ملف ثقافة الصورة: مختارات: د. عمر عتيق

المفتاح في كاريكاتير أمية جحا

النص أدناه مقتطف من كتاب "ثقافة الصورة" لعمر عتيق، يحلل فيه استخدامات المفتاح في كاركاتيرات الفنانة الفلسطينية أمية جحا (ص ص 97-93).

عمر عتيقما زال كثير من اللاجئين الفلسطينيين يحتفظون بمفاتيح بيوتهم التي أكرهـوا علـى الخروج منها في نكبة 1948 ونكسة 1967، ونشاهد فـي كثيـر مـن الأحيان فلسطينيين يقبضـون علـى مفاتيح بيوتهم عبر شاشات القنوات الفضائية في بعض المناسبات وذلك في مخيمـات الشـتات الفلسـطيني تعبيرا عن رفضهم لسياسة التوطين، وتصميما على حق العودة.

ولم يعد اللاجئون إلى الوطن على الرغم من مرور أربعة وخمسين عاما على النكبة، لذا أصبح المفتاح الرمز إرثا، تتوارثه الأجيال تمسكا بحق العودة، فالأب الفلسطيني - كما يظهر في الصورة – لا يجد شيئا يورثه سوى المفتاح، ونلاحظ اللمسة الفنية الإيحائية في حلقة المفتاح التي اتخذت شكل قلب تعبيرا عن ارتباط الفلسطيني بحقه فـي العـودة إلـى الوطن.

وإذا كان الإرث قد تحقـق في سياق المـوت علـى فـراش المرض في اللوحة السابقة، فإن المفتاح الرمـز إرث كـذلك فـي ســياق المقاوم ـة والمعرك ـة، فالمفتاح الذي يسقط من يـد الأب الشهيد يتلقفـه الابـن المقـاوم استكمالا لمسيرة العودة.

رسامة الكاريكاتير أمية جحاوتجسيدا لاعتزاز الفلسطيني بالمفتاح الرمز فقد ظهر قلادة تتدلى على الصدر في أكثر مـن لوحـة، وتعليق المفتاح فـي الرقبـة كـان مظهرا اجتماعيا سائدا في كثير مـن الأمـاكن الفلس ـطينية، وبخاصـة مفاتيح الخزائن التي تحوي مدخرات أصحابها، فالمفتاح حول العنق دلالة على الحرص عليه وأن العودة إلى الوطن أغلى مـا يملك اللاجئون. ويبدو التصميم على العودة جليا في اللوحة وذلك من خلال نبـات الصـبار الذي نبت من رأس اللاجئ من طول الانتظار. ويظهر المفتاح الرمز صورة جدارية في منزل عائلة فلسـطينية في أحد المخيمات في مشهد فـي مشـهد مأسـاوي يفـيض فقـرا وبؤسا.

وإذا كان المفتاح رمزا للوطن المنتظر، فإن بعض اللوحات تجسد المفتاح وطنا، إذ تعمد الفنانة إلى تفريغ فوهة المفتاح لتحوله إلى ملجأ تأوي إليه عائلـة فلسـطينية وذلـك تعبيرا عن ديمومة الرحيل واستمرارية التشتت من مكان إلى مكان. فـالرمز " وسـيلة ادراك مــا لا يســتطاع التعبير عنه بغيـره فهـو افضــل طريقـة ممكنـة للتعبير عن شيء لا يوجد له أي معادل لفظي، هـو بديل من شيء يصعب او يستحيل تناوله في ذاته(14).

وتعمد الفنانة إلى تشكيل جسـم المفتـاح من أجساد اللاجئين إذ تتحول قضية اللاجئين في هذا التشكيل من مشكلة إنسانية وفق بعض الرؤى السياسية إلى قضـية وجـود تضرب جذورها في أعماق الوطن.

كاريكاتير أمية جحا

ويتحول المفتاح من مستوى الرمز الإيحائي إلى الرمز المقاوم إذ يظهرا لمفتاح جبارا يتغلب على دبابة الاحتلال. وما هذه القدرة الخارقة للمفتـاح إلا تجسـيدا للإرادة والعزيمة التي يتسـلح بهـا الفلسطيني ومن الرمز المقاوم يتحول إلى رمز نفسي يتكئ عليه اللاجئ، ويتخذه مصدر قوة وثبات للتغلب على تتابع الويلات، فها هو العجوز الفلسطيني يتخذ من المفتاح عكازا يتكئ عليه حاملا الوطن على ظهره الذي حنته الأحداث التاريخية الجسام من وعد بلفور إلى النكبة إلى النكسة.

= = = = =

(14) ناصف، مصطفى. الصورة الأدبية. دار الأندلس، بيروت، ب. ت، ص 153.

غلاف كتاب ثقافة الصورة لعمر عتيق


موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3426665

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC