مهند فوده - مصر

كلهم متحرشون


مهند فودهوقفت على الرصيف وعشرات من البؤساء غيرها في انتظار قدوم الحافلة رقم 68. ولكن الحافلة لم تلتزم بالميعاد كعادتها. وأمطار ديسمبر لا ترحم أحدا. ومظلة محطة الحافلات لا تتسع إلا لعدد محدود من الركاب والمارة الذين قرروا الاحتماء من المطر تحتها.

لم يستغرق الأمر سوى لحظات حتى تحولت جوانب الطريق لمجموعة من برك المياه الممزوجة بالوحل. تتفادى كل السيارات المرور في الحارة المجاورة للرصيف عدا تلك السيارة الفارهة الرمادية التي يقودها شاب صغير السن استغل خلوها من السيارات وقرر السير فيها بسرعته هربا من الزحام غير عابئ ببرك المياه والوحل، لتقذف إطارات سيارته بالوحل على الركاب الواقفين في المحطة و هؤلاء المحتمين من المطر الجالسين تحت مظلتها.

تعالت صيحات كل من أصابهم بعضا من وحله تسّبه وتلعنه. ولكن صوت الموسيقى الصاخبة التي تصدح من سيارته كان أعلى من صيحاتهم.

"ألا يكفيه أنه يقود سيارة يُمكن بثمنها شراء أربع حافلات للنقل العام تكفي لحمل مائتي راكب في طقس كهذا، ليتحرش بسيارته بالمترجلين والركاب الغلابة؟" بغضبٍ قالتها بصوت عالٍ وهي تمسح آثار وحلِّه من على ملابسها.

***
وصلت الحافلة التعيسة أخيرا لركابها المتذمرين. الكل يتزاحم للصعود والفوز بمقعد شاغر قبل غيره. ولحسن حظها. تصادف وقوف باب الحافلة أمامها مباشرة لتصعد مبكرا. وعلى مقعد مهلهل يجاور إحدى النوافذ قررت الجلوس.

في لحظات قليلة، كانت مقاعد الحافلة قد امتلأت عن آخرها. وامتلأت ممراتها بأكوام متلاصقة من أجساد البشر، لتتلاشى في تكدسهم المسافات. لا تفرق بين جسد امرأة أو رجل أو فتاة، لتفقد الأجساد في الزحام حُرماتها، ولتختلط نوايا منتهكيها، فلا تعلم إن كانت عن قصد أو بدون، فالجميع من الزحام يشتكون، وبه في ذات الوقت يتذرعون.

عِبر نافذة لم تمنحها سوى صورة تشوبها آثار أمطار قد تعود للشتاء قبل الماضي، حاولت التغلغل للعالم خارج الحافلة، تتأمله كما تهوى كلما استقلت حافلة وتصادف جلوسها بجوار نافذة. حتى وإن لم تختلف صورة ذلك العالم كثيرا عن العالم بداخل حافلتها.

إلا أن شيئا ما قطع تأملها، فقد تنبهت أن الجالس بجوارها يلتصق بها وهو يحاول تنظيف ملابسه من آثار وحل السيارة الرمادية التي تحرشت بهما منذ دقائق مضت. في ردة فعل سريعة، التصقت بالنافذة أكثر لتوجد بضع سنتيمترات فاصلة بينهما مفترضة حسن نيته وعدم قصده، خاصة عندما تبينته رجلا عجوزا في عمر والدها.

عادت وتابعت تأملها، ولكنه في ثوانٍ عاد والتّهم تلك المسافة التي خلقتها. لم تُحرك ساكنا هذه المرة ولم تلتفت إليه. استمرت مُعلقة نظرها بالنافذة التي تجاورها تفكر ما يجب عليها فعله. ولكنه لم يمنحها مزيدا من الوقت ليزيد بعد ثوان التصاقه بها أكثر ضاغطا برجله اليسرى على رجلها.

أطلق ذهنها شارة الخطر يُحذرها من الخطوة التالية التي سيقدم عليها ذاك الجالس بجوارها. وما أن كادت أصابعه تمس ملابسها، حتى استدارت نحوه وصفعته على وجهه بأقصى ما تمتلكه كفها من قوة. ترددت أصداء الصفعة في أركان الحافلة التي يغطي ضجيج ثرثرة ركابها على صوت مُحركها المتهالك، وخلف صوت صفعتها حالة من السكون التام، واتجهت عشرات العيون نحوها تتابعها وهي تهم واقفة غاضبة. وقد فسرت العيون على الفور ما قد جرى.

بأعلى صوتها نادت على السائق تأمره بالوقوف. من مرآته أدرك السائق بحدسه ما حدث وقد اعتاد على حوادث مماثلة تتكرر كل يوم. أوقف حافلته على الفور استجابة لنداء ضحية اليوم. في لحظات، أفسحت لها عشرات الأجساد المتلاصقة ممرا آمنا للعبور من بينها دون أن يمسها طرف أحد.

سبقتها على سلالم النزول سيدة عجوز. ورغم حالة الغضب التي انتابتها وقتها، مدّت يدها للعجوز محاولة أن تأخذ بيدها. وما أن رحلت الحافلة وقبل أن تترك العجوز يدها، شكرتها ثم عقبت تسألها باستنكار: "لما لم تصرِ على اقتياده لقسم الشرطة؟"

ردت عليها بعد صمت قصير وهي تتابع مسيرها: "ليس وحده المتحرش. كلهم متحرشون".

***

في عملها، ودّت لو اقتلعت عيني مديرها من محجريهما. كلما دلفت إلى مكتبه تحرشت عيناه الجائعتان بجسدها الذي تغطيه في الشتاء طبقات وطبقات من الملابس فتنهشها جميعا وصولا لجسدها، حتى تحاشت تماما الانفراد به وعبور باب مكتبه. كلما احتاجت بعض المستندات لتوقيعه، بعثت بها مع زميلها سامي. وحدها الأوراق كانت بحاجة لتوقيعه وليس جسدها.

في البداية كانت تتذرع بحجج مختلفة لسامي لتبرر سبب رفضها الدائم الدخول للمدير. لم يعُد سامي بحاجة لأن يسأل عندما حملّته زميلته آمال مستنداتها هي الأخرى ليقوم بتوقيعها بدلا منها من عند ذات المدير.

***

يوم زواجها، ما زالت تتذكر جيدا اللقاء الأول الذي جمع بينها وبين زوجها. من وجهة نظرها، هي جريمة اغتصاب مكتملة الأركان ولا يشفع لمرتكبها تلك الورقة التي خطّها ذاك المأذون منذ ساعات سبقتها لتُضفي شرعية على ما اقترفه بحقها.

حتى الآن، كلما اقترب منها، ارتعشت أوصالها تُذكرها بحادث اغتصابها الأول. ورغم تكراره ليلة بعد أخرى. لم تستطع أن تقتنع هي أو تُقنع جسدها بأن ما تعدّه هي جريمة، تعد في عُرف المجتمع "ممارسة حب" مع زوجها الشرعي، وإن لم تخترّه أو تستطع رغم مرور سنوات على زواجهما أن تغفر له أو أن تحبه.

***

كان والداها في طفولتها يفرقان في المعاملة بينها وبين أخيها الأصغر، فشبّ مدللا متسلطا، يضطهدها ظنا أن الأخت الأنثى لم تخلق سوى لخدمة أخيها الذكر، مؤمنا أنها ليست لها حقوق مثله بما فيها حق الميراث.

كان والداها يتذرعان بأن سبب اختلاف مساحات الحرية المعطاة لكل منهما هو أنها أنثى، ولحمايتها من الذئاب التي تنتظرها خارج باب البيت.

إلا أن قيودهم تلك لم تمنع ذئبا بصورة أستاذ للغة العربية تطوع بالمجان لمساعدة طفلة جاره العزيز في استذكار دروس اللغة العربية. تتذكر جيدا كيف كان يبدو طيبا ومحترما عندما تطرق والدتها الباب جالبة له كوبا من الشاي في منتصف الحصة. ولكن ما أن يغلق الباب يرتعد جسمها وتُغمض عينيها خوفا، فهي تعلم أن وقت تحول الأستاذ إلى ذئب قد حان.

ما زالت تتذكر جيدا كيف كانت تتحرش بها أصابع الأستاذ وهو يلقنها بصوت عال حروف الهجاء. ما زالت نظرات عينيه المخيفة تُسري قشعريرة بجسدها كلما تذكرتها.

ورغم مضي سنوات طويلة. ما زال لحرف "القاف" وقع مؤلم على جسدها. وما زالت تؤلمها "الهاء" عندما تتذكرها وهي تنتهك جسد طفلة كانت تظن أن الدنيا لها مذاق حلوى كبيرة تُشكلها قوالب سكر ومجموعة ألوان.

بفطرتها وحداثة سنها، كانت تشعر بأن ما يفعله أستاذها شيء خاطئ. كلما فكرت في البوح لوالدتها بما يفعله، تذكرت تهديده لها بشكواه من ضعف مستواها فتتراجع، فقد كان غضب والديها وبطشهم أقوى تأثيرا عليها من أصابع الأستاذ.

***

لاحت دمعة في عينها حينما أفاقت من شرودها وهي تعبّر الباب الخارجي لمنزلها. صعدت الدرج وحمدت الله مرارا على أنها لم تُنجب من زوجها، ليس فقط لأنها لا تحبهـ ولكن لأنها لا تود أن تجلب للمجتمع متحرشا جديدا أو مُتحرش به في مجتمع لا يمنح أفراده خيارا ثالثا.

D 25 تموز (يوليو) 2014     A مهند فوده     C 9 تعليقات

5 مشاركة منتدى

  • ياسيدي
    كم هو مؤلم حين يضع الطبيب يده على الجرح الذي يئن قروحا،غيران المريض يكافح آلامه ويضغط على نفسه، أملاَ في تشخيص العلة ليتم وصف العلاج له ليشفى.
    هكذا انت دوما تضع يدك على مواطن الالم، فيُستغاث بفرح علّ المعاناة تنتهي مع المرض.
    فهذه حال غالبية النساءانتهاكات وتداعيات محزنة منذ نعومة اظفارهن، لذا ترى منهن المسترجلات او العازفات عن الأرتباط أو أو وهناك من تكون اقوى ممن يحاول افتراسها.
    وددت لو كانت النهاية بتصرف تقوم به ينقذها مما هي فيه بدل الفرح بانها لم تنجب.
    دام قلمك وبالتوفيق
    هدى الكناني


    • يسعدني تعليقك دوما علی مااكتبه .. بل وانتظره .. كنت اود مثلك ان تكون النهاية مختلفة او ان تقاوم البطلة التحرش دون سلبية .. ولكن عدلت عن ذلك لتكون بطلة القصة مثلها كعشرات غيرها يتم التحرش بهن يوميا بصمت من الجميع وسلبية منهن .. واللاتي يرفضن ويقاومن ويتمسكن بحقهن قليلات جدا .. تسلط عليهن اضواء الصحافة والاعلام وكانها هي حالات التحرش الوحيدة في البلاد .. انها مشكلة حقيقية بحاجة لحل من متخصصين وعلماء النفس والاجتماع .. شكرا جدا لمرورك الكريم

  • موجعة إلى حد البكاء .. فى البداية أبكانى موقف الحافلة واعتفدت أنك قد تذكر رد فعل المحيطين بها ولكنك سردت العديد من المواقف التى تمر بها نساء وبنات العالم العربى وتجعلها تتمنى لو كانت لم تخلق بعد فهى فى جميع الأحول المُلامة رغم انها فد لاتفعل شيئاً فهى طفلة لا تعرف عن التحرش وهى امرأة لو تجملت لنفسها فهى تلفت الأنظار ولن تسلم من نظرات الطمع من المحيطين. لو نظرت حولك ستجد اختلاف فى التربية فالولد ممكن يخطئ أما البنت فلابد أن تعد منذ صغرها لتحمل مسئولية منزل بأن تخدم والدها وأخوها وما ت الكثير من أمهات المستقبل يودون إنجاب الذكور لكيلا تمر بناتهن بنفس المعاناة.


  • جميل جدا قصة تصور الواقع العربي المر ، دون رتوش


  • حلوة جدا القصة واقعية للأسف احنا عايشين في مجتمع ذكوري متعصب وياريت يبقى له حل تسلم أيدك


  • قصة جميلة؛ تحدثت عن واقع أليم في المجتمع... وان لم تكن هذه الظاهرة حكرا علي المجتمع المصري فحسب.... اسلوب جميل ومعبر... بالتوفيق ان شاء الله وفي اتتظار المزيد من الأعمال المتميزة.


في العدد نفسه

كلمة العدد 98: كيف تقاوم مشروعا استعماريا استيطانيا؟ غزة نموذجا

مفهوم الأدب والأديب عند الرافعي

المصطلح النحوي والبلاغي في الموروث العربي

أرض وسماء: قراءة

محمد خميس يكتب على صفحة روحه