د. أمينة طيبي - الجزائر

النص القرآني وأنواع المتلقين

د. أمينة طيبي الجزائرالنص/والخطاب، الباثّ/والمتلقي، من أهم المصطلحات التي باتت تستوقف الدارس النقدي في عصرنا الحالي، فالنص لا وجود له إلا بعد أن يقرأ، والقارئ لا يهتم إلا إذا وُجد خطاب معين، ينقل من خلاله النص من حالة السديم إلى الحركة، أو من حالة الكينونة الغائبة إلى الحضور العياني.

اهتم النقاد قديما وحديثا بالأقطاب الأربعة أيما اهتمام، لأنهم لاحظوا أن النص لا يحمل في طياته معنى ثابتا مقرّرا على القارئ اكتشافه وتحديده، لذلك ينبغي التركيز، لا على النص وحده بوصفه المعطى الموضوعي، بل على القراءة باعتبارها نشاطا علميا، بما تفرزه من تفاعلات ناتجة عن التجاوب مع النص، وظهرت نظرية «التلقي» على إثر ذلك لتبحث في معطيات النص، ومؤهلات المتلقي.

ونظرية التلقي لم تأت من فراغ «ولم تسقط من السماء بل لها مكان في التاريخ»[1]، على أنه لا شيء لاحق دون آخر سابق، فقد أفادت النظرية في بلورتها ورسم معالمها من مختلف النظريات القديمة والحديثة، العربية منها والغربية، على أن أكثر الملتفين حول نظرية التلقي لا يحيلون إلى أكثر المصادر القديمة، التي استقوا منها أفكارهم، أو تلك التي ألهمت قرائحهم.

أول من يشهد لهم التاريخ بفضل السبق في وضع اللبنات الأولى لهذه النظرية اليونان، بلاد الحضارة والجمال آنذاك، حيث أفادت الحياة الاجتماعية المزدهرة في خلق نوع من الحرية الفكرية، الجدل النوعي، فشاع الجدل ونشأت «عن ذلك الحاجة إلى تعلّم الخطابة، وأساليب المحاجّة، واستمالة الجمهور، ووجد فريق من المثقّفين المجال واسعا لاستغلال مواهبهم، فانقلبوا معلّمي بيان»[2].

لقد عوّل السوفسطائيون على دور الذات في خلق المعنى وتشكيله، لأن المعنى أمر نسبي غير مطلق أو ثابت، وهنا ماس فكرهم أصول النظرية النقدية الحديثة، وجمالية التلقي بالخصوص، التي يرى أصحابها أن المعنى ليس كامناً في العمل الأدبي، بل ينتج عن حصيلة التفاعل بين العمل والمتلقي، فيصبح «الظن» حقيقة واقعة تقترب من مفهوم «التأويل»[3]، ذلك الفعل الذاتي الحر، الذي ينطلق من انفتاح النص، واحتماليته الواسعة، التي تعطي القارئ أولوية أخرى لا تبتعد عن أهمية صاحب النص، لأن المتلقي هنا يصبح المبدع الثاني الذي يشفر رموز النص.

ويبدو اهتمام اليونانيين بالمتلقي واضحا وجليا في أعمال أرسطو التي ترجمت إلى العربية في حدود القرن الرابع على أيدي الفلاسفة المسلمين، منهم الفارابي، وابن سينا، وابن رشد، فمن القراءة الأولى لكتابه فن الشعر يبدو الاهتمام بالمتلقي، من خلال وصفه للعناصر التي ينبغي أن يتوفر عليها العمل الأدبي، كجمال اللغة وتحسين الأسلوب، والقدرة على التصوير والإثارة، وأخرى كلها عوامل للتأثير في المتلقي.

ثم إن ترتيب الأجناس الشعرية يعود في حقيقته إلى قيمتها وطريقة محاكاتها من خلال أثرها الناتج عن عملية التلقي، ولعل أرسطو أدرك ذلك حين قسمها إلى «تراجيديا» و«كوميديا»، فالأولى شكل من أشكال المحاكاة، وهي أسمى أجناس الأدب، تقوم على لغة متينة ممتعة، منمقة بأنواع التزيين الفني «في أحداث تثير الشفقة والخوف، وبذلك يحدث التطهير من مثل هذين الانفعالين»[4]، فالتراجيديا على هذا تكون بما تحدثه في نفس المتلقي من شفقة وخوف.

ويخص أرسطو المتلقي بخبرة الأديب، ويرفض اللاّمعقول في الفن، إلا إذا كان صاحب العمل قادرا على تصوير النادر والمستحيل ممكنا لدى المتلقين، ويستطيع أن يبلغ بذلك إلى «الإدهاش» الذي يحقق المتعة [5]، ويخلق التفاعل بين المتلقي وشخصيات العمل الأدبي.

فكرة «التوحد» بين المتلقي والنص الأدبي التي نادى بها أرسطو هي نفسها التي دعا إليها رواد نظرية التلقي، فالتوحد يربط بين المتلقي بالعمل الأدبي حتى يصبح شخصية في العمل، فهي «تؤدي إلى حالة خاصّة من الفهم الكامل»[6] وليس مجرد انفعال عاطفي.

ووقف أرسطو عند التأويل، الذي يجعل من النص رموزا تسير بالقارئ إلى الأغوار النفسية لصاحب النص، فيؤول انطلاقا من الأصوات والصيغ والتراكيب الحالة الشعورية للناص.

وإذا عدنا إلى العرب نلفاهم قد تنالوا الكثير من القضايا التي أسس لها الدرس الحديث، بل إننا نجد لهم فضل السبق في الكثير من الأفكار على اختلاف التخصصات، الصوتية، النحوية، والدلالية، الطبية، الفلسفية وغيرها.

ومن ذلك اشتغالهم بالتأويل، «بوعي منهجي كامل لدى المفسرين المسلمين وعلماء الأصول، بالمفهوم نفسه لدى الغربيين على عهدنا الراهن»[7]، فالعرب في موروثهم النقدي، لم تغب عنهم مسألة انفتاح النصوص الأدبية وتقبلها لتعدد القراءات ومختلف التأويلات، وما تلك الدراسات المتراكمة والفحوصات المتعاقبة على شعر المعلقات، ودواوين الشعراء، أمثال المتنبي وأبي العلاء المعري، وحماسة أبي تمام ومقامات الحريري، وغير هؤلاء إلا دليل بين على إيمان النقاد العرب باتساع النصوص وانفتاحها، الذي يسمح بتعدد قراءتها، وتنوع إجراءاتها.

فاشتغال العرب وانكبابهم على دراسة القرآن الكريم جعلهم يبرعون ويبزون غيرهم ممن سبقهم إلى الدراسات الأدبية والنقدية، حيث اهتموا بالـ»متلقي» أو المستمع أيما اهتمام، بل إنهم صرحوا بضرورته في الكثير من أعمالهم من أمثال عبد القاهر الجرجاني في كتابه «دلائل الإعجاز»، أو الرازي في كتابه «التفسير الكبير».

كان العرب على مستوى من العلم والدراية بفنون الكلام وأساليبه ورتبه وأجناسه، و»كل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال، وكأنه وليس هناك معاناة ولا مكابدة، ولا إجالة فكر ولا استعانة، وكانوا أميين لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلفون، وكان الكلام الجيد عندهم أظهر لا وأكثر، وهم عليه أقدر، وله أقهر، وهو عليهم أيسر من أن يفتقروا إلى تحفُّظ، ويحتاجون إلى تدارس ... فلم يحفظوا إلا ما علق بقلوبهم والتحم بصدورهم، واتصل بعقولهم من غير تكلف ولا قصد، ولا تحفظ ولا طلب»[8].

فالقرآن نزل بلغة مثالية مشتركة، أخذت بالكثير من اللهجات العربية القديمة، وهو معنى قوله: أنزل على سبع، مخاطباً فئة نموذجية هم العرب، متحديا إياهم فيما برعوا فيه، فعجزوا عن معارضته، أو الإتيان بمثله، أو بأصغر سورة منه، بل وعجزوا حتى عن وصفه، أو تصنيفه، وتفيد الكثير من الروايات أن بعضهم -أي العرب- أسلم بعد وقع القرآن على أذنيه، كعمر بن الخطاب، أما البعض الآخر فاتهم الرسول الكريم بالسحر وقول الشعر.

والقصص على تأثير القرآن كثيرة، مما جعل العرب يقفون أمامه منبهرين متعجبين، الأمر الذي حال بينهم وبين التفكير في معارضته، إذ أدركوا بسليقتهم وفطرتهم عظمته وسموّه، وأنه مختلف عما عهدوه من كلام البشر، بالرغم من أنه يمثل نموذجا عاليا مشتركا للغتهم. يقول الخطابي:

«قلت في القرآن وجها ذهب عنه الناس فلا يكاد يعرفه إلا الشواذ من آحادهم، وذلك صنيعه في القلوب، وتأثيره في النفوس، فإنك لا تكاد تسمع كلاماً غير القرآن منظوما ولا منثوراً، إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه، تستبشر به النفوس، وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة قد عراها الوجيب والقلق، وتغشاها الخوف والفَرق، تقشعر من الجلود، وتنزعج له القلوب، يحول بين النفس ومضمراتها وعقائدها الراسخة فيها»[9].

ومما يمكن قوله هنا إن القرآن نزل بلغة عالية جدا، مع أنها لغة العرب التي جبلوا عليها وتعودوها، لكن اقتضت حكمته أن يكون إعجازه في لغة العرب دون سواها من المعجزات الأخرى التي خصها باقي الأنبياء، والله سبحانه وتعالى إنما ركز على لغة العرب، كأنما كان يتحدث إلى فئة نموذجية، سواء كانت مؤمنة أم كافرة، وهي الفكرة التي يؤكدها أصحاب نظرية التلقي حول النص الأدبي والمتلقي النموذجي.

فالقرآن الكريم سوّى بين المؤمنين والكافرين به، وفي تأبّيه على الإدراك والاستيعاب لديهم، وكذا وجود شيء غامض في الذات لدى كلا الجانبين جراء تلقي هذا النص الفريد، ثم يختلف الفريقان من حيث تبرير هذا التأثّر ويفرقان في ردة الفعل الذي يحدثه التأثير. وقد وجد النص من يرفع عنه الهمة ويخرجه من الظلمة، وأقصد عدم استيعابه عند عامة الناس، فظهر مفسرون حملوا على عاتقهم تفسيره وتأويل آياته. قال عليه الصلاة والسلام: «القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجه»[10].

كان لكل من فئتي المؤمنين والكافرين موقف مباين للأخرى إزاء الخطاب حيث إن هذا التباين والانقسام لم يكن منحصرا في جانبه العقيدي والثقافي فحسب بل تعداه إلى مستوى الخطاب، منعكسا على لغته، مما يدل على وجود توتر متبادل بين الوحي ومستقبليه، فالوحي تنزل عليهم والمخاطبون تلقوه إما بالقبول أو الرفض أو السؤال.

فالقرآن إذن تقاطع لأنساق خطابية حاملة لقيم قد تبدو متشاكلة، لتشاكل غاياتها التي تتلخص في معاني الانقياد والاستسلام والخضوع، إلاّ أن خطاب النص القرآني أسس نظامه على فعل الإقصاء بعد الاحتواء وبيان زيف الأنساق الخطابية الأخرى. ولذلك فالنص القرآني لا يتأسس من فراغ، ولا ينبع من عدم، وإنما ينبني وجوده على أنقاض خطاب أو خطابات أخرى.

في هذا المساق تتسق هذه المقاربة في محاولة الوقوف على عناصر اللغة التي خاطب بها الله المتلقي النموذجي، لأنها تمثل جسر التواصل بين النص والمتلقي، فهي تأشيرة الدخول إليه، وهي مفتاح المتلقي، وما كان لباحث أن يرصد عناصر النص من دون المرور عن طريق اللغة، باستنطاق شفراتها الجزئية والكلية، واستبطان مختلف حمولاتها الجمالية والمضمونية.

ولغة القرآن كانت موجهة إلى ثلاث فئات: النبي عليه الصلاة والسلام/المتلقي الأول، المؤمنون/المتقبلون، ثم الكافرون/المعارضون، فكيف اختلفت يا ترى؟ سنقف على بعض الملاحظات الصوتية مع كل فئة من خلال نموذج بسيط، لنقف على الإعجاز اللغوي الذي هيمن على النص القرآني، فالصوت أول مستويات اللغة، وقد كان أول ما يسترعي السَّمع ويلفت الانتباه، ونكاد نجزم أن هذا الجمال الموسيقي الذي صِيغَ عليه القرآن كان أول ما راع العرب يوم تَلاَ عليهم النبي القرآن.

يقول بكري شيخ أمين: «هذا الجمال الصوتي، والتناسق الفني، والإيقاع الموسيقي، هو أول شيء أحسّته الأذن العربية يوم نزل القرآن وتلاه الرسول، صلى الله عليه وسلم، ولم تكن من قبل عهدت مثله من منثور الكلام ومنظومه، خيّل إليهم أول الأمر أنه شعر، لأنهم أدركوا في إيقاعه وترجيعه لذّة، وأخذتهم من لذة هذا الإيقاع هزّة، لم يعفوا قريبا منها إلا في الشعر، ولكن سرعان ما عادوا إلى تخطئة أنفسهم في ما ظنوه شعراً»[11].

=1= النبي عليه الصلاة والسلام

كان الحوار الأول الذي جرى بين ملك الوحي والنبي يحدد منذ البداية «الوضع النسبي للذات المحمدية في الخطاب القرآني، حيث توضع هذه الذات، منذ الوحي الأول، في مقام المخاطب المفرد، وسينزل الوحي في الواقع على ذات مخاطبة، تؤديه واسطة عن الذات المتكلمة تستعمل هنا مباشرة اللغة الإلهية لتأمر بالقراءة أمياً لا يتخيل نفسه قارئاً، وهو، لهذا، قد اضطرب وأجفل»[12].

وتجدر الإشارة أن النبي الكريم لم يخاطب الله سبحانه وتعالى، بل كان هو المُخاطب في كل مرّة، بل إن انعدام الطابع الشخصي للذات النبوية في الخطاب القرآني يتجلى بوضوح في كثير من الآيات، لا حيث لم يرد فيها ضمير معبّر عنه إلا في صورة المفرد المُخاطب.

ونجد بذلك أن نبينا الكريم كان «أكثر تواضعا -في هذا الشأن- من موسى عليه السلام الذي -كما يقول القرآن- تلقى «التوراة» في لقاء مباشر بينه وبين الله -تبارك وتعالى- حيث سمع كلام الله ذاته، أما بالنسبة لمحمد فالقرآن قول رسول سماوي وسيط بينه وبين الله»[13].

والقرآن نزل بلغة محمد، لغة قريش التي تعودها وجبل عليها، لغة الشعر الملقى في أسواق مكة، وبذلك الشكل خاطب الله سبحانه وتعالى نبيه الكريم، حيث امتازت سورة العلق بقصر آياتها وبوقع أصواتها، وهو الأمر الذي ميز كل السور المكية، دون المدنية التي كانت تعتمد الإطالة، لأنها جاءت للتشريع السماوي، وشرح مكارم الأخلاق، وتعاليم الدين الإسلامي.

القارئ لسورة العلق يرى أن صوت القاف قد هيمن على آياتها، مع أصوات أخرى كالراء، اللام، والميم ، ولا أعتقد أن هذه الأصوات جاءت هنا عن غير قصد، لأن خصوصية الصوت العربي عكس المعنى، وإبرازه الأمر الذي لا نجده في لغات أخرى، فالقاف مثلاً صوت مجهور انفجاري، مستعلٍ، يدل على «المفاجأة التي تحدث شيئاً»[14]،في هذا الصوت من الحرقة والقوة ما فيه، لذلك وظفه النص الشرعي للفت الانتباه، وتثبيت عزيمة النبي أمام هذا الأمر العجيب، مجلياً قوة الحث في قوة الصوت، وانفجار الوضع في مكة في انفجار القاف.

