أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 3: 25-36 » العدد 26: 2008/07 » "من حق المبدع أن يتنقّل بين الأجناس الأدبية"

حوار مع الكاتبة الأردنية نهلة الجمزاوي

"من حق المبدع أن يتنقّل بين الأجناس الأدبية"

حاورتها سناء شعلان - الأردن


.

سناء شعلان: كيف ترين ما طرأ على القصة من حداثة وتجديد ؟

نهلة الجمزاوينهلة الجمزاوي: كثيرا ما يلح علينا سؤال مشروع: "أليس بالإمكان أبدع مما كان؟" ومن ثم وانطلاقا من أنّ اللغة أداة جمالية، وليستْ واسطة للقول فقط فأنا أرى أنّ على المبدع أن يبحث في اللغة وماهيتها، ليستخرج منها ما لم يقل بعد، وبالتالي لابد لأيّ جنس إبداعي من أن يقفز من مكان إلى آخر غير متوقف عند نقطة بعينها؛ لأنّ توقفه يعني موته. وإذا أردنا أن نخصّ في حديثنا هذا القصّ كجنس إبداعي هام معني كغيره بضرورة التناغم مع إيقاع الحياة باعتباره تصوير لتجربة الإنسان، وليس سردا لتلك التجربة، فأنا أرى أنّ القاصّ الذي يقوم بوضع المرجعيات بحرفيتها تكون عينه أثناء الكتابة على الواقع، ولذلك يقوم بعملية استنساخ الأشياء ذاتها، وعليه سوف نكتشف أنّه يدور في حلقة مغلقة. أمّا القاص الحقيقي فهو الذي يقوم بتجميع شتات المشهد من خارج إطار الإدراك الكلي، ليكون قادرا على الإمساك باللحظة التي يمسك بها البصر، ولا تلتقطها الذاكرة الرتيبة. فأنا لا أحبّذ النص الذي ينشأ على بقايا المؤثرات والمرجعيات التي لم تتحرّك من مكانها منذ قرن، ولم تتغيّر بتغيّر شكل الحياة ومتطلباتها.

سناء شعلان: نلاحظ أنّ لغة الشعر تغلب على قصصك. بماذا تفسرين ذلك؟

نهلة الجمزاوي: الانزياح الشّعري في لغة القص يمنح القصص دفقا قويا، يمكّنه من تحفيز ذهنية الملتقي وخياله، مما يعطي الكاتب قدرة كبيرة على التأمّل، ويمنحه فسحة لاستظهار قدرته الكتابية واستنباط إشارات رموز تحرّك مخيلة المتلقي، وتؤسّس للغة معرفية لديه، كما أنّ لغة الشعر تسقط الزوائد، وتزيل الترهل، وتكثّف المعنى، وتساعد على الإحساس بالمشهد القصصي لا سرده فقط. أمّا بالنسبة لتجربتي مع القصة فأنا لا أخطط أو أختار اللغة التي سأكتب فيها، وإنّما أطلق لفكرتي العنان، لتختار اللغة التي تمكّنها من الحضور والتمثل على الورق لتوقعني بعفوية ودون قصد أسيرة للشعر.

سناء شعلانسناء شعلان: ماذا عن القصة القصيرة جدا ؟ هل استطاعت أن تجد مكانا لها وسط الأجناس الأخرى؟

نهلة الجمزاوي: القصة القصيرة جدا جنس إبداعي استطاع أن يفرض نفسه مكانا بين الأجناس الأخرى كجنس إبداعي مضاف جاء ليعزّز ما سبق من عطاءات مهمة شكلّتْ حضورا فنيا وتاريخيا في عالم الأدب، وليس نابذا لها على الرغم من استنكار بعض المشتغلين على تقييم النصوص الإبداعية لها. ولا تعدّ الدعوة لتكثيف المعنى وإسقاط الزوائد هي استنكارا للإطالة في القصّ، فعلى القصة أن تأخذ مداها في استكمال الفكرة، وعندما ندعو إلى الاشتغال الدؤوب على تطوير الأجناس الإبداعية فإنّنا لا ندعو بالتأكيد إلى تخلّي هذه الأجناس عن اشتراطاتها الفنية، فلا بدّ من التمسّك بمعمار القص حتى لا يتوه في زحمة الأجناس الأدبية الأخرى والمستحدث منها. فالقصة لن تصبح خاطرة أو نصا مفتوحا، وإنّما أرى لها أن تنهل من تلك الأجناس مما يدعم معمارها وقدرتها على محاكاة الواقع والانغماس فيه، فهي تقترب من الأجناس الأخرى، ولا تذوب فيها.

سناء شعلان: لماذا لا تطرحين نفسك كشاعرة على الرغم من أن لديك نتاجا شعريا يوازي نتاجك القصصي بل يفوقه أحيانا ؟

نهلة الجمزاوي: لا أميل إلى "تجنيس" هويتي الإبداعية، فأنا أعشق الشعر، وأكتبه بغزارة ولاسيما الغنائي منه، فالشعر مسؤولية كبرى في نظري ولقب شاعر لقب كبير له استحقاقات ما زلت أخشاها. أمّا القصة فأجدها تحملني نحو فضاءات أكثر رحابة مما يمكّنني من التجوال في عوالمها بحرية ويسر، إلاّ أنّني سرعان ما أجد قصتي تنفلتُ من بين أصابعي، لتحلّق على أجنحة الشعر نابذة وراءها كلّ القيود غير آبهة بتسمية أو تصنيف.

سناء شعلان: نلاحظ أنّ الشعر والغناء يغلب في خطاباتك للطفل. فلماذا الغناء دون غيره؟

نهلة الجمزاوي: الشعر يتمتّع بخاصية أنّه الأقدر على الالتصاق بالذاكرة إضافة إلى أنّه محاولة للابتعاد عن أسلوب الإسقاط والأستذة والخطاب المباشر وعدم السقوط في جبّ النمطية. وقد كتبت عددا من القصائد التربوية والتعليمية والوطنية حاولت خلالها التحدث بلسان حال الطفل، وهو يطرح مشاكله بأسـلوب تلقائي مبسّط، كما عمدتُ إلى كتابة القصص المغناة أو أنّها بعبارة أدقّ "مسرحيات غنائية صغيرة" لا سيما القصص الشعبية المستمدّة من التراث بقصد ربط الطفل بإرثه وحضارته بأسلوب محبب وسهل الحفظ، وقد تمّ إنتاج معظمها لبعض المحطات العربية. وكم أشعر بالسعادة عندما أرى كلماتي وقد أصبحت كائنات حية تتحرك أمامي تضحك، وتبكي،وتغني، وترقص، وتصرخ بما يريده الطفل الإنسان.

سناء شعلان: هل للجوائز التي حصلتِ عليها تأثيرا على مسيرتك الإبداعية؟

نهلة الجمزاوي: لا شك أن نزوح المبدع إلى المشاركة في المسابقات، والحصول على جوائز لاسيما خارج وطنه هي محاولة لإثبات وجوده وانتزاع اعترافا في ظلّ ساحة ثقافية وطنية تعاني من الكثير من الإرهاصات والمعيقات التي تقف في وجه المبدع، وتتصدّى لظهوره، وقد شكّلتْ جائزة أندية فتيات الشارقة لإبداعات المرأة العربية في الأدب عن مجموعتي القصصية العربة، التي تنتمي إلى جنس القصة القصير جدا دافعا قويا واعترافا ليس بي فقط، وإنّما بهذا الجنس الإبداعي الذي يعاني الكثير من الإجحاف من قبل النقاد في الساحة الثقافية العربية، فكان الفوز بهذا الشكل من أشكال القص اعترافا بقدرته "أيّ القصّ القصير جدا" على المنافسة وحقه في الوجود على الرغم من أنّني انطلقت بعد ذلك نحو قصص طويلة في مجموعتي الثانية " الولد في هذيانه". وكذلك جائزة النص المسرحي التي حصلت عليها من وزارة الثقافة العراقية 2001 والتي قُدمتْ أيضا على أحد المسارح الوطنية في مصر كما قدمت في أبو ظبي، وحصلتْ على جائزة أفضل عمل متكامل من هناك، وهي مسرحية تقترب في قوامها اللغوي من قصيدة النثر كلغة للحوار، وكانت بعنوان "الشظية" وهي إدانة للحرب ومحاولة لتجسيد المعاناة التي تقع على كاهل الإنسان العربي جراء جرائم الحرب التي تعتدي على إنسانية الإنسان في محاولته لمسخ، ولترويضه على التبعية، وسلبه لكافة حقوقه المشروعة على أرض وطنه.

سناء شعلان: "الأدب النسوي" قضية تشغل بال بعض النقاد وأقلامهم. ما رأيك بهذا المصطلح؟

نهلة الجمزاوي: أنا لا أعترف بتجنيس النّص الإبداعي، وأعدّ هذا المصطلح ذكوريا يهدف إلى التقليل من شأن الأدب الذي تكتبه امرأة إلا أنّه بذلك يسيء للعملية الإبداعية برمتها. الأدب هو الأدب، له معايير وأسس تقييم نقدية لا علاقة لها بالضرورة بجنس المبدع، فالأدب الذي تكتبه امرأة لا يحمل بالضرورة قضايا نسوية محضة، وإنّما هو بالأغلب يعكس تطلعاتها ورؤيتها للحياة كإنسان متأثر بالمجتمع ومؤثر فيه.

سناء شعلان: عرفت على الساحة الثقافية كقاصة، إلا أنك تكتبين الشعر والمسرحية والدراما، وتكتبين أيضا للأطفال. بم تتميز الكتابة لهم؟

غلاف: الولد في هذيانهنهلة الجمزاوي: الكتابة للطفل تحتاج إلى طفل آخر يسكننا. وثمة طفل شقي يسكنني، ويقودني دائما إلى التعبير عن مشاكسته ونزوعه نحو التغيير. إنّ تجربتي في الكتابة للطفل لا تخلو من المجازفة، فهي محفوفة بالمخاطر، ومطوّقة بالتساؤلات: مما يدفعني في الوقت ذاته إلى اختصار سنوات عمري، والرجوع بها إلى ما وراء العاشرة لكي أمكّن حدقة عيني من التقاط ما لم يلتقط أحدٌ بعد حتى لا أقع في شباك تكرار الأشياء، فأنا أرى أنّ العقلية التي يتمتّع بها الأطفال عقلية مطلقة الخيال تجعل أكبر العقول وأهمها عاجزا عن إيجاد إجابات لكثير من الأسئلة التي يطرحونها. الأطفال مباغتون، بمعنى أنّهم يمطروننا بالأسئلة الغريبة، وهذا متأت من خصوبة مخيلاتهم التي لا تقف عند حد معين، لذا يجب على اللغة الموجهة إليهم أن ترسم شكلا هندسيا أكثر إبهارا ودهشة، لكي يستطيع أن يمسك بها معرفيا. وفي كتاباتي أحاول أن أمسك بالفهم المشترك الذي يجمعني بالطفل، وبالتالي أكون قد حقّقت الهدف أو على الأقل لم أبتعد عنه كثيرا، ففي مسرحيتي الأولى "كوكب الأحلام" التي عُرضت على المسرح الثقافي الملكي في مهرجان الطفل عام 2000 الذي تقيمه وزارة الثقافة تعرضتُ لظاهرة انتماء الطفل إلى المجهول أو إلى عالم الخيال العلمي كما يُطلق عليه علماء النفس والاجتماع، فالآلة والكمبيوتر كلّها تدخل من هذا الباب، لكن واقعة النّص في كوكب الأحلام لم تُبحث في العلم، وهي تلج المجهول، وإنّما بحثت عن إنسانية الإنسان، وهي تؤثر مواطن الخير والشر، أمّا المسرحية الغنائية "أين الفرح؟" التي عُرضتْ بمناسبة يوم الطفل العالمي 2002 على مسرح جمعية مدارس المركز الإسلامي الثانوية، فقد عمدتُ فيها إلى مزاوجة الواقع المحكي بالمتخيل من أجل الولوج إلى ذهنية الطفل بسهولة ويسر من خلال استخدام أدوات مخاطبة جديدة قادرة على استنطاق اللغة إلى أقصاها والعمل على تشخيص المفاهيم المتعارف عليها لدى الطفل، وتحويلها إلى شخصيات تتحرك وتنبض بالحياة، إذ تحوّلتْ مسرحية "أين الفرح؟" إلى صرخة إدانة للواقع المرير الذي يعيشه الإنسان ولاسيما الطفل، وعمدتْ إلى زرع الأمل في نفس الطفل، وتكريس الإيمان بحتمية النّصر.

سناء شعلان: ألا ترين أنّ الكتابة في أكثر من جنس إبداعي فيه تشتيت لجهد المبدع ؟

نهلة الجمزاوي: الكتابة في جنس إبداعي معين لا تشترط عدم الكتابة في جنس آخر، فإذا تمكّن المبدع من أدواته في مجال معين، وامتلك مفاتيحه جيدا فما يضيره أن يطرق بابه متى شاء، وقد أثبتْ ذلك عدد كبير من المبدعين وعلى مدّ التاريخ، ومثال على ذلك غونتر غراس صاحب رواية طبل من صفيح الحائزة على نوبل 1999 إذ بدأ مسيرته الإبداعية شاعرا، وبرز ديوانه الأوّل مزايا ديكة الريح ليكرسه شاعرا ثم مسرحيا ساخرا وروائيا إضافة إلى كونه رساما ونحاتا بارعا. وكذلك غيره الكثير من المبدعين العالميين والعرب ممن جمعوا بين أكثر من فن من فنون الحياة، وليس بين أكثر من جنس إبداعي فقط. ومن هنا أقول أنّ من حق المبدع أن يتنقّل بين الأجناس الأدبية كما النّحلة، شريطة أن يصنع العسل.

سناء شعلان: أخيرا، ماذا عن طموحك الثقافي؟

نهلة الجمزاوي: الكتابة بالنسبة لي هي ليست أداة للبوح فقط، وإنّما هي أداة نضالية للدفاع عن قضايا الإنسان وهمومه انطلاقا من أنّ البقاء للفن، ومن أنّ للكلمة فعل السيف، لذا عليها -أيّ الكلمة- أن تأخذ دورها النضالي. أمّا عن اجتهادي واشتغالاتي فأنا أعمل من أجل نص صالح للبقاء فقط، فالنجومية لا تصنع بقاء حقيقيا وإنّما هي مشروطة بالظروف التي صنعتها، وهي بلا شك زائلة.

D 1 تموز (يوليو) 2008     A سناء شعلان, نهلة الجمزاوي: مقابلة     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  القصة القصيرة وتضفير الأدب بالفنون

2.  ياسمينة صالح: تعزية

3.  الـصـــــورة

4.  القارب والمرجيحة: مسرحية

5.  على حافة رسمة


القائمة البريدية