أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 4: 37_47 » العدد 43: 2010/01 » دهــر مــن الـتـشـهـيـر (*)

إبراهيم يوسف - لبنان

دهــر مــن الـتـشـهـيـر (*)


على طريق الرّيف، مضت راز تجوبُ البراري، تنتقل من حقل إلى حقل، تجمع حبات القمح التي خلّفها الحصادون.

راز شابة في ربيع العمر، وجهها مشرق فاتن، قوامها ممشوق، وإرادتها صلبة لا تلين. نامت ليلة الأمس عند غياب الشمس، وأفاقت مع الفجر، نشيطة مقبلة على الدنيا، عازمة أن تنجز في أيام ما فاتها خلال الصيف، حين كانت مشغولة بجدتها، التي قضت إثر مواجهة شجاعة مع مرض طال وقته؛ فالخريف على الأبواب، ولم تنته بعد من تخزين مؤونة للشتاء، الشتاء الذي يخشونه فيتحضرون له جيدا.

جملة القول إن راز رصينة جادّة، وجمالها يسبي العقول، تكتم ما في نفسها ولا تبوح بسّرها؛ قلما تلهّت أو أضاعت وقتها بلا طائل، اللهم إلاّ في تلك اللحظات، التي تناهى إلى مسامعها صوت رخيم وأنغام شجية، يعزفها على كمانه جارها وصديق طفولتها مير، صرصور الشجر الساحر الأنيق، هذا الصرصور الأخضر الجميل، لا يثير التقزز حال باقي الصراصير، التي تقشعر لها الأبدان، وتعشق العيش على الفضلات الفاسدة في المطابخ. ما يمكن قوله أيضا إن مير صرصور مختلف تماما، فإلى جانب حسنه وأناقته، كان مولعا بالعزف والغناء، يهوى الكسل وكان مغرما بالنساء؛ يقطف أكثر الثمار حلاوة ليأكلها، ويشرب الندى المعطر بأوراق الورد كل صباح.

يسهر كثيرا في الليل، وينام غالبا لساعات بعد الضحى. هذا دأبه دوما يعفي نفسه من المسؤولية، ويعيش كما يحلو له، حياة عارمة محررة من كل الضوابط والقيود، لكنّها في الحق أبعد ما تكون عن الإساءة إلى الآخرين؛ تلك هي قناعته التي آلت إليه بالسليقة، والتي لا يناقش فيها أبدا. توسّل العزف والغناء ليغرر بجارته النملة فيصرفها عن العمل، لعلّها تستجيب لرغبات قلبه. لكنه عبثا فعل، فهي إن أبطأت أو تراخت بتأثير النغم وشدو الصرصور المتيم، إلاّ أنّها سرعان ما تنخرط في عملها من جديد، بعزيمة قويّة وهمّة لا تعرف الفتور. على أنّها والله يعلم، حاولت بصدق وتصميم أن تثنيه عن الكسل، وتحرّضه في الأقل أن يجمع مؤونة الشتاء لنفسه، لكنه عاش على هواه يستخف بنصحها ويمعن في لهوه وطيشه.

وما إن انتهى فصل الخريف، حتى ملأت النملة كيسها حبّة، حبّة، وحملته إلى مخزن الجماعة في قرية النمل، بعد أن قامت بتكسير حبوبه، لئلا تستفزها الرطوبة بالتفريخ.

وهكذا انقضى الصيف والخريف، وحلّ الشتاء، الشتاء البارد الطويل، فالأزهار قد ذبلت وماتت، واختفى عطرها، والأشجار تعرّت تماما من أوراقها، والنملات لجأت إلى قراها، وبدأ الثلج يتساقط.

في البداية، التحف الصرصور بعضا من الأوراق المبللة الميتة، التي لم تقه هول الصقيع، فراح يرتجف من شدة البرد والجوع. لا يمكن أن تستمر الأمور هكذا! قال الصرصور لنفسه، تناول كمانه، ذلك الصديق الأمين، الذي لم يخنه أو يتخل عنه أبدا، وهام على وجهه لا يلوي على شيء، خائفا، خائبا، يحمل مرارته والكمان، يتعثر في خطاه، يجوب الأودية والجبال، حاسر الرأس، حافي القدمين، خاوي البطن يبحث عن خلاص. كلما جدّ في المسير، كلّما اشتدّ برده وجوعه، وكلّما اشتدّ جوعه، شدّ حزامه، وما إن يطوي مفازة حتى يُمعن في الضياع وفي الخوف، إلى أن قادته قدماه صدفة إلى قرية النمل وهو في الرمق الأخير.

طق، طق. قرع الباب بخيبة وخجل، وانتظر، انتظر لحظات، خالها دهرا. كان لشدة قهره يوشك أن يبكي، ولو فعل لفرّج عن كربته، لكنّ الصرصور لا يملك دمعا يذرفه، لهذا فمحنته أشدّ إيلاما.

راز منهمكة في تدبير شؤون المنزل، وليست في قيافة حسنة تشجعها على استقبال الزوار.

"من الطارق؟" سألت النملة.

أجابها مير بصوت ضعيف: "أنا جارك، جارك الصرصور."

"زيارة غير متوقعة! لقد فاجأتني، " قالت النملة.

ويجيبها مير في ذلّة وانكسار: "أنا جائع، مفاصلي تؤلمني وتتجمد من شدّة البرد."

بعد فترة من الصمت القاتل، يؤشر إلى خيبة أخرى، تقول له النملة:

"أرجوك، أرجوك، انتظر قليلا، قليلا فقط، إياك أن ترحل، سأفتح لك حالما أصلح من شأني."

ارتبكت النملة كثيرا، ذهلت عن نفسها لبعض الوقت، لكنها تماسكت، لجمت عواطفها، وسارعت إلى دولاب الملابس، فاختارت بعد تردد قصير ثوبا جميلا، جميلا جدا، واجهت لفرط ارتباكها بعض الصعوبة في ارتدائه، إنه مثير حقا! لا يستر من مفاتن جسمها إلا القليل، فيكشف في جزئه الأسفل عن ساقين جميلتين، كأنهما من الأبنوس اللامع المصقول، وفي جزئه الأعلى نافذة تطل على الثديين، وما حجبته حياء عن النظر فعنه يعجز الوصف! بعد ذلك عمدت إلى زجاجة عطر غالية الثمن، كانت قد خبّأتها منذ زمن بعيد توقا لمثل تلك المناسبة، وها قد أقبلت، فرشّت بها تلك الأماكن من جسمها، عطر نادر يتسرب كالمخدر إلى الأنف، ليوقظ القلب، ويفعل فعله في الأعصاب. سرّحت شعرها بخفة، سرّحته كيفما اتفق، وأصلحت أحمر الشفاه في حركة سريعة مشتركة بين الأنامل والفم. اطمأنت إلى شكلها في المرآة، وهبّت تفتح الباب. نبضات قلبها بلغت حدّها الأقصى، والدم يتجمع عند أطراف الأذنين، ويحتقن في الأنف والوجنتين.

لم تكد تفتح الباب حتى تهالك على نفسه، وهو يتنفَّسُ أنفاسا متلاحقة مضغوطة. كاد لفرط عيائه أن يهوي على عتبة الدار، لكنها تلقفته بكلتا يديها قبل أن يتداعى ويسقط، فاستراح رأسه ملتصقا بصدرها، يفوح منه ذلك الطّيب المنعش النفاذ.

هبّت جاراتها في مملكة النّمل إلى المساعفة. إحداهنّ حملت إليه كوبا من النبيذ الأحمر، بينما كانت جارتها تعدّ له حساء ساخنا، من كانت تطهو، طرحت وزرتها جانبا، أطفأت النار، وجاءت تستطلع الخبر. إحداهنّ أقبلت تحمل أغطية، كانت قد احتفظت بها من ذكرى عرسها، وأخرى حملت حطبا إضافيا للموقد. نادلة المطعم، انتحت جانبا مكتوفة اليدين تعصف في قلبها الغيرة لأنها لم تؤد خدمة للضيف الكريم، وتعترض على مهانة الخمر حين يقدّم مع الحساء جنبا إلى جنب.

هكذا بدأت الحركة تنشط في المخيم، والحياة تدب في الجسد الضعيف، وما إن استراح قليلا، حتى كانت مجموعة من الأخوات قد أعددن بكثير من حسن التدبير، مائدة ملكية، كان فيها مير الرجل الوحيد وضيف الشرف الوحيد. أكل بنهم ملحوظ، وهنّ يراقبنه باهتمام وإشفاق وشرب حتى ارتوى، وارتاح، وتعافى، وانتفت حجته لبقاء أطول. طلب بانكسار بالغ إذنا بالرحيل، ينطوي على رجاء بالرفض؛ ولمّا لم تكن النملات قد التزمن بعمل في فصل الشتاء، وخير الله يفيض على الجميع، فقد قابلنه بالإصرار على الرفض، ما حمل إلى قلبه الغبطة والأمان، فانطلق يغنّي على سجيته.

أين الكمان؟ هات الكمان! قالت النملات، هيا ننفض عن نفوسنا هذا الملل، إنّها فرصتنا جميعا، نحن بأشدّ الحاجة إلى الترفيه، وتعالى صوت الكمان عذبا شجيا آسرا، ليفعل فعله في القلب والروح، فانتشين وتمايلن طربا، وتوالت الصبايا على حلبة الرقص في دائرة يحيط بها العجائز والصغار يشجعون بالتصفيق جموع الراقصين. طال بهنّ السهر وامتدّ الرقص والسمر وتحوّل الليل إلى مهرجان. وعندما صاح الدّيك إيذانا بحلول الصّباح، انصرف الكل إلى النوم بعد ليل رائع، حمل في طيّاته كلّ البهجة والحبور، وحمل إلى قلب راز نشوة عارمة، فصديقها كان نجم الاحتفال بلا منازع، وقد تألق أشدّ سحرا من نجمة الشمال.

بالآه المبحوحة، تأتي مباشرة من القلب، هكذا أمضى مير ما تبقّى من فصل الشتاء، في ضيافة صديقته التي لم تبخل عليه بشيء، خلافا لما فعلته أختها، حينما وبّخته وطردته من بيتها ذات مرّة، فعوّضته راز عن كرامته المهدورة، وهان عليه هوانه، بعد دهر من التشهير والسمعة المستباحة، تداولها كلّ لسان , بكل اللغات , في مشارق الأرض ومغاربها ؛ فغفر لأختها وسامحها حين أكرمت وفادته، وآوته في دارها، لينعم بالرخاء، وينعم بالدفء والحب، يجلسان جنبا إلى جنب، يختلس النظر من حين إلى آخر إلى ساقيها العاريتين، يغنّي لها، وتنتشي طربا له، يحدّثها عن نفسه، عن حبّه الأول، عن لون البنفسج في عينيها، هذا اللون الفاتن، اكتسبته بالوراثة عن جدّة أجنبية الأصل، ماتت الصيف الماضي.

ولمّا كانت الخيبة، غالبا ما ينتهي إليها الحب الكبير، فقد أخفق مير بالزواج من صديقته، التي هامت به وهام بها؛ لأنها ليست من بنات جنسه، لهذا فقد افترقا عندما حلّ الصيف؛ ذلك الصيف، كان يبشّر النملة بالرزق الوفير، ويعد صديقها الصرصور بفيض من العبث البريء. وهكذا افترق الحبيبان، فمضى كلّ إلى غايته، وأصابني لذلك حزن شديد.

= = =

(*) نص وصل إلى التصفيات النهائية في مسابقة "أدب العشق" التي كانت نظَّمتها وكالة "سفنكس" في عام 2009.

D 1 كانون الثاني (يناير) 2010     A إبراهيم يوسف     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  زمن المحنة في سرد الكاتبة الجزائرية

2.  تذكير بتكريم زهرة زيراوي في المغرب

3.  أحوال العمل وفرصه في عصر التكنولوجيا

4.  قراءة في "الحياة أغنية"

5.  قطار الأنفاق


القائمة البريدية