ومثله اللام، صوت مجهور، مائع، يحمل من الشدة بالتصاق اللسان بأصول الثنايا التصاقا محكما، ومن الرخاوة بتسرب الهواء عبر جنباته، فجمع بذلك القوة والضعف، وهو صوت يوحي بالتماسك والالتصاق، دعوة الله لنبيه.

أما الميم فصوت مجهور، مائع، يخرج الهوء أثناء النطق به من الأنف، لذلك فهو صوت خيشومي به غنة، يدل على «الانجماع»[15]، أي على التماسك والضم كضم الشفتين أثناء النطق به، وعلى المرونة و الليونة كليونة الشفتين، كأن الله سبحانه وتعالى يريد من نبيه التماسك أمام أمرين: الأول تلك الحادثة التي هو بين أيديها، والثاني: أمام كفر أهل مكة بل والناس جميعا، لا سيما أنه نبي الأمة.

وهكذا لو وقفنا مع كل الأصوات المتبقية كالزاي، أو الباء، سنجد أن الله سبحانه وتعالى قد وظف فقط الأصوات التي توحي بالقوة والتماسك، إضافة إلى ذلك فبعضها أصوات قياسية، ومن خصوصية هذه الأخيرة، أنها أندى في السمع وأعمق في التأثير، وأنها تستغرق أطول مسافة، تماشيا مع جغرافية الصحراء المترامية الأطراف.

=2= تلقي المؤمنين

الدين أفيون الشعوب، حس عفوي في كل إنسان، ملازم له، يحاول من خلاله التخلي عن ضعفه واستفساراته، حتى الإنسان الأول عبد النار والمطر والسحاب وغيرها من الظواهر الكونية الأخرى لأنه كان يخافها، أما الإيمان فنابع من الفطرة التي جبل عليها، والتي تنطوي على بصيرة داخلية، تميز بين الحق والباطل، والخير والشر، خصهم الله بخطاب خاص، بل بسورة كاملة اسمها «المؤمنون».

جامع أبو درويش في عمّانيحرص القرآن الكريم ألا يجعل «الإيمان» اعتقادا غيبيا مجردا، أو إحساسا باطنيا محضاً، دون أن تكون له علاقة بالواقع الإنساني، أو انعكاس في السلوك اليومي، فـ»الإيمان» المقصود في القرآن الكريم ممارسة حياتية مستمرة تتمثل في العمل الصالح، والاستقامة، ولذلك نجده يستخدم مختلف فنون التعبير في تقديم صورة الإنسان «المؤمن»: الحكاية، الوصف الظاهري، التمثيل، الموقف الفكري من الطبيعة، استبطان النفس الإنسانية... واستخدام القرآن لهذه الأساليب ليس بهدف الوصف الواقعي، أو التعبير الفني، ولكن للدعوة إلى ضرورة الإيمان، ووضع نفسيات المؤمنين أمامهم ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، وهذا الأداء المتنوع مقصود لمخاطبة مختلف النفسيات والعقليات، والنماذج البشرية[16].

يخاطب القرآن الكريم فئة المؤمنين بعبارة: «يا أيها الذين آمنوا»، وهي عبارة لو ركزنا فيها سنجدها تفيد الانفعال والتواصل من غير انقطاع، ولعله يريد بذلك ثباتهم وصبرهم وسط المجتمع الكبير الكافر.

فالياء هنا وردت مرتين في صورة أشباه الصوائت، ومرة صائتة، وهي صوت انطلاقي داخلي، يدل على البواطن، تمثيلا لنفوس المؤمنين، التي تخفي كل الآلام، والآهات، رافعة الهمة، لاسيما أنها اقترنت بصائت الألف، الذي يدل على الاستمرارية، استمرارية محاربة النفس، وكظم التعب، والاستمرارية في حمل الرسالة السماوية، وهذه هي فعلا صفة المؤمنين.

ومثله الواو، التي تدل على الظواهر، بسبب رؤية استدارة الشفتان، وربما يعود ذلك إلى إظهار الولاء للرسول، وإظهار الإيمان، من دون المشركين، فهي صائت طويل يعكس طول الرسالة، ونلاحظ أن الصوائت تراصت في هذه العبارة، لتفيد رسالة ظاهرة وأخرى باطنية، ارتبطت بصوتين من أصوات البكاء، هما: الميم والنون.

والجدير بالذكر أن تلك العبارة لم توظف إلا بعد الهجرة إلى المدينة، حيث استقل المجتمع المؤمن، وبرزت خصائصه وصفاته، وظهر المؤمن الحق من المنافق، أما قبل الهجرة فالعبارة اقتصرت على «يا أيها الناس»، وهي عبارة قصيرة دون الأخرى، تؤكد مرة أخرى الفكرة السابقة، وهي أن الله خاطب أهل مكة بسور قصيرة، وآيات كذلك، سميت بالسور المكية، وخاطب أهل المدينة «المؤمنون» بسور وآيات طويلة.

يمتاز أصحاب هذه الفئة بالتلقي الجيد للنص القرآني، وحسن استقبال الخطاب القرآني، لأنهم يحسنون استخدام حواسهم ومداركهم لتلقي أي معرفة خارجية، ولا يعطلون طاقاتهم عن تلقي الخطاب المُوحى، بخلاف المعرضين الذين صرفوا قلوبهم، وصدوا أسماعهم، وأسدلوا الحجب بينهم وبين المعرفة المنزلة، والحقيقة الموحاة.

هذا إلى جانب حقيقة أخرى نكاد نقف عليها في سور القرآن الكريم، وهي أن الله سبحانه وتعالى يخاطب المؤمنين كثيراً بضمير الغائب، عكس الكفار الذين يخصهم بضمائر الحاضر، وفي هذا حكمة أخرى.

=3= تلقي الكافرين

الكفر عكس الإيمان، وهم الفئة التي عارضت الرسالة النبوية، على اختلاف أنواعها، فمنهم المشركون، والملحدون، وأهل الكتاب «اليهود والنصارى، وفئة أخرى ولدتها ملابسات الدين الجديد هي طائفة «المنافقين»، أي أن الكفر هو «الإيمان»، مصدره الطاغوت، ومصدر الإيمان هو الله[17].

وإذا كانت جماعات المعارضة، سواء في المجتمع المكي أو المدني مختلفة من حيث المبدأ، فإنها اتخذت وضعا مشابها، إزاء الوحي والتشكيك به، ووقفت موقفا مناهضا، قائما على الجدل والحِجاج والمنازعة، مما دفع بالخطاب القرآني إلى التورط مع هذا الواقع الحجاجي، ومجاراته بالمناقشة والجدل والاحتكاك[18].

وقد خص الله الكافرين بسور في القرآن الكريم، وآيات كثيرة، وأِشهر سورة تلك الحاملة لاسمهم، أي سورة الكافرون، حيث ميز فيها بالجزم بين دين الرسول وبين الكفر بكل مظاهره وأشكاله:

قُل يَا أَيُّها الكافرون (1) لا أَعبُدُ ما تَعبُدونَ (2) وَلا أَنتُم عابِدُونَ ما أَعبُدُ (3) ولاَ أَنا عابِدٌ ما عبَّدتُم (4) ولا أَنتُم عَابِدون ماَ أَعبُدُ (5) لَكم دِينُكُم وَلِيَ دينِ (6).

فالنص كله نفي «بعد نفي وجزم بعد جزم، وتوكيد بعد توكيد، بكل أساليب النفي والجزم والتوكيد»[19].

والمتأمل لهذا النص المكي سيلاحظ دائما النمط الذي جرت عليه الآيات، وهو نمط الشعر الذي كان يلقى في أسواق مكة.

المهم إذا عدنا إلى النص في جانبه اللغوي، سنقف على الجزم في صورة صوتية رائعة، حيث جمع الله سبحانه وتعالى الأصوات المتنافرة في هذه الآيات، الحاملة للصفات الضدية، بين جهر/وهمس، شدة/ورخاوة، فصوت الدال بما فيه من جهر وشدة، يوحي بشده اللهجة وحدتها تلك التي يخاطب بها المولى عز وجل الخارجين عن رسالته، والميم بما تحمله من غنة، تظهر شيئا من الشفقة عليهم، فهم في غفلة، لا يريدون النجاة، ولا يعرفون الحقيقة التي تنتظرهم، إذا هم ماتوا على كفرهم، ويؤكد ظني وجود صوت النون كذلك، الذي ما ورد في كلمة إلا وأعطاها معنى البكاء.

لكن الزجر قوي واللهجة حادة، فالموقف غير عادي هو يفصل بين فئتين تختلفان كل الاختلاف، والعنف يظهر مع صوت الهمزة، فهو كالحُبسة في الصدر، الأمر الذي عكس حالة الغضب على أصحاب هذه الفئة، ليكون الفصل في النهاية بالآية الأخيرة.

تكيف القرآن الكريم بحسب نوعية مخاطبيه، وحسب القضية المتحدث عنها، والسياق الذي دار فيه الخطاب، وجدير بالدارسين أن يلتفتوا إلى الخطاب الصوتي في النص القرآني، الذي كان أول ما طرق الأذن العربية، وأثار انتباهها، فغير ذوقها الفني، كما أنه أضفى على النص القرآني جمالا وبلاغة، لا يرقى إليها أي نص آخر.

= = = = =

الهوامش

1= محمود عباس عبد الواحد، 1996، قراءة النص وجمالية التلقي، دار الفكر، القاهرة، ص 31.

2= يوسف كرم، 1977، تاريخ الفلسفة اليونانية، دار القلم، بيروت،لبنان، ص 45.

3= ناظم عودة خضر، 1997، الأصول المعرفية لنظرية التلقي،دار الشروق، ص 23.

4= أرسطو، 1999، فن الشعر، تر: إبراهيم حمادة،هلا للنشر والتوزيع، ص111.

5= نفسه 246-247.

6= شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي، عالم المعرفة، مارس 2001، الكويت، ص 346.

7= عبد الملك مرتاض، 2003، نظرية القراءة، دار الغرب للنشر والتوزيع، وهران، ص 181.

8= الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر، البيان والتبيين، تح: عبد السلام هارون،دت، ص 3/97-97.

9= الخطابي، بيان إعجاز القرآن، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن للرماني والخطابي وعبد القاهر الجرجاني، تح: محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام، دار المعارف، مصر، ص 64.

10= جلال الدين السيوطي، 1999، الإتقان في علوم القرآن، تح: فواز أحمد زملي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ص 2/446-447.

11= بكري شيخ أمين، 1980، التعبير الفني في القرآن، دار الشروق، ط4، بيروت، القاهرة، ص186.

12= مالك بن نبي، 1986، الظاهرة القرآنية، تر: عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، 1986، ص 158.

13= محمد عبد الله دراز، 1980، النبأ العظيم، نظرات جديدة في القرآن، دار القلم، ط5، 1980، الكويت، ص127.

14= مصطفى الغلاييني، تهذيب المقدمة اللغوية، ص 22.

15= المصدر السابق.

16= عبد الحكيم غلاب، 1989، صراع المذهب والعقيدة في القرآن، دار الآفاق الجديدة، ، بيروت، لبنان، ص 94.

17= نفسه 208.

18= يحيى محمد، 2002، جدلية الخطاب والواقع، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، لبنان، ص15.

19= المصدر السابق.

===

نشر هذا البحث أول مرة في مجلة "عـود الـنـد"، العدد 93: آذار (مارس) 2014

رسمة بمناسبة بدء عود الند عامها الحادي عشر

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3151302

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC