغايات العليا للمهنة. اشتهر عن فولكنر أنه زعم أنه تعمد صياغة روايته السادسة "الملاذ" (1931) كمحاولة فجة لكسب الرزق، وضمنها مشهد اغتصاب مفصلا وانحرافات أخرى. وصرح فولكنر: "صُممت [الرواية] عمدا لكسب المال". وقال: "استرحت بعض الوقت ... واخترعت الحكاية الأبشع التي يمكنني تخيلها، وكتبتها في نحو ثلاثة أسابيع". رد ناشره: "يا إلهي، لا يمكنني نشر هذا. سوف نسجن كلانا".

وقد ناقش الخبراء في أعمال فولكنر منذ ذلك الحين (1) ما إذا كان صادقا تماما حول دوافعه، (2) وما إذا كانت رواية "الملاذ" تستحق مكانا مشرفا بين روائع الأعمال الأدبية. الرأي يميل حاليا إلى أن (1) فولكنر لم يكن صادقا تماما حول دوافعه، (2) نعم [تستحق مكانها بين الروائع].


Hiltzik, M. 2014. "Is literature dead? Or, how to read books in the digital age" - LA Times. [ONLINE] Available at: http://www.latimes.com/business/hiltzik/la-fi-mh-is-literature-dead-20140711-column.html#page=1. [Accessed 22 October 2014].


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3296033

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC