د. محمد عبد الرضا شياع - الولايات المتحدة

فلسفة الإدراك المفارق في شعر خضيّر ميري

محمد شياعيصدم الشّاعر خضيّر ميري القارئ من العتبة الأولى لنصّه، إذ يؤطّر هذه القصيدة بعنوان غرائبي ينبني أساساً على تصوّرات، وعند قراءة تركيب العنوان تتّضح دلالة هذه التّصوّرات على أنّها تتشكّل في نسق غرائبي ينحاز إلى ارتهانات سايكولوجيّة تنذر في تناسل صور لا تكفّ عن توليد الدّهشة والتقاط الأنفاس، فهي في الآن ذاته تدفع إلى تأمّلات عميقة قد تساعد القارئ على مصاحبة هذه الصّور بعين الوعي أو اللاوعي سيّان، ما دامت هذه الغرائبيّة المدوفة بحرارة السّايكولوجيّة هي التي تُنشئ الصّور وتمنحها حمولاتها الفائضة: (تصورّات وجه بلا رأس) هي صورة سرياليّة بامتياز، وقولنا بالسّرياليّة لا يشذّ عن نسق الغرائبيّة ما دامت الصّورة ذات منابت سايكولوجيّة فهنا تأسّست أطروحات السّرياليّة التي ترتاد محطّات اللاوعي فتتّخذ من كهوف التّفكّر ملاذاً لقلقها السّعيد.

إنّ تأمّل (تصوّرات وجه بلا رأس) يضعنا في سياق الأسئلة الكافكويّة المخيفة والموغلة في الغرابة والعتمة حتّى ولو كانت قابضة على قرص الشّمس تقلّب حرارتها بكفّيها من دون أن تلامس آثار الاكتواء في راحتيها، على الرّغم من أنّ وشماً ينغلّ عميقاً في خدّي الرّوح، وذلك لأنّها ببداهة تصوّرات ينجزها اللاوعي في ظلّ قلق الوجود الذي ينشب مخالبه في عين الزّمن وتجسّداته المتقيّئة وجهاً بلا رأس.

خضيرميريهي إذن المرارة الذّائبة ريقاً في فم السّؤال الباحث عن جدوى الوجود لعلّه يغدو رضاباً لذيذاً يصنع معنى الحياة. لكنّ خضيّر ميري قد خلق عنواناً يشي بارتكازات الذّات الكاتبة على دواخلها الفائرة ببارانويا الاضطهاد. هذا ما تشي به (تأمّلات وجه بلا رأس) والتي لا تقدّم صورة واحدة بل حشوداً من الصّور ذات الطّبائع السّايكولوجيّة التي تُعدّ امتداداً لمشهد الغرائبيّة.

رحيم غالبيلم يكفّ خضيّر ميري عن رفد النّصّ بمتوازيات تتعالق ببعضها تعالقاً بنائيّاً لا يخلو من وخز المفارقة، إذ يعضّد العنوان بالإهداء (إلى رحيم الغالبي) وللآن الإهداء يُسجّل حضوراً طبيعيّاً على الرّغم من حصر الاسم بين هلالين، ولا ندري ماذا يمثّل هذان الهلالان؛ أهما علامتان دالّتان على القيد ومصادرة الحريّة أم أنّهما يمثّلان احتضان الأضلاع للقلب وحمايته.

بيد أنّ في ما يلحق تكمن المفارقة التي ترجّح التّوقّع الأوّل إذ يقول: (فقط لأنّه ما زال حيّاً)، وهذه الجملة هي التي تقدّم حشوداً من الدّلالات التي تقوّض الاطمئنان وتستدعي شرائط التّحليل الذي ينبغي له أن يعتدّ بما هو سايكولوجي ليقول. فهنا تُنجز التّأمّلات التي قادتها كتابة خبير بمحطّات الوعي واللاوعي لعالم تؤثّثه الأحلام التي قد تستحيل كوابيس وكأنّها أدوات قهر مسكتها يد الزّمن لتلوّح بها في (وجه بلا رأس) تدفع القراءة إلى مصاحبة حركة الدّوالّ النّصّيّة ومعماريّة ابتنائها.

لأنّني أعرفُ مَنْ كنتُ

فأنّ موتي ما زال قديماً

تضع مواجهة هذا المشهد المرفّل بتأمّلات سايكولوجيّة القارئ في أتون استعادة الزّمن الذي لا يمكن إلاّ أن يكون زمناً قلقاً بعد أن جعلته الذّات الكاتبة مطوّحاً بسلطة التّسلسل المنطقي للأحداث على الرّغم من أنّه زمن حافل باسترجاع الذّكريّات فعلاً وواقعاً، وهذا لا يتحقّق إلاّ من خلال خبرة في تفاصيل الأحداث التي عايشتها الذّات آنات متّصلة ومنفصلة بين الموت والحياة، فيتقدّم الموت على الحياة وكأنّه هو البدء والحياة تتلوه لذلك ما زال قديماً.

وهنا يعمل الشّاعر على خلخلة جدليّة الزّمن وفق استراتيجيّة اضطرابات الوعي التي تواجه قبح الواقع بالاحتجاج عليه في إيقاعات اللامنطق، وكأنّه مركب يدفعه شراع القهر لتنبثق في ضوئه صورة خراب الوجود الماثل في تمزيق لحظاته التّاريخيّة التي يستعين فيها مَن ارتدى ثوب الحرمان على تشخيص التّشوّهات التي ارتمت حملاً ثقيلاً في ذاكرة الأيّام.

وهكذا يسبق البلبلُ صوتَه

قبل أن أتكلّم

وقبل أن تمرّ السّماء عليهم

كنتُ من طين قديم لا يشبه عمري

في الانتظار أو عدمه

لا يشبه

ما تبقّى من انهيار أسبابي

ولا حتّى جنون الكون بي في عدم مغادرته

أو مهادنته

أو العطف فيه.

يكتب الشّاعر في هذا المقطع الذي يُعدّ استمراراً للمقطع الأوّل عبر أداة العطف، تجربته الدّاخليّة وعلاقاتها المضطربة بالعالم، حتّى إنّ هذه السّطور تنزع نحو انفعال ذاتي على الرّغم من التّرهّل الذي اصابها بسبب الإكثار من أدوات الرّبط التي كان ينبغي للشّاعر أن يتركها تتعالق ببعضها من خلال ارتباط معانيها ارتباطاً جدليّاً حتّى إنّنا نستشعر الذّات الشّاعرة قد استعارت كثيراً من عناصر الوجود لتكون دوالاًّ نصّيّة تشير إليها، فتسجّل حينئذ موضوعاً يمكن أن نطلق عليه (سايكولوجيّة التّواصل) والتي تكشف العلاقة الصّادمة بين الشّاعر ومحيطه الخارجي، إذ تشي السّطور الشّعريّة بخبرة إدراكيّة لكلّ ما وقع.

وهذا يعني أنّ هذا المقطع الشّعري يعبّر بعمق عن تجربة معيشة أرادنا الشّاعر أن نقرأها مكتوبة بحروف لو تمكّن لمنحها صورة حسّيّة تشخّص وجع النّزيف الذي تحياه الذّات الكاتبة، لكنّ الشّاعر يدرك أنّ العلاقة التّفاعليّة بين الكتابة والقراءة تنجز هذا الإحساس الذي يغدو وشماً يضيء جرح الحياة القادم عبر استعارات كبرى تنمّ عن كارثة يظلّ فيها الخراب سابقاً العمران كما سبق الموت الحياة من قبل، على الرّغم من أنّ الخراب والموت وجهان لقرص الشّمس التي تأبى مصافحة الحياة الفاقدة معناها، من هنا نجد خلخلة في بنية العلائق الوجوديّة مثلما وجدنا خلخلة في تسلسل الأحداث التي قُدّمت من خلال زمن مليء بالاضطرابات المجسّدة لارتباكات الوعي.

لنبرهن على ارتباط المقطع الثّاني بالأوّل ليس فقط من خلال أداة العطف، وإنّما من خلخلة البناء الظّاهراتي التي أشرنا إليها، فإذا كان الموت سابقاً للحياة، فإنّ البلبل يسبق صوته، ولكن متى قبل أن يتكلّم، وهذا يعني أنّ الكلام يسبق الصّمت، ثمّ في النّاموس الكوني أنّ عمر الإنسان يبتدئ وصيرورته، لكنّ الشّاعر الذي استعار البلبل لشخصه يفصح عن صيرورته (كنتُ من طين قديم لا يشبه عمري) أي أنّه في الخلق بدئي، وهذا يتطلّب تحليلاً سايكولوجيّاً بحسب تصوّرات كارل يونغ لنقبض على معنى البدء فيه، كي نقتنع أنّ العمر الفيزيائي تالٍ للبعد الرّوحي.

وهذا هو ديدن النّماذج البدئيّة (Prototypes) التي تفسّر لنا كثيراً من الظّواهر الغامضة. وهنا يبدأ نهر النّصّ بالتّدفّق سريعاً حيث تضع الذّات الكاتبة حدّاً معنويّاً فاصلاً بين الموت والحياة في هذا المقطع الشّعري الذي لا يعجز بنائيّاً ومعنويّاً عن التّواصل، حيث يواصل ماءُ النّصّ مجراه (في الانتظار أو عدمه لا يشبه ما تبقّى من انهيار أسبابي/ ولا حتّى جنون الكون بي في عدم مغادرته/ أو مهادنته/ أو العطف فيه).

أعتقد أنّ أدوات العطف هنا قد أثقلت هذا النّصّ بنائيّاً، لكنّها لم تحُل دون تدفّق معناه، وهنا تريد الذّات الكاتبة القول إنّ ثقل الخارج لا يمنع الدّاخل من الجريان، وهذا يعني أنّ الموت لا يُوقف الحياة وإن كان سابقاً لها، الحياة إذن في الدّاخل والخراب في الخارج، وهذه نمذجة أبديّة لجدليّة الصّراع بين الوجود والعدم والتي أراد خضيّر ميري أن يكون أنموذجها هنا، لذلك نجده ماثلاً في حضرة التّقديس:

إنّني من رعاة الأنبياء من أمّيّتهم المقدّسة

لا يكفّ الشّاعر عن أسطرة وجوده الذّاتي والشّعري، حين يغمس الكلمات بالكلمات، والنّور بالنّور، والظّلمة بالظّلمة مشيّداً مفارقة للحدث، لتكون لعبة للاحتجاج. فالشّاعر يرفع ذاته إلى مستوى رعاة الأنبياء، ومن ثَمّ يقدّ من هذا الحضور عنواناً رافلاً بالتّناقض الظّاهري (أمّيّتهم المقدّسة)، فالأمّيّة تشي بالجهل، ولكنّها عندما تُضاف إلى الأنبياء تغدو معرفة مركّبة لأنّها تدرك الظّاهر وما وراء الظّاهر، إذ تتمزّق بين رؤياها حجب الغيب فتكون مقدّسة.

هذه منزلة أرادها الشّاعر لذاته لأنّه ينطلق من خفايا الدّاخل التي خبرها بإقامته هناك، ليكشف قبح الخارج معلناً امتلاكه سلطة الإدراك، على الرّغم من أنّ معرفة خضيّر ميري تمنح القارئ سلطة معرفة ما قبل ابتناء النّصّ، الأمر الذي قد يسمح بتأويل لفظ الأنبياء منزاحاً إلى سلطة الحكم التي كان خضيّر ميري واحداً من ضحاياها، هذا ما نعاينه في قوله:

من بعض ما تبقّى من دمِهم على قميصي

ما تبقّى

فلا نعرف إذا كان هذا الدّمُ دمَ الخطيئة، أم دم الشّهادة، لكنّ التّكرار اللفظي الذي ينمّ عن وجع الشّاعر يوحي بأنّه دم الخطيئة الذي ترتكبه السّلطة الزّمنيّة الغاشمة بحقّ شعوبها وهو ما تبقّى، لذلك نستطيع أن نقرأ الدّم هنا دمين: الخطيئة والشّهادة في آن، إذ يصبح للدّالّ مدلولان والدّلالة واحدة هي التّضحية، حيث إنّ الخطيئة جرم ترتكبه السّلطات، والشّهادة ناموس الضّحايا وعنوانهم الأبدي الذي يجعل الموت يسبق الحياة، والخراب يسبق البناء.

ولكنّ الحياة والبناء ينهضان لأنّهما نور ينبثق من عتمة الدّاخل فيجتاح ظلمة الوجود، كما يجتاح ضوء الشّمس حلكة الليل، فيرتقي الضّوء إلى الأعلى فيما يتهاوى الظّلام على ضفّتي الأفق، وإن عاد هذا الظّلام، فسيزيف حاضر ليحمل صخرة الوجود إلى القمّة، فيواصل رحيله كما يواصل قرص الشّمس هذا الرّحيل، جدليّة أرادها القدر، فاحتضنها معنى الإنسان الذي يواجه زيف العقل بعنفوان الجنون.

هكذا أراد خضيّر ميري أن تكون حياته جنوناً معقلناً، فأضحت وصلة من شغاف القلب يرثي بها صديقه رحيم الغالبي، الشّاعر الذي واجه الموت بنار برومثيوس تاركاً الفضاء لخضيّر ميري كي يؤثّثه بالشّعر، فعنده استودع سرّ الشّعر والموت والنّار، بيد أنّ خضيّر ميري يتعثّر بخطوه متسائلاً:

هل أنزع السّرّ منّي

أم أنزع الموت عنّي

ليجيب واثقاً:

مَن أنا بلا موت بلا سرّ بلا معناي

المؤجّل وضباب ما تبقّى من ضباب

إذ يرى الموت إقامة في الوجود وحياة في الحضور، وأنماطاً عليا (Archetypes) يُضحي فيها المجرّد حسّاً، والصّمت كلاماً، والقول فعلاً، والمستقرّ حركة، فيشكّل الشّاعر الوجود مثلما يشكّل من طينة اللغة شكل الشّعر يضيء به أقاصي الذّات التي لا تكفّ عن الدّوران:

لن نرى أبعد من يوم واحد يتكرّر

الشّمس وحدها لا تطيق النّظر إلى الماء

لم يغفل خضيّر ميري عن تجسيد لحظات الزّمن الدّائري، الذي هو تفاصيل الصّيرورة الوجوديّة وتجسّداتها، وعلى الرّغم من أنّ الشّمس هي حارس هذا الزّمن ومنجبه، هي الوحيدة التي تأبى أن ترى صورتها الدّائريّة في الماء، لا لأنّها تخشى مصير نرسيس، ولكنّها ترفض أن تكرّر ذاتها في لحظات العذاب الذي يطبق هذا الكون، ولعلّها ترى في ماهيّة الماء لون الدّم الذي يغذّي الأرض فتنبت طغاة بأثواب الأنبياء فتظلّ جراح الضّحايا نشيداً للعزلة.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3303770

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC