أنت في : الغلاف » العدد الفصلي 16: ربيع 2020 » ثلاث رسائل

د. جليلة الخليع - المغرب

ثلاث رسائل


جليلة الخليعرسالة بدون رد

كتبت لك مرات عدة، وعادت رسائلي أدراجها، كنت كمن تصب الماء في الرمل، لا هو ارتوى ولا هو أنبت.

أقف الآن عاجزة أمام قلمي وبوحي، أغلق عليّ الأقواس لأعتكف في محراب صمتي، وأعيد الأسئلة إلى أوكارها، فأسراب الإجابات لم تبدأ رحلتها بعد، وسمائي بحرب طروادة تعج بالسحب والتي تسرعها الرياح للقارة التي استوطنها اكتئابي.

وإني في متاهات الأمكنة والأزمنة، لا غاية يرنو إليها قصدي، ولا هدف ستقتنصه رماحي، فأنا وحالتي هذه شبيهة بما قاله الشبلي في هذا البيت:

وَمِنْ أَيْنَ لِي أَيْنٌ وَإنِّي كَمَا تَرَى = = أَعِيشُ بِلَا قَلْبٍ وَأَسْعَى بِلَا قَصْدِ

وأنا هنا ماضية في أملي رغم خدعة الأمل، أكتب عل اللغة تفتح أشرعتها، علني أجد "الأين" المنفلتة مني، وعل الزمن يرتوي بردودك.

= = =

رسالة بلغة الشرود

كنت أبحث عنك في وجوه قصائدي، لألتقيك هناك منزويا في بقعة ضوء خافت، في فعل مبهم يستدعي الفضول، ويستجمع كل المعاني المرادفة علها تكون سبيلي إليك.

أية مسافة زمنية أجوبها وخطاي هناك في تربة ذاكرتي الندية؟

أية جملة يكون الفعل وحيدا والفاعل منسوبا لعدة، فيكون الإعراب مبنيا على الحيرة.

عصية الفهم، ضعيفة النظر، وحده وهمي من يفتح باب البحث على مصراعيه، من يكرر الأسئلة التي تجول بأقاصي ذاتي وتعود إليّ فارغة منك.

وحده جنوني من يجعلني أقتفي آثارك هناك، لأدغدغ نبضي الغافي، لأشعل الفرح القابع في مقام الصمت الهادئ.

وحده حزني من يجعلني أعلن الثورة على الرتابة، لأقتص من الفرح وألبسه ذاتي.

وحدها لغتي من تأخذ بيدي وتدحرجني ككرة فألتف حولي، حول عمري كسيجارة ضعيفة تنهي الزمن بصفقة تدخين.

وحدي أنا، من أتكلم بكل الضمائر، لأخاطبك بصمت، وتجيبني بضميري، فتنتشي قناعتي، وتتكتل غدتي الوهمية.

= = =

رسالة على أثير الغموض

قَدْ كَانَ لِي مَشْرَبٌ يَصْفُو بِرُؤْيَتِكُمْ = = فَكَدَّرَتْهُ يَدُ الأَيَّامِ حِينَ صَفَا (الجنيد)

أكلما قلت وصلت تعيدني إلى نقطة البداية لأعيد حساباتي من جديد، لأقرأ النص من ألفه إلى يائه، وأشكله شكلا تاما، وأجيب على كل أسئلة الفهم، وأبحث عن معاني الكلمات الغامضة، وعن أضداد ما سطر عليه، وأعرب الجمل وأضع الفاعل في الخانة المناسبة والظروف أضعها جانبا حتى أعيها وأجعلها موافقة لأحوالي...

ما زالت سمائي مكسوة بالغمام، لكنها لم تمطر ولن تمطر، ما دامت الشيفرة في قبضة غموضك، فالإجابات تظل متكورة برحم السحاب وسيتم إجهاضها.

كيف أدركك الغموض فجأة وكنت متجليا لي بكليتك، كنت في لب المركز، أصبحت خارج دائرة تصوراتي، تنفلت من استدارة البركار، تنأى شيئا فشيئا عن فهمي، تدنو لوجهة غير وجهتي، ليستحيل الثبات الذي ركزت فيه نقطي ويزحف دبيب التغيير، ويركض الباطن ليسبق ظل الظاهر، لتصير كل طرقي إليك مسدودة.

D 29 شباط (فبراير) 2020     A جليلة الخليع     C 0 تعليقات
كتابة تعليق عام
التعليقات تنشر بعد الاطلاع عليها.

لكي ينشر تعليقك، يجب أن تكتب اسمك وبلدك وعنوانك الإلكتروني. التعليق الجيد يخلق حوارا حول النص أو يساهم فيه. عند التعليق على نصوص الكاتبات ممنوع كتابة أنتي وكنتي ودمتي وابدعتي وما شابه. الصحيح هو: أنت؛ كنت؛ دمت، أحسنت؛ أبدعت.

من أنت؟
نص التعليق

في العدد نفسه

كلمة العدد الفصلي 16: المبادرات الثقافية: ما لها وما عليها

بنية السرد في رواية "عفان بن نومان"

الْعَنَاصِرُ الدِّرَامِيةُ وتَشَكُلاتِها الفَنِّيَة

شخصيّة معلّم الحكمة في روايتي "مرداد" و"اليوم الأخير" لميخائيل نعيمة

عناصرِ التّجريب وعلامات النضوج

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  ضانا: قبس من الروح

2.  دموع الأبجدية ورائحة السافنا

3.  اللغة والأدب + البلاغة

4.  كلمة العدد 102: المكتبات الرقمية ضرورة

5.  الـفـتـنــة أشـــد...


القائمة البريدية