نازك ضمرة - الولايات المتحدة

قطف العنب


نازك ضمرةدجاجة تحاول أن تظفر بحبة عنب. تتقدم قليلا قليلا لتنقر حبة عنب في غفلة من الأربعة، أو لعل أحدهم يلقي بحبة تالفة لها، أو يعطف عليها.

قطة نحيفة تموء وهي ترى أعين الحاضرين مركزة نحو قطف العنب، وترى الأيدي صاعدة نازلة بين قطف العنب والأفواه، تقترب بدافع الجوع والحرمان، ظانة أنه دسم أو قطعة دهن زائدة من أحدهم أو قربه.

تكتشف القطة أن مثل ذلك الطعام لا يدخل في مجال طعامها. تتوقف متجمدة محتارة. تنظر للوراء خائفة، وبعفوية تمد قائمتها الأمامية إلى فمها تمسحه.

لولا تنبيهات أمك والتشديد عليك وعلى أختيك وأخيك لضممت قطف العنب في حضنك. ومع هذا تنظر في وجوه الثلاثة لتقطف العنب حبتين حبتين.

قطف العنب يتناقص وتبدو بعض أضلاعه وأعواده عارية.

حضر بائع الخضر والفواكه للمخيم قبل قليل. تساءلت في نفسك: لماذا نحن في مخيم؟ وهل سنعيش طول عمرنا في المخيم؟

اشترت والدتكم العنب لأن خالكم سيحضر ضيفا بعد قليل. شقيق والدتكم كريم لكنه مخيف عنيف. سوف يقص علينا كيف اغتصب العدو أرضه وبيته كعادته، ولماذا تم نفينا جميعنا بعيدا إلى دولة مجاورة.

اللجوء صعب وعذاب على خالنا، مع أنه قويٌّ ومخيف. خالنا رجل شجاع اضطر أن يحمل السلاح. خالنا مطلوب للعدو لأنه دخل أرضه وبيته مرة على حين غفلة من جيشهم وأسوارهم. قتل عسكريا، في الطريق، وزار منزل والده ثم قتل المجند والمجندة لأنهما يقيمان في البيت الذي ولد فيه.

جيش العدو قدم بيت خالنا للعريسين. عاد خالنا بعد دخوله بيته الذي طرد والده منه سالما، لكنه أحضر معه صورة والده ووالدته التي تركها العدو معلقة على الجدار، تباهيا بانتصارهم.

يتذكر الخال أن والده كان يشارك العمال في بناء البيت، ويتقدم باقتراحات وتعديلات حسب منظوره وحاجته مستقبلا. لم يهنأ جدنا في بيته إلا ثلاث سنوات أو أربع. مات جدنا مشردا كمدا وحزنا على بيته وأرضه وحيواناته التي كان يدللها ويعتز بها.

خالنا مطلوب ومطارد. وأعلن العدو عشرات الآلاف من الدولارات مكافأة لمن يأتي به أو يدل عليه أو يقتله. خالنا لا يستقر على حال أو في مكان ثابت، حتى في غربته لاجئا يتربص به الغير.

القطة تتمدد على حذاء والدتنا. عندما يئست من الطعام المدهن، لحست حذاء والدتنا مرات عدة على أثر نكهة عرق قدمي والدتنا، ثم أقعت وأدخلت قائمتيها الأماميتين في الحذاء حبا بصاحبتها ورغبة في الشعور بالأمان.

خالنا مطارد مكروه أينما حل. جيش العدو يطالب به، والآخرون يخشون عنفه وجرأته. خالنا يعلمنا أن العدو الصهيوني هو الإرهابي. إنه هو الذي اضطره لحمل السلاح، ويقول: "لو ظفر بي عدونا سيقتلني، ولهذا أقتل كل من يحاول الاعتداء على حريتي. أريد حريتي. أريد أن أعيش في أمان وكرامة. أريد أن أعود إلى بيتي وأملاكي، دون أن يعترضني أحد. وأعد الناس كلهم أنني لن أغادي أحدا، ولن أعتدي على أحد، لو تمتعت بحريتي في بيتي وأرضي وأملاكي".

والدتنا وخالنا توافق كلامهما حين يقولان "الغريب لازم يكون أديب". الغرباء واللاجئون والمهاجرون لا يطردون أهل البلاد الأصليين في العادة، بل يحاولون مسايرة النظام والمواطنين ليعيشوا بينهم ويندمجوا في مجتمعاتهم.

ها نحن هاجرنا ولم نطرد مواطنا من البلد الذين نعيش فيه، ولم نؤذ أخدا، بل نحاول كل جهدنا أن نكون محبين وفاعلين نافعين للمكان والسكان.

تقول والدتي: "الهجرة عذاب. الهجرة الم. الظلم والإرهاب يسببان التشريد والخراب".

ضحكت حين شاهدت القطة تعض على طرف حذاء والدتي، وانشغلت قليلا عن قطف العنب. رجعت لأقطف حبة عنب، لكن أصابع قطف العنب المشرعة تعلن انتهاء الحلوى اللذيذة.

بحثت عن حبة تالفة أو مهملة لألقيها للدجاجة لكن حبات العنب كلها انتهت في بطوننا الأربعة. لا شبعا. بل نهض كل منا لا يدري أين سيذهب. أعيننا تلتفت يمينا ويسارا، على أمل أن تسقط والدتنا لنا المزيد،

خالنا يسلم على شقيقته، ويرفض الجلوس، لأنه على سفر، ولا ندري ماذا سيحصل بعد،

جرؤت أختي على سؤال خالي: "هل حقا أنت إرهابي يا خال؟"

ضحك، لكنه لم يكمل ضحكته، بل زفر نفسا طويلا. أراد أن يجيبها، لكنه اختصر قوله قائلا: "والدتك ستحكي لك ماذا فعل الإرهاب والترهيب بنا".

JPEG - 11.7 كيلوبايت
قطف العنب
D 25 آب (أغسطس) 2018     A نازك ضمرة     C 1 تعليقات

1 مشاركة منتدى

  • أخي الدكتور عدلي الهواري: كم سعدت حين وجدت قصتي ((قطف العنب)) منشورة في العدد العاشر لمجلة عود الند الأدبية الراقية، وكم سرتني المواضيع التي يضمها هذا العدد من مجلة (عود الند). وتبقى (عود الند) كالعادة مجلة ثرية بمواضيعها التي تهم القارئ العربي، وما يدور في مخيلته وعقله حول ما يلزم مجتمعنا العربي. وبهذه المناسبة أرى أن الصحو العربي يقترب قليلا قليلا، وسيأتي اليوم الذي تلتقي فيه أمتنا العربية على الرغبات المشتركة والانضمام مع بعضهم في دولة واحدة أو ائتلافات متقاربة متفاهمة على أساسيات الحياة والحب والحرب والحدود ومواجهة التحديات على الأقل على نمط الاتحاد الأوربي. أعتذر عن التوسع في الكلام والله يرعاك ويديم نعمته عليك وعلى مجلتنا الحبيبة عود الند.
    نازك ضمرة


في العدد نفسه

كلمة العدد الفصلي 10: الأمانة الفكرية

الوثيقة الموسيقية: قراءة أوّليّة في الـمُدوَّنَة الموسيقية التونسية

في وجه التيئيس

الپسـتوني

أيام القصر الأخيرة

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  انكسار الذاكرة: عرض موجز

2.  عن مبدعة الغلاف

3.  مسقط الرأس

4.  صندوق بريد وهاتف جوال

5.  المليونير والمنحوس


القائمة البريدية