د. مليكة سعدي - الجزائر

اللغة الأمّ في الجزائر

تعدّ اللغة الملكة التي تميّز الإنسان عن سائر الكائنات في الوجود، وهي أداة للتعبير عن أفكاره وعواطفه واحتياجاته، فهي وسيلة للاتصال والتواصل بين أفراد المجموعة البشرية التي تشترك فيها.

ولا تتوقف قيمة اللغة ووظيفتها عند هذه الحدود، بل تشكّل مقوّما رئيسا من مقوّمات الأمة التي تتداولها، فهي بذلك عنصر محدد للانتماء والهويّة.

تتميّز كلّ دولة بلغتها الأصلية، وهي لغة الأغلبية فيها، واللغة الرّسمية الأولى، والتي يمكن أن تتفرّع إلى لهجات محليّة يستعملها الناس في التخاطب اليومي، فاللغة الأصل هي "ما يسمّى بلغة المنشأ، وتكتسب عادة في البيت والشارع، وهي اللغة الأولى التي يرضعها الصّبي وهو يحبو، يسمعها في محيطه الدائم"[1].

يدخل إذن ضمن تسمية اللغة الأصل، أو اللغة الأم، اللهجة التي يكتسبها الطفل في أول حياته، واللغة المكتوبة الرّسميّة الفصيحة التي يتعلّمها في المدرسة ويدرس قواعدها وضوابطها.

تعدّ اللغة العربيّة اللغة الأمّ في الجزائر، فهي لغة الأغلبيّة واللغة الرّسميّة الأولى ولغة التدريس في المراحل التعليميّة الثلاث.

وينصّ الدستور الجزائري في مادّته الثالثة على أنّ اللغة العربيّة هي اللغة الوطنيّة والرّسميّة. والقانون رقم 91-05 المتضمن تعميم استعمال اللغة العربية؛ يشمل في الفصل الأول ثلاث مواد:

=1= يحدد هذا القانون القواعد العامة لاستعمال اللغة العربيّة في مختلف ميادين الحياة الوطنية وترقيتها وحمايتها.

=2= اللغة العربيّة مقوّم من مقوّمات الشخصيّة الوطنيّة الرّاسخة، وثابت من ثوابت الأمّة يجسّد العمل بها مظهرا من مظاهر السيادة واستعمالها من النظام العام.

=3= يجب على كلّ المؤسّسات أن تعمل لترقية اللّغة العربيّة وحمايتها والسّهر على سلامتها وحسن استعمالها. تمنع كتابة اللغة العربيّة بغير حروفها.

وقد دخلت اللغة العربية إلى الجزائر مع الشعوب العربية التي استوطنت شمال إفريقيا قبل الفتح الإسلامي وبعده في القرن الأوّل الهجري، وتوسّع وجودها مع هجرة بني هلال وبني سليم في القرن الخامس الهجري: " وكان لدخول العرب إلى المغرب أثر كبير في تعريب البربر وإدماجهم في العنصر العربي، وذلك بفضل الدّين الإسلامي والصفات المتشابهة نحو البساطة والشجاعة والصّبر والأنفة والقناعة ومقاومة الأعداء"[2].

البربر هم السكان الأصليون للجزائر، ولغتهم الأمازيغيّة التي تعرف في مناطق شتّى من المغرب الكبير بلهجات مختلفة. وبعد دخولهم الإسلام لم يعاملوا العرب الفاتحين والمهاجرين معاملة المحتلّين، بل اندمجوا فيهم وانسجموا معهم مشكّلين أمّة عربيّة واحدة يظلّها الإسلام بتعاليمه السّمحة، وبذلك "تعرّبت البربريّة كما تعرّب البربر أنفسهم نتيجة اتّصالهم باللغة العربيّة، إذ يتألّف ثلث البربريّة التي يتكلّم بها القبائل الكبرى من كلمات عربيّة، وذلك ما يؤكّد شدّة تأثير العرب في هذه المناطق، وهو ما لم تستطع تحقيقه الأمم السابقة"[3].

وبقيت اللغة الأمازيغيّة لغة للتخاطب اليومي المحدود بين البربر الذين نشأوا عليها وحافظوا عليها كتراث شفاهي، وهذا ما ضمن لها الاستمرار إلى يومنا هذا وحماها من الاندثار.

وفي الثمانينيات من القرن العشرين بدأت الحكومة الجزائريّة تولي اهتماما بهذه اللغة، باعتبارها جزءا من الخصوصية الجزائريّة، فصارت تخصص لها نشرات إخبارية تقدّم في التلفزيون الجزائري بمختلف لهجاتها. ثم سمحت بتدريسها في المدارس الواقعة في منطقة القبائل، على الرّغم من أنّ الأبجديّة الأثريّة لهذه اللغة لم تعد مستعملة، بل استعاض عنها أهلها بالحروف اللاتينيّة غالبا.

اللغة العربيّة والاحتلال الفرنسي

كان الاحتلال الفرنسي للجزائر أقسى احتلال عرفته المنطقة في تاريخها، فقد عمل على تحطيم كلّ ما يمثّل الهويّة الجزائريّة، فسعى إلى تشويه الدّين الإسلامي بالخرافات والبدع، وإلى محو اللغة العربيّة بفرض الأمّية وتعليم اللغة الفرنسيّة، فقد "كان الاستعمار الفرنسي في الجزائر يهدف إلى القضاء على عروبة الجزائر، فجعل التعليم الحديث منذ 1830 تعليما للمستوطنين الفرنسيين وحدهم، ولذا ظلّ التعليم في الجزائر حتّى الاستقلال يتوسّل باللغة الفرنسيّة في تدريس كلّ الموادّ الدّراسيّة"[4].

وكانت تلك نتيجة طبيعيّة لطول فترة الاحتلال الفرنسي في الجزائر، والسياسة التي اتّبعها، فقد كانت أولى توصيات الحاكم الفرنسي لجيشه الزاحف إلى الجزائر: "علّموا لغتنا وانشروها حتّى تحكم الجزائر، فإذا حكمت لغتنا الجزائر فقد حكمناها حقيقة"[5]. وكانت تلك الوصيّة استمراريّة لسياسة سلفه نابليون في حملته على مصر.

وقد نجح الاحتلال الفرنسي في خطّته، فقد أنشأ جيلا أمّيا لا يكاد يكتب ويقرأ لغته الأم، وفي المقابل له جيل اتّخذ لغة المحتلّ بديلا عن لغته التي حرم من تعلّمها. "لقد أدرك هؤلاء الغاصبون وأمثالهم أن اللغة القوميّة تشدّ الإنسان الفرد إلى قومه، وتربي فيه شخصيّة أمّته، وتنمي فيه عزّتها وتمنحه أصالة الانتماء إليها، بل لقد آمنوا بما قاله علماؤنا بصدد الحضّ على تعلّم العربيّة من أن لغة المرء تؤثّر في عقله وخلقه، وأنّ ثقافته اللغويّة تميل به إلى حبّ أهل اللغة"[6].

ولهذه الصلة الوثيقة بين القوم ولغتهم "سميت اللغة القوميّة للإنسان باللغة الأم. ولهذه الصلة نفسها بين الأمّة واللغة؛ يقترن الوعي السياسي والقومي لدى الأمم الرّاقية بالاعتزاز باللغة والوعي الكامل لرسالتها الرائعة في حياة الأمة ووحدتها"[7].

يضاف إلى ذلك أن "اللغة الأم تشكّل عاملا رئيسيا في هويّة الفرد المنتمي إليها، وهي من خلال هذا تؤهّل الفرد لكي يلتحق بجماعة أكبر تنتمي إلى نفس اللغة، بدءا من الجماعة الصغيرة في الأسرة الواحدة وامتدادا إلى الجماعات الأكبر في القرية أو الإقليم أو القبيلة أو المنطقة أو الولاية أو الدّولة أو غيرها من مسمّيات التّجمّعات البشريّة"[8].

على الرّغم من تفرّع اللغة الأمّ إلى لهجات تشكّلت من تأديات كلامية خاصة لهذه اللغة، وذلك كالاختلاف في التفخيم أو الترقيق أو الإشباع أو نطق حرف من الحروف، مثلا حرف القاف ينطق كما هو في الوسط والشرق الجزائري، وينطق همزة في تلمسان وينطق قافا في أغلب ولايات الغرب الجزائري، إلّا أنّ اللغة الأم لا تفقد وظيفتها كعنصر جامع وموحّد للأمّة الناطقة بها التي شكلت هويات صغيرة من خلال اختلافها اللهجي.

وكما يشرح أحمد درويش: "من أجل جمع شتات هذه الهويّات الصّغيرة المتقاربة والمختلفة في آن واحد، اهتدت اللغات منذ القدم إلى فكرة اللغة المكتوبة التي تشكّل بؤرة تلتقي فيها أشعّة الهويّات اللغويّة الصّغيرة مكوّنة منها هويّة لغويّة كبيرة لجميع المنتمين إليها"[9].

وهذا حصل مع اللغة العربيّة الأمّ التي توحّدت في العربيّة المضريّة التي عدّت أفصح اللهجات واتخذت اللغة الرّسميّة للأمّة العربيّة قديما وحديثا.

وإذا عدنا إلى واقع اللغة العربيّة في الجزائر، نجد التعريب قد خطا خطوات هامّة بعد مضيّ سنين من الاستقلال، ولكننا نبقى بعيدين عن المستوى المتوقّع والمطلوب من دولة عربيّة استقلّت منذ أكثر من خمسين سنة. ولعلّ ذلك يرجع إلى مخلّفات الاستعمار، وإلى جيل المفرنسين الذين يحاربون اللغة العربيّة، ويحولون دون تعميم استعمالها، كما أن قوانين تعميم استعمال اللغة العربيّة جمّدت غير مرّة في الجزائر.

وأعتقد أن الجزائريين عليهم كخطوة أولى نحو الاستقلال والتطوّر أن يؤمنوا أنّ تدريس مختلف العلوم يجب أن يكون باللغة الأم الرسميّة أي اللغة العربيّة، ويبقى تعلّم اللغات الأجنبيّة للمتخصصين بها، ولغيرهم فقط لأجل التمكن من التحاور بها في بلدانها، ولقراءة آدابها، لأن تدريس العلوم باللغة الأم علامة على الثقة في الهويّة القوميّة والاعتزاز بالانتماء، كما أنّه دلالة على تطوّر الأمّة التي تفرض لغتها الأصليّة لتدريس جميع العلوم، وإن كان أغلبها مستعارا من غيرها.

على سبيل المثال، دولة السّويد تفرض تدريس جميع العلوم باللغة السويدية، ولا تستعين في ذلك باللغة الإنجليزيّة، حتى وإن كانت المستجدّات في العلوم المدروسة مصدرها لغة أخرى كالفرنسية أو الإنجليزيّة، وذلك على الرّغم من أنّ اللغة السويدية محدودة الاستعمال في العالم، ولا تكاد تتجاوز دولة السويد.

أوليس من العيب والعار على الأمّة العربيّة التي تكتسح لغتها مساحة بارزة من العالم تمتدّ من المحيط إلى الخليج أن تستعير لغة أجنبيّة لتدريس العلوم بدل تعريب تلك العلوم، وتقديمها باللغة الأمّ لتثبت أن لها استقلالية وخصوصية؟

أعتقد أن تعميم استخدام اللغة الأم والتعليم بها هو قضية وطنية ورسالة قوميّة؛ وقد كان لنا في علماء العربية في العصر العباسي مثال رائع، فقد قاموا بنقل علوم الفرس والهند واليونان إلى اللغة العربيّة، ولم يطالبوا المتعلّمين بتعلّم لغات تلك الأقوام.

اللغة العربيّة في التعليم العالي

لم يلحق تعميم استعمال اللغة العربيّة كلّ التعليم العالي في الجزائر، وإنّما طبّق في شعب ولم يطبّق في أخرى، فجميع شعب العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة تقدّم باللغة العربيّة، وكذلك العلوم القانونيّة والسياسيّة على سبيل المثال. أمّا الشعب التي تقدّم العلوم الطّبيّة والعلوم البحتة كالطب والتكوين الشبه طبّي والفيزياء والهندسة المدنيّة والمعماريّة والميكانيكيّة والإلكترونيّة فتقدّم باللغة الفرنسيّة.

والأمر هنا إن كان سهلا ويجنّب المدرّس مشقّة ترجمة العلوم إلى اللغة الأمّ؛ فإنّه يشكّل عائقا أمام الطّالب خاصّة في الوقت الحالي مع ما يعرف عن الطّلبة الجزائريين من عدم تمكّنهم من اللغة الفرنسيّة؛ ذلك أنّ الطّالب يفكّر باللغة الأم وهو مجبر على التحصيل العلمي بلغة أجنبيّة، وهو مضطرّ إلى استخدامها رسميا في الإجابات والبحوث والمذكّرات والمناقشات ممّا يؤدّي بالبعض إلى تغيير الشعبة، وبالبعض الآخر إلى ترك الدّراسة، وفي أحسن الأحوال يؤدّي بالكثيرين إلى صرف كثير من الجهد والوقت والمال في تعلّم اللغة الأجنبيّة من أجل التحصيل العلمي.

ولو كان هذا الطالب المنكوب يحصّل هذه المادّة العلميّة بلغته الأمّ لصرف ذلك الوقت والجهد في تطويرها والإضافة إليها. وهذا ما تدركه أغلب الدول في العالم، بالإضافة إلى وعيها بقيمة اللغة الأم في الهويّة الوطنيّة، وقيمة تعميم استعمال اللغة الأصلية في احترام الشخصيّة الفردية والقوميّة.

أمّا وضع اللغة العربيّة في الأقسام المتخصّصة، فهو لا ينبئ بخير، وهو بعيد جدّا عن المتوقّع، فمستوى الطلبة عموما في قسم اللغة العربية وآدابها لا يختلف عن مستواهم في الأقسام الأخرى، فهو متوسّط في الجانب الخطابي، وقد يرتفع قليلا في الجانب الكتابي.

ومن أهمّ أسباب هذه الظاهرة عدم اعتياد الطلبة على الحديث باللغة العربيّة الفصيحة والاسترسال فيها لا في الإطار الرسمي ولا في غيره، وكذلك طغيان الازدواجية اللغوية السلبية على حياتهم، وعدم الوعي بأهمية المسؤولية الملقاة على عاتقهم، بالإضافة إلى تهاون بعض المدرّسين في أداء واجبهم في التوعية والتصويب.

ويضاف إلى كلّ ما سبق اعتياد الطلبة على الاهتمام بالحصول على العلامات والشهادات دون اهتمامهم بالتطوير اللغوي والاشتغال على تحصيلهم العلمي، والاعتماد على المبادرات الشخصية واجتهادهم في تحسين مستواهم، بالإضافة إلى شعورهم بأن مناصب العمل التي يمكن أن يتقدّموا إليها في حال تخرّجهم ليست دائما للأقوى والأصلح والأحق، بل تخضع لاعتبارات أخرى.

= = = = =

الإحالات

[1] بلعيد، صالح: دروس في اللسانيات التطبيقية، دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2009، ص 63.

[2] بلعرج، بلقاسم: الدّارجة الجزائريّة وصلتها بالعربيّة الفصحى، دراسة لسانيّة للهجة بني فتح (جيجل)، مديريّة النشر لجامعة قالمة، 2008، ص 8.

[3] لوبون، غوستاف: حضارة العرب، تعريب عادل زعيتر، دار إحياء الكتب العربيّة، عيسى بابي الحلبي وشركاه، القاهرة، ط 3، 1956، ص 247.

[4] حجازي، محمود فهمي: اللغة العربيّة في العصر الحديث، قضايا ومشكلات، دار قباء للطباعة والنشر، القاهرة، 1998، ص 25.

[5] مبارك، مازن: اللغة العربيّة في التّعليم العالي والبحث العلمي، دار النفائس، بيروت، ط 4، 1998، ص 9.

[6] المرجع نفسه، ص 9.

[7] المرجع نفسه، ص 9-10.

[8] درويش، أحمد: إنقاذ اللغة إنقاذ الهويّة، تطوير اللغة العربية، نهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة، 2006، ص 19.

[9] المرجع نفسه، ص 21.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3149034

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC