أنت في : الغلاف » العدد الفصلي 15: شتاء 2020 » ملاحظات على المسلسلات التلفزيونية بلهجة بدوية

نازك ضمرة - الولايات المتحدة

ملاحظات على المسلسلات التلفزيونية بلهجة بدوية


نازك ضمرةيتألف أي فيلم للتلفزيون أو لدور السينما من مادة وممثل وأداء وإخراج وبيئة تشمل الأدوات. وملاحظاتي هنا نابعة من كوني إنسانا أردنيا وعربيا يعتز بماضينا وتراثنا، وأحب أن يتجلى ما نعتز به من التراث، وفي الوقت نفسه المحافظة على اندفاع عجلة التطور المتسارع في جميع مناحي الحياة في بلدنا وفيما يدور حولنا من بلدان.

أتناول في هذه المقالة مرئيات إنسان يدعي أنه مثقف عن أفلام التلفزيون البدوية والمسلسلات، وذلك في مسائل مثل الأداء والوسائل والعادات والمظاهر المتوالدة أو الوافدة، وحتى تظل خيوط الزمان والمكان والإنسان مترابطة متواصلة مع ما توارثنا من الصالح في عاداتنا وتقاليدنا وتصرفاتنا ومناهجنا وأخلاقنا وقيمنا.

إذا أردنا أن نبرز تراثا سلكه من قبلنا والتصق بنا مثل ذاك التراث كعرب في حاضرتنا وباديتنا، وحافظ السابقون منا على توريثه للخلف، لأسباب أخلاقية أو دينية أو اجتماعية محببة مفيدة ومتماشية مع ما تيسر لنا من ضرورات الحياة في البادية مثلاً، فعلينا أن نكون حريصين جداً في مناولة الهدف من المسلسل التلفزيوني أو الفيلم السينمائي، هذا إذا أردنا أن ننجز عملاً يكون متقارباً جداً مع الواقع الذي نتصور زمانه في عقولنا وأقوالنا.

عناصر العمل التلفزيوني أو المسرحي أو السينمائي المقبول، التي ذكرتها في البداية، سأتناولها هنا بعد مشاهدة حلقة من مسلسل بدوي تلفزيوني على الفضائية الأردنية. لا أعرف تاريخ إنجاز المسلسل، ولكن لو قابلنا العناصر الأساسية الخمسة أعلاه لعمل تلفزيوني مقبول لوجدنا أننا أمام نقص واضح في كل بند من تلك البنود، فالمادة نجدها مصاغة بخيال قاصر وبواقعية تبتعد عن عمق التعقيدات في الفكر البدوي الأصيل.

ما هكذا تورد الإبل، ولا تتم التسويات والتصرفات في المجتمع البدوي، ولا يحصل التواصل في البادية بمثل الطريقة المضغوطة المبتسرة المختصرة الفجة كما أرادها كاتب النص.

قد يجهل الكثيرون دقة التوازنات والحسابات في رؤية العربي البدوي الأصيل للحياة والسلوك والدواعي والنتائج. والمثال الحي الذي ما زال عادة حميدة مفيدة ومقبولة في حياتنا اليومية في الأردن هي عادة (الجاهة)، نتمسك بها وهي واحدة من حسنات التراث البدوي.

وعلى الرغم من وجود قوانين ومحاكم ومراكز أمن وحكام إداريين، إلا أن أغلب المشاكل الاجتماعية والأخلاقية في ديارنا يتم حلها بأسلوب محكم هادئ مطوّل مدروس رصين بواسطة الجاهة وكبار القوم وعقلائهم، دون حاجة للمحاكمة والمحامين والسجون والتحقيق والتعذيب وشهود الزور، أو لشهود عدول.

وقد يتصور البعض أن الأمر "مجرد فنجان قهوة" كما يدعي موتور ما، حين يفقد صوابه وتوازنه ويقول لخصمه: "كل راس مالها فنجان قهوة"، ثم يقترف جريمة لا تقف عند حدود محددة أو تنتهي بزمن محدد ولا بسجن القاتل أو تحميله الدية.

إلا أن العربي المرتبك لجريمة ما لا يسعى إلى الصلح إلا بعد أن يحسّ بوزن وأهمية المغدور وبفاعلية أهله وقدرتهم على إشفاء غليلهم، وإلا ستكون النتيجة ردا انتقاميا متكافئا، وغالباً ما يكون مضاعفًا، فيمتد النزاع إلى سنوات، يتطور إلى جلوات وتعقيدات وتدخلات شعبية وحكومية وإدارية وواسطات وخسائر مادية بغية التخفيف من هوة الخلاف، وحصر النزاع في أضيق دائرة، وحتى لا يقف المجتمع كتلاً ضد كتل، وكي لا يستشري الأخذ بالثأر.

إن تنفيذ الصلح وجبر الخواطر لا يتم بقالب جاهز وببساطة متكررة في الواقعات كلها، فلا بد من مراعاة أمور كثيرة عند الحاجة لحل الأزمة الطارئة بطريق الجاهة، كدراسة نوع الخطأ ومستواه، وشخص المجني عليه أو عليها، وعمره ومركزه الاجتماعي ومركز والديه أو من يهمهم أمره كالزوج والأخوة والأقارب، وإمكانياتهم المادية والمعنوية والوظيفية، ومصلحة الوطن والمواطن، وموقع السكن ونوعه ومستواه، وأمور كثيرة وعميقة أبعد ما أحيط بها هنا في مقال قصير، ولكن ما قصدته، أن الهدف من الجاهة هنا هو الصلح واستغلال روح النخوة والكرم والكرامة وكلمة الشرف.

أتيت بمثال واحد من التراث العربي العريق النافع، لأثبت أن المعالجة لا تتم كما يتصور كثيرون، أي أنها مجرد فنجان قهوة، ثم قبول مفروغ منه، ثم صلح، "وعفا الله عما سلف". على العكس من ذلك، اختيار أشخاص الجاهة لا يتم حتى بتلك السهولة، ويحتاج إلى شروط كثيرة، حتى إن أعضاء الجاهة يقومون بتحركات وفحوصات وتحوّط وجسّ نبض وتحسس للمواقف التي قد يجدون أنفسهم أمامها.

لكن مسلسلاتنا التلفزيونية فقيرة في النصوص وفي عرض المشكلة وفي تطورها وتحليلها وحلولها. يقفز كاتب النص بسرعة إلى ما يريده هو نفسه لحالة الأزمة سواء بحل أو بتعقيد، وبشكل متسرع أو فج فيما يشبه بساطة الناس الساذجين. والأهم من ذلك هو بعده عن الواقع الذي كان سائداً زمن الحدث المتخيل، إن كان الموقف في ماض بعيد، ومجاف لما هو دارج ومعروف في حاضر الإنسان البدوي في العقود الأخيرة.

وأول ما يلفت النظر هو إظهار سذاجة البدوي حتى في المواقف الأخلاقية العالية كالصفات التي عرفناها أو ورثناها أو قرأنا عنها في تراثنا وتقاليدنا وتاريخنا، كالمحافظة على الشرف وإكرام الضيف وحماية المستجير والكرامة والنخوة والشهامة والتضحية من أجل الأرض والعرض والدين.

أما اختيار الممثلين فهو لا يخلو أيضا من حشر وارتجال ونقص كفاءة، وسبب ذلك قد يكون الاسترخاص وضغط التكاليف، والثقة بتسويق المنتج التلفزيوني بسهولة وفي يسر، فلماذا زيادة التكاليف والتأني في عمل التمثيل أو دقة الاختيار ما دام المنتج يعرف مسبقاً أن مسلسله سيعرض على شاشة التلفزيون، وسيتقاضى عنه مبلغاً مجزياً؟

أنا واثق أن البدوي الحقيقي سيسخر من تصرفات بعض الممثلين والممثلات حتى لو كان أحدهم يقوم بدور بطولي أو شريف أو أخلاقي أو وطني. العربي الحقيقي وأولهم البدوي يعرف الزيف والكفاءة حتى لو كان غير متعلم ولا مثقف، حين يشاهد دقائق معدودات من المسلسل التلفزيوني، لأن الكفاءة وصدق الأداء ودقته تدرك بالسليقة من قبل كل متمعن متأمل عارف بواقعه الذي يحياه.

ترى مثلا تصرفا طائشا متسرّعا من ممثل يقوم بدور زوج أو شيخ أو وجيه، بينما في الواقع لا يمكن أن يقوم أي بدوي طبيعي بمثل ذلك التصرف الفج.

وليزيد المخرج من إغواء المشاهد، قد يدخل موقفا مثيرا للمشاهد، كجعل رجل بدوي يلتقي امرأة بدوية على طريقة (قدرة قادر) في بيداء أو منقطع من الأرض، فيطري عليها الرجل العابر ماشياً أو ممتطياً صهوة جواده الهزيل، ويسمعها كلمات مدح يستمزج شخصيتها، ثم يستهبل عليها، أو يستهبلها بتساؤلات ساذجة أيضاً ليعرف بعض الأسرار عن أهلها أو حياتها أو عشيرتها أو شيخ العشيرة.

وسرعان ما تتجاوب الفتاة (الممثلة) مع الرجل العابر (البدوي مثلها عابر السبيل) فتظهر من الكرم الزائد والنخوة والتعاون والتقارب، وكأن تلك الأنثى أرض عطشى لم تر ماء منذ عقود، أو أنها امرأة ساذجة أو شبقة أو مستوحدة لم تلتق برجل لسنوات طويلة، ومقابل كلمات مدح بسيطة، تقدم له معلومات سريعة مفصلة ومجانية عن أهلها وعشيرتها وعن الشخص المطلوب رأسه (مثلاً).

وقد تقدم أيضا قطرات الماء القليلة التي معها لعابر السبيل ذاك، ناسية (أو هكذا أراد المخرج لها) ناسية أنها بحاجة لما معها من ماء لأنها حسب ما يبدو في المسلسل في أرض معزولة بعيدة عن خيام أهلها.

ويتكرر في معظم المسلسلات التي شاهدت بعضاً منها ظهور المرأة (البدوية) وحيدة بعيدة عن أهلها وعن أي حياة واقعية أو تقارب الواقع، ونشاهد أرضا فيها بعض الوعورة أو يبابا فيه بعض من نبات نادر، مع غنيمات أو شياه وأتان زرعت في الموقع عنوة.

لماذا تكون المرأة في مكان منعزل كهذا؟ قد يقول قائل إن المخرج أراد لها أن تكون في هذا المكان المنعزل، ولكن حتى لو كانت ترعى دواب أسرتها، فهناك ظروف خاصة لمثل هذه الحاجة، وليست كل بدوية ترعى إبل أهلها أو حلالهم، وهذا تعسف يؤثر سلباً على نفسية المشاهد وذوقه ويستهزئ بعقل المرأة البدوية وبفطرتها الذكية، وحتى بالبداوة على وجه الخصوص، وبمزايا تلك العشيرة أو العائلة البدوية.

وقد يشكل ذلك انطباعاً مخالفا لما ظنه المؤلف أو أراده المخرج والممثل لدى من لا يعرفون البدو والبادية، أو لأولئك الذي أبعدتهم ظروف المعيشة والتطور الحضاري عن التماس بالحياة البدوية، فيظنون أن البدو مخلوقات تعيش منعزلة في البوادي، لا يعنيها من الحياة إلا لقمة العيش أو الرعي أو الانتقام أو الجلوس الكسول في الخيام والثرثرة. والمرأة البدوية إما مظلومة أو مستضعفة أو راعية أو شيخة لها نفوذ أو بلا نفوذ.

تلك مواقف يخلقها المؤلف تعسفاً، كإظهار حياة البادية أنها تسير على وتيرة واحدة وبنمط متكرر دون قواعد عريقة مدروسة بعناية ومجربة، وتصلح لكل المواقف.

ومع أن بعض تلك التصرفات تتطلبها طبيعة المسلسل، إلا أنها تخلو من اللمسة الحية، أو دون مقدمات، ووسيلة للوصول للنتيجة النهائية للفكرة التي في رأس كاتب النص أو المخرج أو المنتج، مما يوحي لنا ثانية بأن حياة البدوي تعتمد على المصادفة أو المواجهة بنمط متكرر أو بالمؤامرات أو بإساءة استغلال روح النخوة والكرم والشهامة.

بعبارة أخرى، تصور الحياة البدوية بأساليب بعيدة عن التعمق، وتقتصد في الزمن والإنفاق وحسن الاختيار للمفردة وللموقف وللممثل وللمكان والديكور. وقد يكون فعل ذلك لكي يتمكن صاحب المشروع ذي الهدف المادي فقط أن يبذل مجهودات علائقية خاصة ليتمكن من تسويق (أو تسليك) عمله، مختصراً كل ما يزيد من تكاليف الإنتاج والإخراج، وأسباب ذلك معروفة وخارجة عن مجال هذه السطور.

ومن المشاهد التي تثير الاستنكار فتتعلق بديكور وأجواء المسلسل، فمثلاً تنتقل الكاميرا إلى (الشّقّ) أو الخيمة المشرعة على أوتاد أربعة. ولو هبت عليها ريح خفيفة لحلقت عاليا وهوت على بعد مئات الأمتار.

والغريب أن الفارس البدوي (الخيال على ظهر الفرس) يجد رجلين أو ثلاثة في استقباله أمام الخيمة، بتصنع وطيش وزيف وتبسيط بدرجة لا تليق بأهلنا الأصليين وأجدادنا وتراثنا العريق.

لا يوجد حضري عربي في كل بلاد الشام والعراق والجزيرة العربية ليس له جذور بدوية، فكلنا من أصل بدوي، وإذا أردنا أن نعيد سيرة أجدادنا وسلفنا في مسلسلات تلفزيونية لنورثها لخلفنا، أو لنحافظ على ما يصلح من تراث البداوة العربية، فلتكن بشكل لائق، وليس لمجرد إخراج عمل تلفزيوني بدوي، فنصف أنفسنا بعده قائلين إننا نحافظ على إحياء تراثنا البدوي في الأردن أكثر من غيرنا من البلاد العربية.

الأردن يسبق أو يسابق معظم الأقاليم العربية في امتلاك مختلف ضروريات الحياة اليومية والتقنية والاقتصادية والمعاصرة، وكل البدو في الأردن، إن كان هناك ما زال في بلادنا بدو حقيقيون، يعرفون ماضيهم وحاضرهم، ويتعايشون مع كل جديد، بل وبعض البدو يسبقون أهل الحضر في متابعة وسائل الحضارة علماً وأدوات، ومنهم وجهاء في البلد ومثقفون وأدباء، ويتبوؤون مراكز رسمية وحكومية وشعبية واقتصادية عالية.

لا يجوز أن نقلل من الشأن البدوي بتمثيليات رديئة تجعل الغير ينظر لنا ولبدونا بأننا شعب من السذج، فنرسخ ما كتبه عنا لورنس أو جون باجوت كلوب أو المستشرقون الذين زاروا بوادي العرب في الماضي، ونضع تصورات أولئك الغرباء عنا على شكل حركات ومفردات وتصرفات ومشاهد عابرة من أقوالهم بين ثنايا مسلسلات ضعيفة، بعيدة عن الواقع الذي يعيشه الإنسان البدوي ماضياً وحاضرا.

وهكذا تكون النتيجة من عمل المسلسلات البدوية عكسية، فتسيء للبدو، وللجذور الذين نشأوا فيها، فهذا الصور النمطية لا تنطبق حتى على أفقر وأبسط بدوي وأكثرهم عزلة وبعداً عن المدينة والحضارة.

أخيرا أتمنى عدم فصل كل من يدعي البداوة عن غالبية المجتمع، فنخلق جوا شبه عنصري يمكن أن يؤدي إلى نوع من المواجهة بين أبناء الشعب في البلد الواحد.

D 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019     A نازك ضمرة     C 1 تعليقات

1 مشاركة منتدى

  • تحياتي شاعرنا القدير نازك ضمرة
    موضوع مهم ..حاولت فيه المزاوجه بين التراث وضروراته البنيوية وبين المعاصرة وتطورها الانطلوجي المذهل ، خاصة وانك من انصار
    التمسك بالتراث مع ضرورة مواكبة روح العصر .
    اما فيما يخص الضوابط والقواعد الخمسة التي يجب لاي عمل درامي ان يتقيد بها ، فهذا مستحيل لاننا نعيش في زمن برغماتي ..مادي ..استهلاكي فيه الشئ صالح بمقدار ما ينفع..لذا فنحن نجلس في احضان فلسفة برغماتية ..مادية لا ترحم ..لا مكان فيها للقيم والمثل ..
    فالفن ليس بعيدا عن ذلك ..فنحن امام فن استهلاكي دوره الوظيفي الانتاج والربح ..اي ان الفن تحول الى سلعة ورقم في بنية نسقية تبحث عن الثراء الفاحش والثراء السريع .


كتابة تعليق عام
التعليقات تنشر بعد الاطلاع عليها.

لكي ينشر تعليقك، يجب أن تكتب اسمك وبلدك وعنوانك الإلكتروني. التعليق الجيد يخلق حوارا حول النص أو يساهم فيه. عند التعليق على نصوص الكاتبات ممنوع كتابة أنتي وكنتي ودمتي وابدعتي وما شابه. الصحيح هو: أنت؛ كنت؛ دمت، أحسنت؛ أبدعت.

من أنت؟
نص التعليق

في العدد نفسه

الكتب والقصص الصوتية: هل هي بديل مناسب للقراءة؟

صورة العالية في رواية قبّة آخر الزّمان

مواهب الأطفال بين الواقع والاستغلال

لقاء وشهادات الصديقات والأصدقاء

في ذكرى رحيل زهرة زيراوي

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  حجا مبرورا غادة المعايطة

2.  عندما تركتً سكني في المدينة/ج2

3.  الأردن: مهرجان لأفلام حقوق الإنسان

4.  رحيل يوسف نور عوض

5.  مصير يوم


القائمة البريدية