فنار عبد الغني - لبنان

ثلاث ابتسامات


فنار عبد الغنيالابتسامة الأولى

الحسناء ذات السبعة عشر ربيعا، الجالسة بقربي في سيارة الأجرة، لم تتوقف شفتاها عن التبسم لي، منذ أن ألقت بجسدها الهزيل والمتعب فوق المقعد الخلفي للسيارة، بينما جلس الشاب الذي كان برفقتها في المقعد الأمامي بقرب السائق.

كانت ابتسامتها الساحرة، التي لم أنسها، قد خففت من شحوب وجهها الهزيل. هي جميلة رغم شحوبها وهزالها وصمتها وملابسها القديمة الطراز.

كانت ابتسامتها تطغى وتتحدى الفقر الذي يبدو عليها. ليتكم ترون تلك الابتسامة التي تثب من عينيها الزرقاوين.

ابتسامة

شعرت أنها ترغب في قول شيء ما لي، لكنها لم تستطع، ربما كانت خائفة من الشاب الذي يرافقها. لم يكن بيدها خاتم زواج أو خطوبة. كان يبدو على ذلك الشاب أنه يهتم لأمرها. كانت تصرخ عليه قبل أن يستقلا السيارة بصوت مرتفع ومبهم ودون أن يحرك شفتيه.

كم رغبت أن تخرج بضع كلمات من شفتيها الرقيقتين. هل صوتها عذب كوجهها؟

قال الشاب بلهجة شامية: "أول شارع الزهور".

توقفت السيارة أمام مبنى رعاية وتأهيل الصم والبكم. ترجلا من السيارة بعد أن ودعتني الحسناء بابتسامة مؤثرة، لا زلت أذكرها جيدا.

::

الابتسامة الثانية

منذ سنوات وأنا ابتاع أغراضي من مخزن الوسيم، وهو مركز تجاري هادئ الحركة. من النادر أن تصادف فيه خمسة زبائن، ومع ذلك تجد فيه دائما ما تحتاجه من بضائع.

عند دخولك المخزن وعند خروجك، تستقبلك وتودعك ابتسامة من أجمل الابتسامات التي يمكن أن تقع عليها عيناك. إنها ابتسامة الموظفة التي تعمل محاسبة على صندوق الدفع. ترافقك ابتسامتها عند دخولك للمخزن. وعندما تسألها عن مكان بضاعة ما أو عن مذاق عصير جديد، دائماً ابتسامتها تسبق إجابتها.

يحيط بتلك الابتسامة وجه أبيض وناعم، يبدو أن صاحبته توليه الكثير من العناية اليومية، وتتدلى من شعرها خصلات مصبوغة باللون الأشقر. ذات يوم سألتها عن نوع صبغة شعر لم أجدها على رفوف البضائع. أجابت مبتسمة: "سنوفر طلبك في أقرب فرصة".

ابتسامة

وبعد بضعة أيام عدت لأسألها، وقبل أن أكمل سؤالي، قالت:

"عندما خرجت في المرة الماضية، بحثت لك عن النوع الذي ترغبين فيه، وقد وجدت لك علبة وخبأتها".

وحركت كرسيها ذا العجلات المعدنية الفضية، الذي كان مختفيا كليا تحت طاولة المحاسبة، ومتواريا عن أنظار الزبائن. وبابتسامة جذابة، قادته بخفة وناولتني العلبة مع كل محبتها والإشراقات التي تملأ وجهها.

::

الابتسامة الثالثة

كنت أراهما دائما تمشيان سويا، تمسك الواحدة يد الأخرى، تذهبان معاً إلى السوق، تقضيان كل حاجتيهما معا. هما أم وابنتها الوحيدة التي تعاني من تخلف ذهني. لا أستطيع أن أحدد عمرها الفعلي. كنت أتفادى النظر إليها لكي لا تشعر الأم بالغضب أو الإحراج.

كنت أعرف الأم: هي خياطة ماهرة ومعروفة في الحي، كانت تخيط ثيابا أنيقة جدا. ذات مرة خاطت ثيابا لفنانة صاعدة. كانت تعمل على ماكنة الخياطة ليلا نهارا وهي تستمع لأغاني وردة الجزائرية.

تزوجت من عامل بسيط يصغرها بعدة سنوات. وعندما أنجبت ابنتها الأولى والوحيدة، التي ظهرت عليها بوادر التخلف الذهني، تركها ورحل بلا عودة ودون أن يسأل عنهما.

منذ أيام شاهدت الأم تخرج من عيادة طبيب الأسنان. كانت تضع يدها على وجهها المنتفخ، متألمة، تغمض عينا وتفتح الأخرى. بالكاد كانت تستطيع نقل قدميها. كانت تجرهما جرا ببطء وثقل.

كانت بجانبها ابنتها الوحيدة تحتضنها بشدة وبكلتا يديها، وتبتسم لها ابتسامة واسعة يغمرها الحنان. ابتسامة تجعلك تبكي بصدق عندما تراها.

ابتسامة

D 29 شباط (فبراير) 2020     A فنار عبد الغني     C 8 تعليقات

8 مشاركة منتدى

في العدد نفسه

كلمة العدد الفصلي 16: المبادرات الثقافية: ما لها وما عليها

بنية السرد في رواية "عفان بن نومان"

الْعَنَاصِرُ الدِّرَامِيةُ وتَشَكُلاتِها الفَنِّيَة

شخصيّة معلّم الحكمة في روايتي "مرداد" و"اليوم الأخير" لميخائيل نعيمة

عناصرِ التّجريب وعلامات النضوج

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  قتلتْ أحلامَها يا حرامْ

2.  أفعال المقاربة والرجاء والشروع

3.  تهنئة بالعام الجديد 2015

4.  شاطئ المغيب: شعر وخواطر

5.  المكتبة المدرسية ضرورة


القائمة البريدية