أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 3: 25-36 » العدد 26: 2008/07 » نافذة اخضرار من قطار الصحراء

بقادي الحاج أحمد - السعودية

نافذة اخضرار من قطار الصحراء


بقادي الحاج أحمدمرة أخرى في هذه الغربة يبحث عن بداية جديدة، وسط إحساس مفجع وموحش أكثر من مخاطرة ركوب الغربة لأول مرة، على الأقل عند البداية تكون لوحدك على الشط، تريد أن تقتحم اللجة الزرقاء، أما الآن فأنت تحمل ما تحمل داخل ذلك الخضم المهول المتلاطم الأمواج المسمى مجازا غربة. تريد أن تقتحم المجهول؛ رحلة البحث عن مكان جديد ووجوه جديدة.

في الرياض عند محطة القطار، كان جالسا منتظرا رحلة الدمام. قطع التذكرة وودع صديقه، وداعا تخللته محاولة الصديق أن يدس في يده ورقة نقدية. تمنع المسافر، وشكر الصديق وطلب ألا يفعل ذلك. كان هناك إصرار من الاثنين، تتقارب أيديهم وأجسادهم وتباعد. أخذت أصواتهم تعلو. كانت عملية المسك والممانعة، والحلف بالله تارة وأخرى بالطلاق كافية أن تجعل الأعناق تشرئب نحوهم.

قال المسافر لصديقه:

"يا أخي أعلنا عن سودانيتنا بما فيه الكفاية."

"ما لك وما لهم؟ خليهم يعاينوا. امسك يا أخي، امسك."

وضع ورقة مئتي ريال في جيبه.

كان مطلعا جيدا على حال صديقه، فهو يعلم أنه لشهور بلا عمل، والآن مسافر لإجراء معاينة في إحدى شركات المنطقة الشرقية.

أخذ مقعدا في صالة الانتظار الواسعة كثيرة الكنبات، مكتظة بالجنسيات التي أتت إلى هنا من أصقاع الدنيا المختلفة. أتوا زرافات ووحدانا كأنهم الطير، ولكن على رؤوسهم كلاما كثيرا.

تحرك مع الركاب بعد الإعلان عن بدء صعود القطار. في الطريق إلى عربات القطار، تعرف على رفيق درب رحلة قطار الرياض الدمام: مهندس زراعي في منتصف العمر، داعب الشيب بعض خصلات من شعر رأسه، باد عليه الوقار. جلسا على مقعدين متجاورين.

بعد الظهر بدأ القطار يسحب العربات وما تحمل في بداخلها نحو – أم الخيرات– المنطقة الشرقية.

المسافرون جالسون على كنب فخم، ينعمون بخدمات البوفيه والتكييف العالي، والقطار في الخارج وجها لوجه مع الصحراء وقسوتها.

عرف نفسه بأنه مدير حسابات ذاهب لأول مرة للشرقية لإجراء معاينة. محدثه قضى في المنطقة الشرقية أكثر من عقدين من الزمان.

دار الحديث أول ما دار عن الحسابات ووجود فرص جيدة في المنطقة لكبار المحاسبين خاصة ذوي الخبرات والمؤهلات العلمية العالية.

كان المهندس ممسكا بدفة الحديث بما له من لباقة، وسبق في ابتدار الحوار، ومعرفة ودراية بالمنطقة الشرقية. طاف بالحديث إلى أيام الدراسة وأيام العمل في السودان، تلك الأيام الخوالي التي تعبق بأريج الوطن. تذكر المحاسب أيام العمل التي قضاها في شمال السودان.

منذ أن رسا مركبه هنا في ديار الغربة، وشاهد ما شاهد، أسئلة بعينها ظلت تطارده دائما، ولا يجد لها أجابة. قال لنفسه لماذا لا نطرحها على البساط في حضرة المهندس الزراعي، لنرى كيف يبدو الاخضرار من هنا، من نافذة قطار الصحراء؟

قال لرفيق الرحلة:

قبل ما نشتغل في الشمالية، جاء الشماليون من غرب أم درمان تحملهم اللواري (الشاحنات) قبل الباصات إلى العاصمة، ويحملون معهم الشوق والحنين إلى نخلاتهم وتمراتهم التي تركوها ورائهم، فتغنوا بنخل وتمر بلادهم. رددت إذاعة أم درمان تلك الأغاني، حتى صارت معروفة ومحفوظة للجميع. ومن ناحية أخرى لو خصمنا نهر النيل من شمال السودان، فإن طبيعة الشمالية تبدو مثل طبيعة السعودية قاحلة وجافة، وبنفس القدر لو استبعدنا الحنين وأثر البيئة على الإنسان، نجد أن إنتاج شمال السودان من التمور، لو قورن بإنتاج السعودية من حيث الكمية والنوعية، نجد الفرق كبيرا والبون شاسعا لصالح السعودية، لماذا يا باشمهندس؟

أجابه المهندس:

رغم التشابه الظاهر في البيئة، إلا أن هناك اختلافا كبيرا، تختلف أصناف التمور وتتنوع وفقا لمناطق زراعتها وتنوع الظروف المناخية التي تنمو فيها إلى جانب احتياجات كل صنف. من المتعارف عليه أن تقسيم أصناف التمور يتم وفق مجموعة من المعايير، من بينها لون القشرة، ونوع السكريات السائدة بالثمرة عند النضج، وتوقيت نضجها مبكرا كان أو متأخرا، إلى جانب نسبة الرطوبة بالثمرة عند النضج. المعيار الأخير يعتبر أكثرها استخداما وأهمية، حيث توجد مجموعة تمور رطبة، ومجموعة تمور نصف رطبة، ومجموعة تمور جافة. إضافة إلى ذلك نسبة الرطوبة عند التلقيح وعند تمام نضج الثمرة تتباين وتختلف، لذلك يختلف الإنتاج كما ونوعا.

رد على ما سمعه فقال:

طيب يا باشمهندس في الشمالية هناك منطقة تقدم إنتاج ضامر من التمور، والرواية الشعبية لتبرير ذلك تقول إن أحد المغتربين أحضر شتلة من الخليج، لعلها من السعودية، بها مرض، تحديدا حشرة. أصابت الشتلة عند زراعتها المنطقة كلها بالعدوى، وأصبحت المنطقة معروفة بذلك الإنتاج المريض، الذي يشبه الحشف وليس التمر، رغم أنها كانت من قبل مشهورة بإنتاجها الجيد والغزيرة للتمور الذي ساهم في الصناعة المحلية مساهمة كبيرة في إنتاج مشروبات المزاج والكيف. ما صحة هذا القول؟

ضحك الباشمهندس: "ما عارف أنا، لكن من الناحية العلمية هذا الكلام غير صحيح، أما النواحي الأخرى فلا علم لي بها."

طوى القطار الصحراء طيا، دخل منطقة الإحساء، على مشارف الدمام، أطلت المباني تسبقها الأشجار الخضراء.

محاولات رؤية اخضرار الزراعة في أرض النيلين ما زلت مستمرة مع الباشمهندس من نافذة القطار. إضافة إلى توفر مساحات الأرض الخصبة والمياه، والإمكانات المادية، لا بد من وجود الخبرة والدراية، لتسقى وتنسق للحصول بتوفيق الله على محصول ناجح للتسويق.

إن نافذة الاخضرار من قطار الصحراء، تبدو من هنا كالجنة على أرض النيلين، تأخذ فيها النباتات بعضها برقاب بعض، تبحث عن النوار والأزهار والثمار.

D 1 تموز (يوليو) 2008     A بقادي الحاج أحمد     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  تركيا: ندوات النحت الدولية

2.  عن لوحة الغلاف

3.  الفائزون بجائزة الطيب صالح

4.  مقتطف: أسباب اندلاع الانتفاضات العربية

5.  عدد جديد من دبي الثقافية


القائمة البريدية